برلماني ينقل معاناة الفقراء وخوف الحكومة من الأثرياء… وصاحبة «منطقة محظورة» تنتفض ضد الضرائب!

جرت العادة أن يجد المشاهدون المغاربة في النقل التلفزيوني لجلسات البرلمان مدعاة للسأم والقرف، بالنظر للطابع الرتيب والكلاسيكي الذي يجري به طرح الأسئلة من طرف البرلمانيين وتقديم الأجوبة من طرف الوزراء، حيث يتنافس الكل في الحديث بلغة الخشب التي «لا تزيل غشاوة ولا ترفع غباوة» على حد تعبير أحد الكتّاب الساخرين. ذلك أن جلسات البرلمان المنقولة على الهواء تلفزيونيا لا تعطي أجوبة شافية على تساؤلات المواطنين، ولا تقدم أخبارا ومعلومات جديرة بالاهتمام، إذ يكتفي المسؤولون الحكوميون بترديد عبارات التسويف والمماطلة واستعراض «المخططات» التي تظل مجرد كلام يذهب مع الريح.
لكن ما جرى تحت قبة البرلمان، قبل أيام، شذّ عن هذه القاعدة، حيث انبرى أحد البرلمانيين في فضح السياسة الحكومية المتبعة التي تستهدف الطبقتين الفقيرة والمتوسطة في المجتمع المغربي. واللافت للانتباه أنه في مقابل الحرقة والغيرة التي كان يتحدث به البرلماني، التقطت كاميرا التلفزيون، أكثر من مرة، رئيس الحكومة وهو يجابه ذلك الكلام بالابتسامة القريبة من الاستهزاء وبتعبيرات الملامح التي تحتمل أكثر من تأويل. مما يُطرح معه سؤال عريض حول التغير الذي طرأ على خطاب حزب «العدالة والتنمية» عند الانتقال من المعارضة إلى المناصب الوزارية. ألم يقولوا إن بحبوحة العيش تعمي العيون؟ ألم يقل المثل المغربي البليغ «الله ينجيك من المشتاق إيلا ذاق»؟ بما يُفيد أن بعض الذين يجرّبون النعمة حديثا سرعان ما يتبدل حالهم فينسون الوضع الذي كانوا فيه ويتنكرون لمن هم في مثل تلك الحالة المزرية.
لقد بدا البرلمانيّ الغيور الفصيح، في النقل التلفزيوني المباشر، وهو يلقّن رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، درسا لن ينساه، واضعا الإصبع على مكمن الجرح والخلل، المتمثل في الإجهاز على القدرة الشرائية للمواطنين البسطاء والتهرب من اتخاذ إجراءات صارمة تجاه الطبقة الأرستقراطية. وردّ البرلمانيّ على قول العثماني إن حكومته ستزيل دعم الدولة لصندوق المقاسة، بذريعة أنه يستفيد منه الأغنياء أكثر من الفقراء، في مجالات الغازوال وغاز البوتان وبعض المواد الاستهلاكية الأخرى. ووجه البرلماني لرئيس الحكومة السؤال عمّا إذا كان يعرف صناديق دعم أخرى يستفيد منها الأغنياء، وحين حرك سعد الدين العثماني رأسه ويديه بالنفي، شرع البرلماني في تعداد مجالات دعم الدولة للأغنياء:
ـ اقتناء كبار الفلاحين لأراضي الدولة بـ1500 درهم (حوالي 163 دولار أمريكي) للهكتار، ولا يؤدون الضرائب، ويستفيدون من الدعم الحكومي عند اقتناء الجرارات ـ مثلا ـ أو عند حفر الآبار وتصدير المنتجات عبر النقل الجوي أو على مستوى تخزين المواد في البلد المصدر له.
ـ استفادة بعض المحظوظين من رخص استغلال الثروة السمكية وبيعها في أعالي البحار، دون أداء الضرائب، بالإضافة إلى استفادتهم من دعم المواد البترولية.
ـ اقتناء كبار المنعشين العقاريين لأراض بأثمان بخسة.
وأثار البرلماني بعض المفارقات الصارخة، من بينها أن من يملكون ضيعات زراعية تتوفر على مئات الأبقار، حين يولد عِجل لدى أحدهم يستفيد من دعم مقداره 4000 درهم (437 دولار)، بينما حين يزداد لدى المواطن ابن أو بنت يستفيد فقط من 200 درهم (21 دولار) من صندوق الضمان الاجتماعي. أما المثال الثاني، فيتمثل في أن من يستورد طائرة خاصة أو يخت لا تفرض عليه سوى ضريبة قدرها 2,5 في المائة، أما من يستورد الفاصولياء والعدس فتنزل على كاهله ضريبة تصل إلى 60 في المائة.
وخاطب البرلماني رئيس الحكومة قائلا: هل تتوفرون على الجرأة لكي تتوجهوا إلى الأغنياء مباشرة؟ خاصة وأنكم تقولون إنكم تودون استهدافهم من خلال رفع الدعم عن صندوق المقاصة. فهم يوجدون بنسبة قليلة، افرضوا عليهم ضريبة الثروة! ومن العار أن يبقى بعض المغاربة ينتظرون في صفوف طويلة للحصول على إعانات السكر والدقيق. لا بد من القطع مع منظومة الإحسان.
وفي السياق نفسه، كان النقل التلفزيوني لجلسات البرلمان، مناسبة لبرلماني آخر لجلد الحكومة وفضحها أمام الرأي العام، وردّ على رئيسها الذي قال إنهم ضائعون ويبحثون عن الطريق، بالقول إن الحكومة تنفذ إملاءات صندوق النقد الدولي، من خلال رفع الدعم عن المواد الأساسية وإلغاء مجانية التعليم العالي والإجهاز على الصحة العمومية والتقاعد وتعويم الدرهم المغربي (تحرير صرف العملة الوطنية)، وإغراء البلاد في الديون… وهي إجراءات استحقت عليها الحكومة رضا صندوق النقد الدولي والحصول على شهادة حسن السلوك من لدنه.

«لماذا يجب علي أداء الضرائب؟ّ»

سلوى مفتوح، إعلامية مغربية تقدم برنامجا يحمل عنوان «منطقة محظورة» على قناة «تيلي ماروك»، تناقش فيه عددا من القضايا الشائكة، مثل الاعتداء الجنسي على الأطفال والمراهقين، والتحرش الجنسي، والسحر والشعوذة، وحرية الجسد وغيرها من الحريات الفردية… إلى غير ذلك من الموضوعات التي يساهم فيها مختصون ومحللون.
خلال استراحتها المؤقتة من تعب مهنة الإعلام، تكتب بين الفينة والأخرى تدوينات تعبر فيها عن رأيها الشخصي في عدد من قضايا الشأن العام، والذي لا يلزم المؤسسة التي تنتمي إليها في شيء.
أخيرا، أدلت بدلوها في النقاش حول الثروة والضرائب، حيث كتبت في تدوينتها: «أريد أن أعرف لماذا يجب علي أداء الضريبة؟ ماذا أستفيد من الدولة المغربية؟ أنا كمواطنة مغربية أشتغل في القطاع الخاص، أدرّس أبنائي في القطاع الخاص حتى في حالة المرض ألجأ إلى القطاع الخاص، ليس لأنه في مقدوري ذلك، بل لأنني لا أستطيع أن أعرض حياتي وحياة أطفالي للخطر، كلكم تعرفون واقع مستشفياتنا العمومية، ولا أستطيع أن أغامر بمستقبل أبنائي وتدريسهم في المدرسة العمومية التي قرأنا عليها الفاتحة منذ زمان. لا تقولوا لي: المغرب بلد آمن، من قالها سأتحداه أن يتحدث عبر الهاتف المحمول في الشارع وسط النهار. الدولة رفعت الدعم على الغازوال وغيره. إذن، لماذا يجب عليه دفع الضريبة؟ أليس الزكاة مفروضة على المسلمين ولا سيما القادرين على أدائها نقدا أو عينا. أن تقول الضريبة على الدخل كما لو أن الدولة تدفع لك راتبك، وأن تقول الضريبة على السيارة كما لو أن الدولة تدفع بالنيابة عنه أقساط الدين… بالإضافة إلى ضريبة النظافة وغيرها».

اللغو في البرامج الحوارية

عوض أن تكون البرامج الحوارية في القنوات المغربية فرصة لإثراء النقاش حول قضايا الساعة وتعميق الثقافة السياسية والحقوقية، وبدل أن يلتزم منشطو تلك البرامج الحياد والموضوعية المطلوبين، نجد أن جلهم يسلك أحد المسلكين: إما محاولة تلميع صورة الضيف والتطبيل له والإعلاء من قيمته، لحاجة في نفس يعقوب أو في نفس بعض القائمين على المؤسسات التلفزيونية، أو السعي إلى تحويل البرنامج التلفزيوني إلى ما يشبه «استجوابا» في مخافر الشرطة، بهدف استفزازه أو الحط من شأنه أو البحث عن ثغراته وزلات لسانه. وبذلك، تفقد الكثير من البرامج الحوارية ـ ولا سيما السياسية ـ قيمتها، ويبدو منشط الحوار بمثابة منفذ للتعليمات التي ترد عليه عبر السماعة الصغيرة الملصقة في أذنه.
فلا عجب إذن، أن يعرض المشاهد عن هذه النوعية من البرامج، ويبحث عن متنفس له في قنوات أخرى تحترم جمهورها وتساهم في تنمية ذائقته وتكرس تقاليد المشاهدة الراقية.

كاتب من المغرب

 

برلماني ينقل معاناة الفقراء وخوف الحكومة من الأثرياء… وصاحبة «منطقة محظورة» تنتفض ضد الضرائب!

الطاهر الطويل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية