«بريد الجحيم» أو الرواية بوصفها تاريخا للمفارقة!

حجم الخط
0

ليس بالضرورة أن يكون التاريخُ هو السندَ العمومي للسرد الروائي، وأنْ تتحولَ تفاصيله إلى معابر ومسارات تُفضي إلى تمثلات هذا السرد، على مستوى تحفيز وظائفية المتخيّل، أوعلى مستوى ترسيم وتشكيل الشخصيات وعلائقها بالحدث والزمن والمكان..
لكن ثمة ما يجعل قضية ما، موجودةً في الواقع، ولها علاقة وجودية بحيوات شخصياته مصدرا توليديا، وباعثا على جعلها مجالا نامياً لفاعلية السرد، إذ تتحول الخطاطة المكتوبة إلى تاريخ غامر بالمفارقة، وإلى فضاءٍ تعبيري وتأويلي لاستقضاء الذاكرة الفلسطينية، بوصفها القضية والحدث، عبر التعرّف على ما يمور في عوالم شخصياتها من تحولات وإرهاصات، ومن صراعاتها، واغترابات، وأحلام وانكسارات ومسكوتات تدخل في سياق التمثّل السردي..
ورواية الكاتبة الفلسطينية إيناس عبد الله تضعنا عند الكثير من هواجس تلك القضية، لكنها أيضا تضعنا عند رؤيتها الشخصية لها، عند لحظة تبئيرها القلقة، وعند مراثيها النازفة والمسكونة بالفقد والمفارقة والمرارة..
رواية «بريد الجحيم» الصادرة عن مؤسسة الانتشار العربي/ بيروت/ 20016 تفتح حكايتها عبر استهلال (ميتاسردي)، وعبر ما يتبدى خلاله من أحداث تقوم على توظيف تقانة الرسائل، بوصفها لعبة سردية للكشف عن مستويات البناء السردي، وعن بوليفونية الأصوات السردية في الرواية، إذ تتحول عبر صيغة الـ(بريد السردي) إلى لعبة في اختبار فاعلية الشخصيات، وفي (سردنة) النظر إلى الأحداث الواقعية والمُتخيّلة، عبر معاينة تفاصيلها المشغولة باليومي والهامشي والإنساني، وبكل ما يمكن أن يتساقط من سرائرها، إذ تعيش سلسلة من المفارقات والاغترابات العميقة، بدءا من اغتراب السجن الإسرائيلي، واغترابات المكان والفقد، واغتراب القضية، وانتهاء باغترابها الداخلي، وعذابات ما تعيشه مع وجدانها الشقي، المهووس بالأب الغائب والحبيب المهاجر….
في رواية إيناس يبدو الواقع أكثر تمثّلا لفاعلية التخيّل، والتخيّل يجرفُ هذا الواقع إلى الاشتباك مع لحظات وجودية محتدمة، وفائقة الرهافة، هي لحظات غير مُتعينة، لكنها تعمل على تفكيكه، وتنحاز عبره إلى ذاتها القلقة، إذ تتجاوز الواقع إلى الحياة في تفاصيلها، وإلى المنافي والاغتراب الوجودي، حيث يكون الفلسطيني أكثر انشغالا بأسئلتها، وصراعاتها، وأكثر وعيا بما يجري حوله، وأكثر سخرية إزاء ما يجري، وما يتْساقط من تاريخٍ مُضلَل، وشائه، تعيشه بطلتها (هبة) بنوع من المفارقة، مثلما تعيشه شخصياتها الأخرى، وبما يشبه افتراض لعبة المواجهة الساخنة، فالفلسطيني في الرواية يتخلى عن الكثير من أوهامه الرومانسية، وبطولاته المُتَخلية، ليبدو اقعيا، ويوميا، وعِرضة للكثير من التباسات الواقع في أمكنته المتعينة رام الله والقدس وعمّان وبغداد، وفي المهجر الأمريكي.
يستدعي العنوان «بريد الجحيم» نوعا من التواصل بين طرفين واقعيين، لكنه هنا يتمثل تواصلا بين شخصيتين متخيلتين، لم يعرفا بعضهما بعضا
(هبة- قصي) الأُولى تعيش حريتها الملتبسة، ولتكشِف ما حولها من سرديات أكثر التباسا، والثاني يعيش رهاب السجن وقسوته واغترابه، ولا يملك سوى سردية الاستعادة والتذكّر، تلك التي تجعله يمارس وهم الحياة والوجود والمعنى.. هذه العلائق تستبطنُ نسقاً مُضمرا لما يعيشه الفلسطيني، فهي علائق تتبدى فيها محنته الوجودية، وهوية الجحيم الرمزي والواقعي الذي يعيشه، والذي يحدد بالمقابل مراثي أمكنته، وهوية كل الضحايا الذين يسقطون جرّاء الاحتلال، والذين يفقدون معنى وجودهم عبر تمثلاته الماحية، إذ هم عصابيون، انتحاريون، عاجزون، مصابون بالخيبة والخواء واللاجدوى، فالبطلة (هبة) تعيـــــش هذا الفقد، عبر ما تعانيه من فشل حياتي مريع- الطــــلاق، والفشل العائلي، وفقد الحبيب، مثلما تتمثل ذاكرة الفلسطيني المعاصر الذي يعيش كلَّ رهابات الفقد ومتاهته، فهي تعاني من عللٍ الشخصية – تعيش مع جرح غائر بالرأس، وورم يرهبها بالصداع، ودخول للمصح النفسي – مثلما تعاني من عللٍ اجتماعية- رثاثة اندماجها، وفقدانها الأب والأصدقاء رنا والدكتور قاسم.

اعتراف الشخصيات..

يمكن أن تكون سردية الاعتراف عتبة للتعرّف على شخصيات الرواية، فأصواتها المتعددة (البوليفونية) تكشف عن هذا الهوس والتحوّل، وعن ما يصطخب في أعماقها.. هي شخصيات متوترة، تعاني من (رهابات) الفقد، تسعى عبر تلك السردية للبوح والتمرد، تماهيا مع وهم الخلاص الطهراني.. (هبة) الشخصية الرئيسية تعيش عبر رسائل إلى (قصي) وعبر سردية ضمير المتكلّم يومياتها المسكونة بالرفض والسخرية، بما فيها السخرية من وجودها، ومن قضيتها، ومما تكرّس في لاوعيها من أوهام تاريخية وشعبوية تعيش رهابها الشخصي والنفسي والوطني «حتى المراهقون في بلدنا مسلحون باسم المقاومة، الفوضى تعمّ أخلاقنا النضالية، ألمْ أقل لك، الكلّ يريد أن يستشهد دفاعا عن البلاد، وفي غمرة قناعات كهذه يتكلم السلاح ويتلعثم العقل». وقصي طالب الطب في روسيا والسجين في السجون الإسرائيلية يمارس لعبة الحضور السردي الإيهامي من خلال صوته الرسائلي، فهو يعيش سردنة الاغتراب الداخلي، مثلما يرصد سيرة عذاباته في السجن، عبر استعادة ذكرياته، واخطائه، وأحلامه، وربما يكشف عن يأسه إزاء ما يجري حوله..
وحتى أصوات الشخصيات الأخرى د. قاسم، لينا، رنا- تمارس وظائفها السردية عبر تعالقها مع الوظيفة المهيمنة للشخصية الرئيسية، إذ هي شخصيات إسنادية تعزز وظيفتها النسقية عبر الكشف عن معاناة تلك الشخصية، وعبر ما يتبدى في اغترابها الداخلي، أو التباسات معيشها الإنساني العاطفي والسياسي- قتل د. قاسم من قبل عصابات المهربين، أو معيشها النفسي والأخلاقي – هروب فارس خارج البلاد، وقتل رنا من قبل عائلتها تحت يافطة جريمة الشرف، ومقتل حبيبة قصي انتحارا.
اشتغال صيغة السردي على لعبة الرسائل، وعلى تعدد الأصوات يقترح لنا مستوى من القراءة، تلك التي تقوم على تقانة الاعتراف، عبر صيغة ترسيم غير مألوف للشخصية الفلسطينية، وعبر إقامة خطاب يفترض مجموعة من الاجراءات، إذ يتفكك المتن الحكائي للحدث، عبر ما تعرضه الروائية من مبانٍ حكائية، تؤدي وظيفة الاعتراف والشهادة، والتمرد على التاريخ، وربما هي تعمل على جعل شخصياتها الأخرى تمارس هذه الوظيفة، فكل الأبطال/ الشخصيات يعترفون، ويفصحون عن شهاداتهم، وعن خيباتهم من تاريخهم، وكأن الرواية عبر هذا التعدد تضعنا أمام مُدونة ضدية لما هو مألوف في الرواية الفلسطينية، وأمام ما هو قارّ في الذاكرة، فالشخصيات تعيش عبر التوصيف استلابها، مثلما تتمرد عليه، ولا تجد سوى لعبة الكتابة/ الاعتراف بوصفها شيفرة الجحيم، تلك التي تستعيد ما كتبه دانتي في جحيمه بـ»لا أمان لكم».
فقدان الأمان هو ما يوسم معيش كل شخصيات الرواية، عبر سيرتها التاريخية منذ أحداث النزوح الأول، إلى أحداث بيروت، وعبر الهجرة الفنطازية إلى تونس، وعبر العودة إلى رام الله، والهروب إلى أمريكا، وعبر سلسلة الفقدانات التي تعيش رهابها.
هذه المعالم تفتح لنا خطابا معروضا للحكي الذي تكشفه الشخصيات عبر الرسائل، وعبر حركة الضمائر السردية، وبما يوحي لنا توازيا ما بين أزمات الشخصيات الوجودية، وأزمة البلاد وتاريخها، وكأن الروائية أرادت أن تقول عبر هذا التقابل: إن سردية الفقد التاريخي والشخصي هي السردية المهيمنة، وإن لعبة المفارقة هي السردية الضد التي ترسم من خلالها شخصيتها الإشكالية، ورؤيتها النقدية لتاريخية القضية والذات، والهوية والهجرات في الأمكنة، أو في داخل الوجدان الفلسطيني..

الزمن ولعبة الحكي.

اختارت إيناس عبد الله زمنا واقعيا كبنية إطارية لتقاطع الأزمنة السردية والشخصية، فهذا الزمن يضعنا أمام تمفصلات مع حيوات الشخصيات، مثلما هو الزمن الذي يرتبط بتاريخ المحنة، وتاريخ الفقد، فضلا عن كونه الزمن المتخيل، أو المشوب بفنطازية ما، إذ هو مسكون بالكوابيس، والإسقاطات الداخلية للشخصيات، فمنذ أحداث 1982 حتى أحداث احتلال العراق تتبدى الوقائع بوصفها علامات لهذا الزمن، ولرهاب ما تعيشه الشخصيات، وأن صيغة زمن الماضي الوارد في الرسائل هو الذي يقابل صيغة زمن الحاضر الوارد في حركة الضمير السردي (أنا المتكلم) وهو ما يعني أن لا مستقبل لتلك الشخصيات، لأنها تعيش الانتظار، وتمارس عبره لعبة الحكي الذي يشبه السيرة، أو المذاكرت، حتى يبدو التاريخ الذي يخص الموضوع الفلسطيني شائها أو مهمشا إزاء سرديات الشخصيات، فهي تصنع تاريخاتها الشخصية، وتستغرق في عوالم تحولاتها ورغباتها وبحثها الغرائبي عن صيغة ما للحياة الغامرة بأحداث يومية وصراعات، هي أقرب للمتخيّل السردي، منها إلى وقائع التاريخ المعطوب في الذاكرة.

٭ ناقد عراقي

«بريد الجحيم» أو الرواية بوصفها تاريخا للمفارقة!

علي حسن الفواز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية