لا شك عندي في التزام الرئيس السيسي بإجراء الانتخابات البرلمانية المصرية في أقرب وقت ممكن. ولا شك عندي ـ أيضا ـ في أننا قد نكون بصدد برلمان كارثي بامتياز.ولا شك عندي ـ ثالثا ـ في عدم دستورية البرلمان المقرر انتخابه، وكونه معرضا للحل في أي وقت بحكم يصدر عن المحكمة الدستورية العليا.
أصل الفوضى في نص الدستور، فقد حمل الدستور المستفتى عليه إيجابيات هائلة جدا، وأعطى المشرع مرونة كبيرة في تقرير طبيعة النظام الانتخابي، وسواء جرى بالقائمة النسبية أو بالفردي أو بمزيج بينهما، وبدت النصوص المتعلقة بالنظام الانتخابي معقولة في مواد الدستور الأساسية الدائمة، لكن المواد والأحكام الانتقالية عصفت بوضوح المواد الأساسية، وابتكرت نصوصا لا يصح من الأصل أن تظهر في دستور، فالدستور هو أبو القوانين، ويفترض في نصوصه أن تكون منضبطة صريحة لا تخضع لتأويل، وهو ما سارت النصوص الانتقالية على عكس منواله، وبدا فيها «العك» ظاهرا، وعلى طريقة «واحد تمثيل ملائم وصلحه»، وتقرير «تمثيل ملائم» للشباب والعمال والفلاحين والمسيحيين وذوي الإعاقة والمصريين في الخارج، وأضيف التمثيل الملائم للفئات الخمس المضافة انتقاليا إلى «تمثيل مناسب» للنساء، مع فارق بسيط، وهو أن «التمثيل المناسب» للنساء منصوص عليه في المادة (11) من المواد الأساسية، والعوار هنا ظاهر في تعبيرات «التمثيل الملائم»، و»التمثيل المناسب»، فما يبدو ملائما في تقدير أحدهم قد لا يكون ملائما من وجهة نظر آخر، وهو ما يعني فسادا دستوريا أكيدا لأي نص قانوني بخصوص التمثيل الملائم، فالتعبير مطاط، وليس منضبطا من الناحية القانونية، وقد يكون تعبير «التمثيل المناسب» أكثر ميلا إلى الوضوح، فهو يتعلق بالوزن النسبي للفئة المعنية، وإن كان الاتفاق القانوني الجامع على المغزى مستحيلا.
هذه الفوضى الدستورية وضعت البذرة لفساد قانون الانتخابات، وقد ظهرت له أكثر من صيغة في أيام الرئيس الانتقالي المستشار عدلي منصور، وتغيرت النسب والأوزان أكثر من مرة، وتغير العدد المقرر لتمثيل النساء بالذات، وعلى طريقة الاستجابة اللحظية لضغط من هنا أو فتوى من هناك، وإلى أن استقرت الصيغة المشكوك في أمرها دستوريا، التي قررت تشكيل البرلمان من 567 عضوا، بينهم 27 عضوا يعينهم الرئيس، وبواقع خمسة بالمئة من مجموع الأعضاء كما يقرر الدستور، وإلى هنا لا خلاف، ثم يبدأ «العك» القانوني المترتب على «العك» الدستوري، ويجري حجز 120 مقعدا بالقوائم المطلقة، يخصص منها 24 مقعدا للمسيحيين، و16 مقعدا للعمال والفلاحين، و16 مقعدا للشباب، وثمانية مقاعد لكل من المعاقين والمصريين في الخارج، وكلها تقديرات اعتباطية، لا تستند إلى معيار يرد الاتفاق عليه، والمجموع 72 مقعدا، يضاف إليها 48 مقعدا لشخصيات عامة، وعلى أن يكون للنساء 56 مقعدا على الاقل من مجموع القوائم، فالمقاعد موزعة ـ طبقا للقانون إياه ـ على أربع قوائم، قائمة من 45 عضوا للقاهرة والدلتا، وأخرى مماثلة تضم الجيزة والصعيد، ثم قائمتين لكل منهما 15 عضوا، واحدة لمدن القناة والشرقية وسيناء، ومثلها في العدد للإسكندرية ومطروح والبحيرة، وفي ترتيب فوضوي، لا يبدو مفهوما للمتخصصين، فما بالك بالناخبين المساكين، الذين يضيعون في «حسبة برما».
ولأن الذي يبنى على «عك» ينتهي إلى «العك» ذاته، والذي يبنى على باطل ينتهي إلى الباطل، فإن القصة لا تنتهي عند بدعة «التمثيل الملائم»، وهو نص لا يصح أن يوضع في دستور، ويدمر مبدأ المساواة في حق الترشح، كما أنه لا يأخذ حتى بمبدأ «الكوتة» المميزة المحددة بالنسبة، وهكذا فلا مساواة ولا «كوتة»، بل «عك» يترتب عليه عوار دستوري آخر، وهو عدم المساواة في التمثيل البرلماني، ووجود نائب بشرطة ونائب من غير، فعضو البرلمان الذي ينتخب في القائمة المطلقة المقررة، هذا العضو يمثل قاعدة ناخبين ضخمة جدا، تصل إلى ثلاثة أضعاف الناخبين الممثلين بعضو النظام الفردي، فقد جرى حجز 420 مقعدا لنظام الانتخاب الفردي، وطبقا لقانون تقسيم دوائر لم يصدر بعد، وينتظر هو الآخر فرصة الاستقرار على تقسيم جديد للمحافظات، ولا توحي البوادر والاقتراحات بشيء يعتد به دستوريا، فثمة تجريب بدائي لا يليق بمكانة بلد في حجم مصر، لها تراث عريق في النصوص الدستورية ممتد إلى مئتي سنة سبقت، ثم جاءت جريمة «العك» في نصوص ومواد الدستور الانتقالية، وأطاحت بالتراث المديد، وبدستورية البرلمان المقبل، حتى قبل أن تبدأ إجراءات انتخابه.
والخلاصة أننا بصدد برلمان غير دستوري بالمرة، وبسبب مساومات عمرو موسى رئيس لجنة الخمسين، الذي أعد مواد الدستور الانتقالية في ما خص النظام الانتخابي، أعدها على طريقة قرارات الجامعة العربية التي ترأس أمانتها العامة لعشر سنوات، وبدت النصوص أقرب إلى «الهلوسة» على طريقة قرارات الجامعة، يفهم منها من يشاء كما يشاء، وتقرأ بالمعدول كما تقرأ بالمقلوب، ثم لا يخجل الذي صنع «العك» من مواصلة «العك»، ويقحم نفسه في المشهد مجددا، ويتطلع لرئاسة البرلمان امتدادا لرئاسته لجنة الخمسين، وكأننا بصدد مسرح عبث لا يسدل عليه ستار، تهدر فيه مليارات الجنيهات لانتخاب برلمان، يعلم الكل عواره الدستوري، المترتب على عوار المواد الانتقالية سيئة الصيت، ثم نأتي إلى عبث الفصوص بعد عبث النصوص، فالانتخابات كلها تتم وفق قواعد النظام الفردي، وهو ما ينتهي إلى برلمان يمثل أقلية الأقلية، ويهدر إرادة الأغلبية الساحقة من المصوتين، وهذا إجمال له تفصيل، فانتخابات القائمة المطلقة غير انتخابات القائمة النسبية، فالقائمة المطلقة التي تحصل على عدد أصوات أكبر تفوز بالمقاعد المقررة كلها، حتى لو كانت نسبة المصوتين لها لا تزيد على عشرة بالمئة من إجمالي المصوتين، وبالذات عندما تجري انتخابات إعادة متوقعة في غالب الأحوال، وهذه هي القاعدة نفسها المطبقة في انتخابات النظام الفردي، فالمتوقع أن تنفتح شهية الترشح على المقاعد الفردية، لأبعد مدى، وأن يصل عدد المرشحين إلى ثلاثين ألفا أو أكثر، يتنافسون على 420 مقعدا، وتأملوا من فضلكم بعضا مما سيجري، افترض ـ مثلا ـ أن مئة ناخب صوتوا في دائرة معينة بالجولة الأولى، ثم يأتى حساب الفرز والنتائج، فالذي يحصل على 51 صوتا يحصل على المقعد، أي ان 49 بالمئة بلا تمثيل برلماني، وهذه حالة أقل سوءا من توقعات الإعادة الغالبة بالنظر لزحام المرشحين، فمع الإعادة يقل عدد المصوتين بطبائع الأحوال، ويتوارى أغلب مصوتي الجولة الأولى مع خروج أغلب المرشحين من الحلبة، ولا يحضر عند تصويت الإعادة سوى عشرين من المئة المصوتين في الجولة الأولى، والذي يحصل على 11 صوتا فقط، يأخذ المقعد البرلمانى، فيما لا يكون من تمثيل برلماني للتسعة والثمانين مصوتا الباقين، والمثال الافتراضى كما ترى، يرسم حقيقة الصورة، ويجعلنا أمام برلمان أقلية الأقلية، وهذا هو العوار الأعظم في نظام الانتخاب الفردي، الذي يشجع عملية شراء الأصوات، ويغرى باستخدام المال والبلطجة لأوسع مدى، ويمكن تحالف الفاسدين من شراء البرلمان، وهو تحلف الثورة المضادة بامتياز، والمكون من ثلاثة عناصر متساندة موضوعيا، أولها: جماعة مليارديرات المال الحرام، والثاني : البيروقراطية الفاسدة المتهتكة، والثالث: عائلات الريف والصعيد المتداخلة تقليديا مع الجهاز الإداري والأمني بالذات.
وقد يقال لك أن نظام الانتخاب الفردي معمول به في ديمقراطيات كبرى، وعلى طريقة ما يجري في أمريكا وبريطانيا واستراليا وكندا والهند، وهذا كلام صحيح قولا، لكنه قياس فاسد عملا، ففي هذه الدول نظام حزبي راسخ القدمين، وكلها تعتمد على نظام الحزبين الكبيرين، والمرشح الأوفر حظا غالبا ما ينتمي لواحد من الحزبين الكبيرين، فهي انتخابات مسيسة بالكامل، بعكس ما يجري عندنا من خلاء حزبي وسيطرة لرأس المال الحرام، وخفوت لصوت السياسة، وسريان لشهوة تحويل مقعد البرلمان لمشروع استثماري، يحول المليونير إلى ملياردير، وهو ما يفسر طبيعة التحالفات الانتخابية الأعلى صوتا، فكلها تحالفات من حول مليارديرات، وبرامجها الضمنية ظاهرة، فهي تريد الاستيلاء على البرلمان لتطويق حركة الرئيس السيسي، ومنعه من إصدار تشريعات تكافح الفساد وتسترد الأموال المنهوبة، وتغليب عادة الاستقرار والاستمرار في سرقة بلد خسر الجلد و»السقط» .
٭ كاتب مصري
عبد الحليم قنديل