لندن ـ «القدس العربي»: تحمل الانتخابات البرلمانية الأردنية أهمية خاصة لأنها تجري وسط تحديات تشهدها المنطقة وتؤثر بطريقة أو بأخرى على الأردن الذي استقبل حوالي مليون لاجئ من العراق وسوريا يواجه مشاكل اقتصادية وتحديات نابعة من تنظيم «الدولة الإسلامية».
فعدد أبنائه الذين يشاركون في صفوف التنظيم يعتبر الأعلى بعد تونس، ويضاف إلى كل هذا مشاكل البطالة بين الشباب التي بلغت معدلات عالية وجعلت بعضهم صيدا سهلا للمتشددين. كما تظل الانتخابات البرلمانية خطوة على طريق الإصلاح الموعود الذي وعدت به الحكومة بعد ثورات الربيع العربي وبالذات الملك الذي تبنى فكرة التحول الديمقراطي التدريجي.
ولها أهمية خاصة من ناحية مشاركة الإخوان المسلمين الذين قاطعوا انتخابات عام 2010 و 2013. ولهذا السبب تراقب نتائجها عن كثب حسب صحيفة «فايننشال تايمز».
شكوك
وكتب مراسلها من عمان جون ريد قائلا إن جبهة العمل الإسلامي، الجناح السياسي لحركة الإخوان المسلمين شاركت ضمن تحالف واسع ضم نساء وممثلين عن الأقلية المسيحية في محاولة من الجبهة توسيع قاعدة الناخبين لها.
ويستبعد المحللون والدبلوماسيون نصرا ساحقا للجبهة نظرا لطريقة ترشح عدد من المرشحين بناء على قوائم قبلية أو مستقلة ونظرا لمنع القوانين الانتخابية الأحزاب وضع شعاراتها على القوائم الانتخابية.
ونقل ريد عن الأمين العام السابق لجبهة العمل الإسلامي ونائب المراقب العام للإخوان زكي بني إرشيد قوله إن بلدانا تشهد ديمقراطية جزئية لا يحدث التغيير فيها إلا من القمة في إشارة لمحدودية البرلمان في تعزيز المسار الديمقراطي.
ففي الأردن يقوم الملك عبدالله الثاني بتعيين رئيس الوزراء والإعلان بمرسوم ملكي عن إجراء انتخابات البرلمان.
ورغم قدرة النواب على مساءلة الوزراء ومهاجمة قرارات الحكومة المثيرة للجدل مثل اتفاقية الغاز مع إسرائيل إلا أن قلة في الأردن من تؤمن بقدرة النواب على التأثير. ففي استطلاع نشرت نتائجه في شهر نيسان/إبريل ونظمه معهد الجمهوريين الدولي أظهر أن نسبة 87% من الأردنيين يعتقدون أن البرلمان لم يحقق شيئا يمكن الحديث عنه.
وقال نصف المشاركين إنهم لن ينتخبوا. ولهذا السبب حاولت الحكومة الدفع باتجاه مشاركة أكبر في الانتخابات، وقررت يومين عطلة مدرسية.
فالعملية وحجم المشاركة فيها هي محاولة لقراءة المزاج العام وإيمانه بالنظام السياسي والإصلاحات التدريجية التي تبناها النظام.
ويرى المتحدث الرسمي باسم الحكومة ووزير الدولة لشؤون الإعلام محمد المومني أن الانتخابات هي دليل «على قوة وتصميم البلد ومؤسساته»، مشيرا إلى أنها تجري وسط منطقة يسمع في شوارعها صوت الدبابات والقنابل ويسفح الدم في كل مكان. إلا أن العملية تظل عرضا وامتحانا في الاقتراع «يناسب صورة الأردن كدولة تطمح للديمقراطية» حسب دبلوماسي أجنبي في عمان.
وشارك في مراقبة الانتخابات فريق من الاتحاد الأوروبي للتأكد من نزاهة الانتخابات حيث ساد الانتخابات السابقة تلاعبا.
ومن هنا يرى بني إرشيد أن «الانتخابات الماضية شهدت تلاعبا ولم تكن نزيهة».
من هنا يحتوي برنامج الجبهة على مجموعة من الوعود الانتخابية مثل مكافحة الفساد والإرهاب وتحسين الإقتصاد.
وجه جديد
وتعبر هذه عن رؤية الإصلاح الجديدة أو ما يراه تيلور لاك من صحيفة «واشنطن بوست» «إعادة تشكيل الصورة».
ويقول «لقد مضت الأعلام الخضر المزينة بالسيفين المعقوفين. وبدلا من ذلك رفع مؤيدو الجماعة يافطات مكتوب عليها «إصلاح» وصعدت نساء ومسيحيون على المسرح ولم تذكر كلمة إسلام ولو مرة.
وتمايل العدد من الحضور على صوت موسيقى البوب الوطنية والأغاني الشعبية البدوية. وذكرت النبرة بتجمعات لبيرني ساندرز (المرشح الديمقراطي السابق) أكثر من كونها تعبيرا عن حركة إسلامية عمرها 90 عاما».
ويشي وصف تايلور لحشد انتخابي في عمان الغربية أنه مختلف وغريب عن تجمعات الحركة المعروفة سابقا بالهتاف والنشيد والأعلام التي تحمل شعار جماعة الإخوان.
ونقل الكاتب هنا خطابات المشاركين في الحشد من الحديث عن الحاجة لتقوية الأمة ومنح الكرامة للمواطنين والتغيير عبر الانتخابات.
ويعلق تايلور أن الإخوان المسلمين قاموا بتشكيل صورتهم من جديد بعد سنوات من الضغوط التي مارستها الدولة عليهم مما هدد بحل الجماعة أو تفككها.
فقد خسرت الجماعة في العامين الماضيين رخصة تسمح لها بالعمل بطريقة قانونية في البلاد وجمدت الدولة أرصدتها وقامت أجهزة الأمن بإغلاق المركز العام بالشمع الأحمر وعدد آخر من مراكزها في مدن أخرى.
واعترفت الحكومة بجماعة أخرى منشقة عن الحركة الأم رغم أنها لا تتمتع بدعم واسع بين قواعد الإخوان المسلمين.
وتحدث تايلور عن إمكانية حصول الإخوان رغم كل ما تعرضوا له على مكاسب في الانتخابات التي شهدت إقبالا ملحوظا في الساعات الأولى من فتح مراكز التصويت. وبحسب لجنة الانتخابات المستقلة فقد صوت في الساعات الثلاث الأولى حوالي 230.000 من بين 4.1 مليون شخص يحق لهم التصويت.
وبناء على أرقام عدة يتوقع أن يحصل الإخوان على ما بين 20- 30 مقعدا من مقاعد البرلمان بشكل يحولهم أكبر كتلة برلمانية. وإن حصل فسيكون تحولا مهما في مسار حركة قال الكثيرون إنها انهارت أو في طريقها للإنهيار. ولن تعرف النتيجة الكاملة لتوجهات الناخب الأردني إلا يوم الجمعة.
مسارات
ويعبر التحول الحالي عن المسارات التي مرت بها الجماعة منذ وصولها إلى الأردن في أربعينيات القرن الماضي وبعد عقدين تقريبا من ظهورها في مصر عام 1928.
ومنذئذ سمحت لها الدولة الأردنية بممارسة النشاط كجمعية خيرية وأقامت مستشفيات ومساجد ومدارس وحصلت على دعم واسع بين التجمعات المدنية وفي مخيمات اللاجئين. وتحول الإخوان في عام 1989 إلى قوة برلمانية عندما أعاد الملك حسين البرلمان وعارضوا اتفاقية وادي عربة مع إسرائيل عام 1994 وطالبوا خليفته الملك عبدالله الثاني بتحويل السلطة للبرلمان.
وتتمتع الجماعة بدعم واسع بين الأردنيين من أصل أردني إلا أن القصر وقطاعا من السكان ينظرون إليها بنوع من الشك. ويرون أنها راغبة بالسيطرة على السلطة وتجريد القبائل والجيش من تأثيرهما. إلا أن بني إرشيد، نائب المراقب العام للإخوان يرى أن الوقت قد حان كي تتحول الجماعة من حركة إسلامية إلى حركة وطنية وتعبر عن طموحات كل الأردنيين».
وأضاف «نحن بحاجة لأن نتغير كي ننجوا». وفي محاولة للوصول إلى الأردنيين المترددين قام بني إرشيد بتشكيل قائمة «الإصلاح» وألغى من المواد الدعائية كلمة الإخوان المسلمين ومن صفحة «الفيسبوك».
واستبدل شعار «الإسلام هو الحل» بشعار «نهضة وطن» ولم تعد الجماعة تدعو إلى تطبيق ومن النادر أن تتحدث عن القضية التي كانت تعتبر من القضايا التي تهم وتحشد قاعدة الدعم للفلسطينيين في الأردن.
ولم يغب عن الكاتب الإشارة لترشيح قائمة الإصلاح أربعة مسيحيين للحصول على دعم الأقلية المسيحية في الأردن.
ويرى محللون أن التحول في خطاب الإخوان، لو كان حقيقيا، سيكون نقطة تحول للحركة والسياسة في الأردن الذي لا توجد فيه أحزاب قادرة على منافسة الإسلاميين.
ويرى عريب الرنتاوي، من مركز القدس للدراسات السياسية في عمان، أن التغيرات لو كانت أصيلة فستترك أثرا إيجابيا على الأردن والوضع الداخلي.
وتضم قائمة الإصلاح مرشحين في معظم الدوائر من الإسلاميين والوطنيين واليساريين وأبناء العشائر والأقليات. ورغم التغيرات في خطاب الإخوان إلا أن التوتر لا يزال قائما بينهم والمؤسسة، وهددوا قبل الانتخابات بمقاطعتها بعد استبعاد مرشحين بناء على أمور فنية.
ويشير الكاتب لتجربة الإخوان السابقة في الحكومة والتي لم تكن ناجحة نظرا لانشغالهم بقضايا غير مهمة.
ويرى أن أهم عقبة أمام الإخوان في الأردن هي الحصول على دعم الرأي العام المتردد.
قانون الانتخابات
وفي مقال كتبه ديفيد شينكر من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى وقبل يوم من الانتخابات وبنى رؤيته على استطلاعات للرأي سابقة توقعت مشاركة متدنية في انتخابات الأردن البرلمانية وذلك بسبب عدم اقتناع الرأي العام بفعالية هذه المؤسسة التشريعية.
ومهما يكن فالمنافسة الأخيرة تعتبر مهمة وتمثل امتحانا لقوة الإسلاميين كما يقول. وعاد الكاتب إلى تجربة الإخوان عام 1989 عندما فازوا بـ 34 مقعدا من 80 مقعدا وهو ما دفع الملك حسين عام 1993 لتغيير قانون الانتخابات إلى نظام الصوت الواحد وهو ما دفع الناخبين للتركيز على ولاءتهم القبلية بدلا من الأيديولوجية ولهذا لم يحصل الإسلاميون في انتخابات تلك السنة إلا على 17 مقعدا.
وقاطعوا الانتخابات عام 1997 و 2003 وانتقدوا نظام الصوت الواحد واعتبروه «غير ديمقراطي».
وتعرض قانون الانتخابات مرة أخرى للتعديل في عام 2012 بشكل سمح للناس بالتصويت للأحزاب إلا ان جبهة العمل الإسلامي لم تشارك في انتخابات عام 2013.
وفي أذار/مارس صادق الملك على قانون يسمح بالقائمة المفتوحة والذي دعمه الإسلاميون وفتح المجال أمام مشاركتهم.
ورغم ما يحتويه القانون من مظاهر قصور ومسائل تفضيلية لقطاع من السكان على حساب قطاع آخر إلا أنه يعتبر تطورا عن قوانين سابقة من جوانب عدة، منها تخفيض المقاعد إلى 130 مقعدا والدوائر الانتخابية إلى 23 دائرة.
والتحول الاكبر هو النزوع نحو النظام القائم على الحزب، حيث يتمكن الأردنيون من منح أصواتهم لقائمة مفتوحة في دوائرهم الانتخابية. ورغم ما يحتويه من تعقيدات إلا أنه حاز على تقدير من المجتمع الدولي والإصلاحيين الأردنيين.
ويعتقدون أن القانون سيؤدي لولادة برلمان فاعل يركز على قضايا، وفيه كتل برلمانية متنافسة. ويستبعد الكاتب نتيجة كهذه، فوجود 230 قائمة مكونة من 1.300 مرشح ينتافسون على 130 مقعدا سيؤدي لتشكيل برلمان من كتل متباينة.
ونظرا لقصر مدة الحملات الانتخابية التي امتدت على أسبوعين فلم يتسن للمرشحين التركيز على قضايا متعلقة «بخدمات المواطنين» والتي تؤثر على الأمور الحياتية للسكان. وأشار استطلاع معهد الجمهوريين الدولي في نيسان/إبريل إلى أن نسبة 70% من السكان ركزوا على قضايا متعلقة بالاقتصاد الذين قالوا إنه «سيء» و«سيء جدا» حيث أعتبروا ارتفاع الأسعار والبطالة وتدني الأجور أكبر المشاكل.
ويتوقع شينكر أن يتشكل البرلمان المقبل من شخصيات ذات أجندة خاصة وليست مرتبطة بمبادئ موحدة باستثناء جبهة العمل الإسلامي.
وهو يرى أن الكثير تغير على الإسلاميين منذ انتخابات عام 2013. وأشار لأهم ما جرى في هذا السياق وهو ظهور مبادرة زمزم، والتي أسستها قيادات سابقة في الإخوان عام 2012 وتعمل على إنشاء حركة محلية وطنية تركز على الشأن المحلي كبديل عن حركة الإخوان المسلمين التي يتهمها أفراد هذه المبادرة بتأييد الفلسطينيين وحماس.
ويمثل المبادرة حزب المؤتمر الوطني الأردني كجناح سياسي لها. وفي الإطار نفسه انقسمت حركة الإخوان بين الحركة الام وجمعية الإخوان التي دعمتها الحكومة وأنشأها المراقب السابق للحركة عبد المجيد الذنيبات.
ورغم الجهود التي قامت بها الحكومة لتقسيم الجماعة إلا أن جبهة العمل الإسلامي نجت وظلت حاملة للواء الإسلاميين في المملكة.
وأنشأت كتلة الإصلاح للمشاركة في الانتخابات. ويشير شينكر إلى المرشحين من الكتل التي تمثل التنوعات الإسلامية في الأردن.
فحزب الوسط رشح 16 شخصا في تحالف مفتوح مع زمزم وجمعية الإخوان اللتين رشحتا عددا قليلا مقارنة مع كتلة الإصلاح التي رشحت 118 مرشحا في أكثر من عشرين دائرة. ويعبر تنوع البطاقة الانتخابية للكتلة عن مدخل الكتلة الذي تجنب الشعارات الدينية وركز على الإصلاح.
وأشار الكاتب لمقابلة بني إرشيد مع صحيفة «السبيل» حيث قال إن الكتلة تهدف إلى جذب الناخبين الراغبين في العمل الوطني دونما الإلتزام بمبادئ الحركة الإسلامية.
ويتوقع شينكر أن يساعد تنوع القوائم للكتلة على توسيع مجال تأثيرها والفوز بمقاعد تحظى بتنافس قليل.
ويقول إن هناك قلة من التفتت لأهمية التغير في القانون الانتخابي والذي لم يكن يهدف إلى تقوية البرلمان بقدر ما يؤدي لولادة برلمان مهشم وضعيف. ومهما يكن فالانتخابات الحالية ستكون بمثابة امتحان لإداء بقايا الإخوان وكتلة الإصلاح الوطني والتي يمكن أن تحصل على 20 مقعدا.
أما منافسوها من الإسلاميين- جمعية الإخوان وحزب المؤتمر الوطني وحزب الوسط فمن المتوقع أن يحصلوا على خمسة مقاعد ما يعني 25 مقعدا لكل الإسلاميين أي 20% من مقاعد البرلمان.
ويرى شينكر أن الأعداد لا تمثل في النهاية تهديدا حقيقيا لسياسة الملك أو أجندته في البرلمان لأن بقية المقاعد ستكون داعمة له ولحكومته. وما سيحصل عليه الإسلاميون من الانتخابات هو صمام أمان يمنحهم للبقاء داخل النظام رغم ما يتعرضون له من ضغوط القصر والأجهزة الأمنية.
وفي النهاية يرى الكاتب أن الانتخابات لن تكون سوى نصر رمزي للإخوان في ضوء الدور الهامشي الذي يعلبه البرلمان في السياسة الأردنية.
وما هو أكيد هو أن الإخوان المسلمين بعد خمسة أشهر من الحظر لا تزال حركتهم وفرعها السـياسي حية وفي صحـة جيدة.
إبراهيم درويش