برفقة «قصة القص» العراقية… نحن الرواة ولكن لسنا الرواية

حجم الخط
0

إذا كان كل شيء في العالم مرفقا بقصة، ولا يعبر عن وجوده إلا بقصة ما، فما هي إذن قصة القصة نفسها في هذا الإطار؟ كيف نحاول أن نكتب شيئا في قصة القص والسرد، وأن نستعيد على هذا النحو محتوى أكثر من قرن من الزمان للقصة العراقية الحديثة، بل نطمح إلى متابعة القص والسرد في العالم.
فإذا كان التكوين والخلق، والنشوء والارتقاء، ونشرة الأخبار السياسية وموت بائع جوال في انفجار إرهابي وثرثرات النسوة في الحافلات وتصريحات السياسيين في أجهزة التلفزيون، هي وقائع تروى على الدوام، وقائع حكي، وتنتقل من الإبصار ومن ثم إلى الأفواه والأسماع في متوالية سمعية وبصرية وشفوية، كأن العالم لا شيء خارج الروي والقص، وكأننا لسنا نحن، ونقع خارج وقائعنا السردية التي تتحول إلى تتابع مستمر بين الراوي والمروي، يملأ اليقظـــــة ويوجــــه بإبهام الرؤية ويكشف شيئا ما عن الحلم، أي حلـــم مادمـــنا فقط نعيش لنروي روايتنا الشفوية ونحكي إسقاطات الوقائع التي تكتبنا في إطار الروي والحكي العادي.
كيف يمكننا أن نروي لا أن نروى ونصير صيدا لغويا وحكائيا للوقائع العامة؟ هل في وسعنا أن نتأمل ونفحص وقائعنا قبل أن نطلقها في سياق الروي التقليدي؟ هل بوسعنا تعيين الحد الفاصل بين الروي العادي وقصة ورواية النص المقروء؟ هل بوسعنا اكتشاف مدننا وحقائبنا وأهلنا داخل القصة والرواية وليس في إطار الوقائع المحكية؟
إننا ببساطة على مستوى الروي العادي، نكون بذلك الوجه الآخر الإعلامي العام للحدث، من دون أن نمنحه بعدا فنيا أو رؤيويا مضافا، إنه الحدث يتحدث بواسطة بعض عناصره، ويخشى المؤلف المستقل الصانع للعالم الجديد على أنقاض العادي، إذ يكون الروي بموازاة الحدث والتعبير العادي البسيط عنه، ربما نسميه الروي الإعلامي والتواصل اللغوي مع الحدث، أو أي شيء آخر، ولكن لا يمكن في أي حال أن ندعوه قصة أو رواية، بالمعنى الدقيق والفني للنوع الروائي والقصصي، وإذا كان الإعلام هو عالمنا العام وندرك جيدا محتواه الفكري، لكننا لم نتبين على نحو مناسب محتوى عالمنا الخاص التي تقدمه قصة أو رواية.
قد نبدأ محاولة أولى لتصدي اكتشاف قصصية وروائية الروي، ندقق في أحداث فرق حتى لو كان بسيطا بين المتون الحكائية الشفوية والنصوص الروائية المكتوبة على قاعدة الواقع، بمعنى هل بمقدورنا أن نجري تحويلا لروي الوقائع عند الناس إلى نصوص بصرية وتأملية إذا شئتم، تعيد الأحداث من جديد وترتبها على نسق آخر.
وعلى مستوى آخر فإن النقد الأدبي وحده لن يستطيع متابعة قصة القصة والصعود بها إلى البصائر والأفهام، ولعل أي ناقد عراقي لا يتحرج من فقر النقد الأدبي الى المستويات الفكرية في إطار الواقع العراقي الحي، ولا يتردد من الاعتراف بالمنهجيات الوافدة لقصور قراءة دقائق النص.
لقد غدا العراق كتلة هائلة من الوقائع التراجيدية المتراكمة ومصدرا واسعا للروي، فاق حوادث الأرض كلها عبر التاريخ (وهذه ليست مبالغة في القول) حتى قيل بأن بابا للجحيم شرع عبر هذه البلاد، إبان الحرب الأهلية عام 2006 ـ 2007 غير أنه لا أحد يغامر بالقول جازما بانتعاش فن القصة والرواية، إلى الدرجة التي تتناسب مع عظم وهول الأحداث العراقية، كأن الأحداث العراقية الهائلة لا تخطئ أحدا في البلاد بحيث كانت الأجزاء مندمجة حسب تفاوتها في البناء الكلي، فلم تستطع حتى العين الروائية المراقبة أن تكتشف الحلم على مسافة أبعد، ولم يعد بمقدور النص الروائي والقصصي العراقي أن يتخطى المرحلة التي يعيش فيها ويتأثر بمعالمها.
من جانب ثان، فإن أي فرد عراقي الآن هو راوية أحداث شفوي بامتياز أمام العالم، وهو حامل للعناء الأسطوري والملحمي والواقعية التي تفوق سيزيف وبروميثيوس وأيوب مجتمعين، إلا أن هذا الفرد في داخل مجتمعه، أو بالعكس لم يصل بعد إلى إنتاج الفكرة الروائية والقصصية التي تؤطر النص الروائي والقصصي كمقولة مضافة، ومازال النص العراقي حاله حال الحلم العراقي الشفوي هو محصلة للبحث عن الكامن ومحاولة لاستقراء شيء ما في أي لحظة. ربما فقر نمو الفضاء الاجتماعي والتاريخي، وعدم تحقق مكتسبات وتحولات في الواقع العراقي، جعل الواقعية العراقية نفسها محل جدل، ما دفع بعض الكتاب العراقيين إلى الاستعاضة عن ذلك بالهروب والتخفي عبر الأسطرة والإبهام والبحث عبثا في الأطر الكامنة، ومحاولة الاستجابة عن توقد الوعي بالعالم، بطرح الغموض كطريقة جمالية للتواصل الفني، وهي حالة سليمة اضطر إليها الكتّاب بفعل التعارض الحاد بين تطور الوعي وتخلف الواقع.
لعل أهم شرط لنجاح وانتشار القصة والرواية هو الحرية والوعي بها، والبلاد افتقدت طويلا هذه المفردة، حتى إذا توفرت في أحد وجوهها عند عقد ما من الزمان، فإنما هي تحولات جزئية للرقيب الداخلي والخارجي، الذي يمنح درجة من التحول في ظل هذا النظام، سرعان ما تتقوض خلل نظام آخر، فضلا عن أن القصة والرواية في العراق لم تكتب في ظل الهامش المجتمعي الحر إلا في حدود ضيقة جدا، ولم تكن يوما نتاج الطبقة المتوسطة العراقية، سوى حالات نادرة قدرها قدر هذه الطبقة المجتمعية المغلوبة في الاستبداد والديمقراطية.
إذن، هل نحن الرواة ولسنا الرواية، ونحن الشخصيات التي تصنعها الأحداث ويغيب المؤلف المستقل عنها قسرا، وألا يظل السؤال قائما، كل هذا العناء ولم يكن بمقدور هذا الشعب أن ينتج ملامح لهويته العامة، لم تكتمل في ذهن مثقف أو تستقر في نص روائي، أو تتجمع في أفكار فيلسوف، يظل السؤال قاتما ليكون الإحباط دافعا للكتابة والانتظار تمركزا للتحول، والأمل الهش شرعة للمستقبل.
وبمرور الوقت لم تكن مصادر الروي إلا عملية للتعبير عن وضع مباشر لم يشأ القاص أو الروائي فيها أن يروي قدر ما يروى، أو يصبح مختبره الروائي والقصصي ما هو إلا بحث في كمون الهوية والتعبير عن الهوية داخل مظاهر الكمون اللغوية والفنية والتعبيرية، وبالتالي لم يتحقق للقصة والرواية العراقيتين أن تكتشفا حدثهما الفني إلا في حدود ذلك التعبير.
هذا الكلام لا يعني أن العراق خال من الروائيين والقاصين الكبار، بل العكس أن المنجز القصصي العراقي، تقدم عبر العقود الأخيرة بخطوات واسعة، غير أن الواقع العراقي لم يشهد على مستوى المنجز الاجتماعي كظهير مواز للقص والروي، ومن الطبيعي أن يسهم نمو التحولات الاجتماعية في تحفيز وإظهار الموضوع الروائي ودفعه إلى الانتعاش والولادة والنمو، فضلا عن أن الكاتب العراقي، يكتب في ظل مقاومة البرمجة السياسية والسلطوية ويحاول الإفلات منها عبر الأقنعة والتخفي والهروب إلى الماضي ما أبعده عن المجتمع والتفاعل الحي مع الأغلبية.
ومن هنا يثار السؤال، هل عاش الروائيون والقاصون العراقيون ليرووا؟ أم كانوا رواة في قصة أو رواية لم تكتمل بعد.
ولتكن الفكرة على النحو الآتي:
في ظل غياب النمو للتحولات الاجتماعية في العالم وموقع العراق منها، ظلت القصة والرواية في حدود أن تروى لا أن تروي، بمعنى أن مسار الأحداث في الواقع لم يتمكّن من ضبطها داخل النص.
فقر نمو الفضاء الاجتماعي والتاريخي وعدم تحقق مكتسبات وتحولات في الواقع العراقي، جعل الواقعية العراقية نفسها محل جدل، ما يجعلنا نعيد النظر في مفهوم الواقعية العراقية، وهل بدأت؟ أم هي مشروع لم يلملم أشتاته بعد.
معادلة الحرية والوعي في الكتابة والخروج من الكتابة في ظل الاستبداد والابتعاد عن المجتمع إلى العمل في ظل المجتمع ونبذ التسلط.
مازال النص العراقي حاله حال الحلم العراقي الشفوي هو محصلة للبحث بالكامن ومحاولة لاستقراء شيء ما في أي لحظة.
الكاتب العراقي، كتب في ظل مقاومة البرمجة السياسية والسلطوية ويحاول الإفلات منها عبر الأقنعة والتخفي والهروب إلى الماضي ما أبعده عن المجتمع والتفاعل الحي مع الأغلبية.

٭ كاتب عراقي

برفقة «قصة القص» العراقية… نحن الرواة ولكن لسنا الرواية

محمد خضير سلطان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية