بريطانيا تتحمل «مسؤولياتها الأخلاقية» بشأن أزمة اللاجئين : «تقاسم العبء» بين ألمانيا والمملكة المتحدة يثير تساؤلات حول الخلط بين الهجرة واللجوء

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي:» تضاعفت الضغوطات على المملكة المتحدة يوم الخميس بعد أن كشفت صورة الطفل السوري الذي جرفته الأمواج على شاطئ في تركيا عن حجم التكلفة البشرية لأزمة اللاجئين. لكن موقف رئيس الوزراء البريطاني بقي على حاله، على الرغم من تصريحه أن بلاده على إستعداد لإستقبال عدد أكبر من اللاجئين بسبب ”تضخم الأزمة” التي وصفها البعض بأنها أسوأ أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية. لكن كاميرون، الذي وصف المهاجرين في كاليه بـ«السرب العابر» في شهر تموز/يوليو، لا يزال حريصا على إعلان موقفه المتشدد من أزمة اللاجئين عبر تأكيده أن الحل الأمثل لمشكلتهم يكمن في إيجاد حل سياسي يعيد الإستقرار والسلام إلى الدول التي يفرون منها. لكن السؤال الملح يبقى: لماذا يتعارض الحل السياسي مع امكانية المملكة إستقبال عدد أكبر من المهاجرين؟ فخطة كاميرون هذه التي وصفها البعض بالإيجابية، تشير إلى أن الأعداد الإضافية التي ستستقبلها بريطانيا ستأتي من مخيمات الأمم المتحدة في المناطق المجاورة لسوريا وليست من هؤلاء الذين وصلوا إلى أوروبا، وهذا ليس بجديد خاصة أن كاميرون كان صرح منذ إسبوع فقط أن إستقبال المزيد من اللاجئين ليس هو الحل للأزمة. إلا أن التماسا موجها إليه بقبول مزيد من اللاجئين حصل مؤخرا على توقيع أكثر من ثلاثة أضعاف عدد المؤيدين، وهو 100 ألف، اللازم لاحتمال طرح القضية في البرلمان، إستلزم موقفا جديدا للتعامل مع الأزمة. ووسط كل الضغوطات التي يتعرض لها من قبل دول الإتحاد الأوروبي والجمعيات لقبول المزيد من اللاجئين، أكد كاميرون أن حكومته لا تريد الانضمام إلى أي برنامج يهدف إلى إعادة توطين اللاجئين في أوروبا، معتبرا أنه إذا كان على المملكة المتحدة الانخراط في مخطط واسع النطاق، فإنه سيكون بمثابة نقطة جذب لمهاجرين آخرين، وأنه سيكون من المستحيل التمييز بين المهاجرين لأسباب اقتصادية واللاجئين بسبب الحرب والإضطهاد.
ويرى بعض كبار نواب حزب المحافظين أن من الصعب أن يكون كاميرون قد غير موقفه المتشدد من هذه القضية فقط بسبب الصور المؤلمة للطفل الذي مات غرقا على شواطئ تركيا. انما أتى إعلانه الخميس عقب ضغوطات سياسية وإنسانية استلزمت إعلان موقف جديد «لم يأت بجديد» في مضمونه العملي.
ومن الجدير بالذكر أن مصدرا في «داوننغ ستريت» كان قد أكد لـ «بي بي سي» هذا الإسبوع أن المملكة المتحدة لن تستقبل المزيد من اللاجئين. وقال المصدر أنه منذ العام الماضي كانت بريطانيا قد قبلت 216 شخصا في إطار خطة لنقل اللاجئين«الأكثر ضعفا»، وكانت قد منحت ما يقرب من 5000 من السوريين اللجوء في السنوات الأربع الماضية. وقال وزير الهجرة جيمس بروكنشاير أن المملكة المتحدة ساهمت في تقديم أكثر من 900 مليون جنيه من المساعدات الإنسانية للأزمة السورية.
وتجسد هذا الموقف في رفض «داوننغ ستريت» المشاركة في نظام الحصص الجديد الذي اقترحته برلين، والذي دعا إلى توزيع عادل للاجئين بين جميع الدول الاتحاد الأوروبي. وفي مقال لصحيفة «صنداي تايمز» قالت تيريزا ماي، وزير الداخلية، أن بلادها ستتخذ نهجا جديدا أكثر تشددا حول الهجرة من دون أن تستخدم مرة واحدة كلمة «لاجئ».
وأضافت أن من المستبعد جدا أن تعتمد الحكومة نهجا أكثر انفتاحا بشأن هذا الموضوع بل أنها تشعر بالقلق من أن تحذو حذو ألمانيا، حيث يتم التمييز بشكل واضح بين الهجرة واللجوء في حين يقول متابعون ان الحكومة تخلط عمدا بين فئتين منفصلتين: اللاجئون والمهاجرون . وفي كلمة ألقتها هذا الأسبوع حول الأزمة، استخدمت كوبر كلمة لاجئين 28 مرة، متهمة الحكومة بالخلط بين اللجوء والهجرة على الرغم من انهما» مختلفان تماما».
وأضافت أن المملكة المتحدة اتخذت فقط 114 لاجئا لكل مليون من السكان وهو- ثلث متوسط دول الاتحاد الأوروبي. في حين أن المانيا اتخذت أكثر من 905 من هذا المعدل.
وبين حزيران/ يونيو 2014 وحزيران/يونيو 2015، استقبلت المملكة المتحدة 166 لاجئا سوريا، تم توطينهم من مخيمات في الأردن وغيرها من البلدان المجاورة في إطار خطة الحكومة الجديدة. وتقول وزارة الداخلية أنه منذ 2011 استقبلت المملكة المتحدة 5000 سوري منهم من تم منحهم حق اللجوء في إطار الإجراءات العادية. ومع ذلك، فإن الرقم يشمل العديد من السوريين الذين كانوا يعيشون في المملكة المتحدة، والذين لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم بسبب الحرب.

ضغوطات وتوتر سياسي

بسبب تفاقم الأزمة الإنسانية لللاجئين، تزايدت الضغوطات على المملكة المتحدة لإستقبال المزيد من المهاجرين، أتى أبرزها من خلال رسالة بعثت بها رئيسة وزراء إقليم اسكتلندا نيكولا ستورجين دعت فيها كاميرون إلى بذل جهود إضافية للمساهمة في حل الأزمة. إضافة إلى ذلك، واجه كاميرون ضغوطا كبيرة من الكنيسة الكاثوليكية واثنين من المتنافسين على زعامة حزب العمال. كما دعا روث ديفيدسون، زعيم حزب المحافظين الاسكتلندي، المملكة المتحدة لتقديم المزيد من المساعدة للاجئين، موضحا أن «هذه ليست قضية هجرة، انما قضية إنسانية».
وقال الكاردينال فنسنت نيكولز، رئيس الكنيسة الكاثوليكية في إنكلترا وويلز: «ما يجري هو وصمة عار. أننا نترك الناس تموت ونرى الجثث على الشواطئ. يجب أن نكون قادرين على إيجاد حل على المدى القصير، ما يصرخ هو المأساة الإنسانية لهذه المشكلة ليس شيئا آخر».
واتهمت إيفيت كوبر، المرشحة لرئاسة حزب العمال، كاميرون بتجاهل أسوأ أزمة هجرة منذ الحرب العالمية الثانية. وقالت: ”عندما نرى الأمهات في محاولة يائسة لحماية أطفالهن من الغرق، وعندما يخنق الناس على ظهر الشاحنات، وعندما يموت الأطفال على الشاطئ، يجب على بريطانيا التحرك». وأضافت: «إذا أخذت كل منطقة في المملكة المتحدة 10 أسر فقط، يمكن لنا أن نوفر ملاذا آمنا إلى 10،000 لاجئ. ومن المتوقع أن يعقد مؤتمر لقادة المجالس التي يقودها حزب المحافظين، لدراسة عدد اللاجئين الذين يمكن انقاذهم من قبل المملكة. ووجهت كوبر، الدعوة إلى بريطانيا لقبول 10 آلاف لاجئ جديد على الأقل من سوريا ومن دول أخرى مزقها الصراع.
وقال نيل جيمسون، المدير التنفيذي للحملة: «نحن سعداء بمبادرة كوبر، ولكن لا ينبغي أن تكون هذه القضية قضية حزب سياسي. نعتقد أن المجتمع المدني يمكن أن يكون له دور كبير في المساهمة، إضافة إلى الكنائس والمساجد والمعابد التي يمكن أن تحدد خاصية لضم بعض اللاجئين.

ألمانيا: لغة المثل الأوروبية المشتركة

لم تقدم المملكة المتحدة فرص لجوء كبيرة مقارنة مع بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى مثل المانيا. وكانت المحادثات السياسية في ألمانيا مختلفة بشكل ملحوظ. فقد استخدمت ميركل هذا الأسبوع لغة المثل الأوروبية المشتركة، وقالت أن على القارة الأوروبية ككل التعامل مع هذه المشكلة.
وأضافت «اذا فشلت أوروبا بشأن مسألة اللاجئين، سيتم تدمير ارتباطها الوثيق بالحقوق المدنية العامة». فقد اقترحت برلين نظام الحصص، وقد تطوع الآلاف من الألمان لمساعدة اللاجئين، وكانت التغطية الصحافية أكثر توازنا مع القضية. وقالت ميركل يوم الاثنين أن ألمانيا تتوقع إستقبال ما لا يقل عن 800،000 طالبي لجوء هذا العام وأن الرقم مرجح أن يرتفع، ليصل إلى مليون. بالنسبة لليساريين، فإن قبول ألمانيا للاجئين يرتبط بضرورة التضامن مع الناس الذين يفرون من الاضطهاد والحروب. أما بالنسبة للمحافظين فهناك زخم عملي جدا: عدد المسنين في أوروبا بوتيرة أسرع من أي منطقة أخرى في العالم، وتحتاج القارة بشدة إلى المهاجرين، ويقول خبراء في الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان «القارة المسنة» قد تتمكن من تفادي ان تدب الشيخوخة في أوصال قطاع القوى العاملة حتى عام 2020 تقريبا، من خلال الاستفادة من المهاجرين.
وقد تطوع الآلاف من الألمان لمساعدة اللاجئين القادمين من سوريا ودول أخرى. وعرض آخرون الدروس الألمانية والترجمة كما ضم النائب عن حزب الاتحاد الديمقراطي بزعامة ميركل، اثنين من اللاجئين في منزله في براندنبورغ.
وكانت استجابة المواطنين الألمان لأزمة اللاجئين لافتة جدا ما إستدعى الشرطة في محطة ميونيخ إلى مطالبة المواطنين التوقف عن جلب التبرعات، كما إستقبل عدد منهم اللاجئين في بيوتهم وقدموا لهم مساعدات متنوعة.

التغطية الإعلامية
بين ألمانيا والمملكة المتحدة

كشفت صحيفتان بارزتان في ألمانيا والمملكة المتحدة عن الاختلاف في موقف البلدين حول أزمة اللاجئين. ففي صحيفة «ذي صن» البريطانية وصفت كيتي هوبكنز اللاجئين الذين يعبرون البحر المتوسط بالصراصير. في المقابل، عنونت صحيفة «بيلد» الأكثر مبيعا في ألمانيا، خبرا على صفحتها الاولى بعبارة «نحن نساعد» فوق صورة لطفلين لاجئين.
فيما تميزت لهجة التغطية الصحيفة في بريطانيا بإسلوب سلبي وساخر. ففي أيار/مايو نشرت صحيفة «دايلي ميل» عنوان «كم من اللاجئين يمكن لكوس أن تحتمل؟» موضحة في الخبر أن «الآلاف من لاجئي القوارب من سوريا وأفغانستان أقاموا ”معسكر المهاجرين» على الجزيرة اليونانية ووجد السياح البريطانيون الوضع «مثيرا للاشمئزاز».
وفي الأسبوع الماضي تناولت صحيفة «ذي ميل» ارتفاع عدد المهاجرين إلى المملكة المتحدة ونشرت صورة للاجئين يعبرون الأسلاك الشائكة على الحدود المجرية- الصربية قائلة ان العديد من «المهاجرين سيحاولون التسلل” إلى بريطانيا.
ولكن كان من اللافت تحول ملحوظ يوم الخميس في صحيفة «ذي صن» التي حثت كاميرون لإنقاذ أشخاص من مأساة «ليست من صنع أيديهم» محذرة رئيس الوزراء، من أن فصل الصيف قد إنتهى والوقت الآن للتعامل مع أكبر أزمة تواجه أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي بريطانيا، هناك دلائل أيضا، ولكن من المواطنين العاديين الراغبين في المساهمة. ومن المقرر مسيرة مؤيدة للاجئين في وسط لندن 12 ايلول/سبتمبر، قبل قمة بروكسل. وقال منظمو الحملة أن على الحكومة أن تعي بأن الشعب البريطاني مستعد هو أيضاً لمساعدة اللاجئين.

كرة القدم في ألمانيا تدعم اللاجئين

في الأشهر الأخيرة الماضية ظهرت لافتات على مدرجات جماهيرية موجهة من قبل فرق كرة قدم ألمانية بعنوان: «مرحبا باللاجئين».
حتى في دريسدن، التي شهدت مسيرات مناهضة للهجرة، وزع النادي المحلي «دينامو درسدن» تذاكر مجانية لـ300 لاجئ وصدر شريط فيديو للفريق يعبر فيه عن التضامن مع اللاجئين، مع الهاشتاغ #StandUpIfYouAreHuman. نمت معظم هذه المبادرات عضويا من مجموعات المشجعين المحلية. في المقابل لم تكن هنــاك أي سجلات عن مبــادرات تحــركها مجموعات في المملكة المتحدة. بل أن ما هو مثير للسخرية أن شعار مرحبا باللاجئين تم عرضه لأول مرة في ملعب لكرة القدم في غلاسكو. وفي عام 2007 كشف أن اللافتة كانت أصلاً من إنشاء المهاجرين.

هجمات على اللاجئين

على الرغم من أن ألمانيا تستقبل عددا كبيرا من طالبي اللجوء مقارنة مع بريطانيا، إلا أنها شهدت عددا أكبر بكثير من حوادث العنف التي تستهدف هذه الفئة.
وبحلول نهاية الأسبوع الماضي، كانت وزارة الداخلية الألمانية سجلت 336 حالة اعتداء على منازل اللاجئين منذ بداية العام كانت في غالبيتها موجهة من أشخاص يمينيين.
في المقابل، لا تنشر وزارة الداخلية البريطـانية إحــصــاءات قابلة للمقارنة. لكن جمــعية خيرية تعنى بشؤون اللاجئين كشفت عن اعتداءات متفرقة على الأفراد.

الإطار القانوني الإعلان

سوف يناقش نظام الحصص الذي اقترحته ألمانيا في 14 ايلول/سبتمبر في قمة طارئة في بروكسل. وقالت ميركل ان بعض الدول ترفض تقاسم العبء وأن دولا مثل بريطانيا وشرق أوروبا بما في ذلك المجر وسلوفاكيا وبولندا وجمهورية التشيك قاومت بشراسة الخطة. كما بينت أسبانيا موقفا متشددا. وأوضحت وزارة الداخلية أن بريطانيا لن تشارك في أي مخطط إعادة التوطين في الاتحاد الأوروبي الإلزامي أو الالتزام بأهداف كجزء من مخطط طوعي.
كما وضحت ميركل هذا الأسبوع، أن التزامات المملكة المتحدة تجاه اللاجئين السوريين الفارين من الحرب يجب أن تكون نابعة من الرأفة وليس القانون.
وقال مكتب الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند في بيان الخميس إن فرنسا وألمانيا ستقدمان مقترحات مشتركة بشأن كيفية استضافة اللاجئين وتوزيعهم بشكل عادل عبر أوروبا.
وأضاف البيان أن البلدين يريدان أن تتلاقى المعايير لتعزيز نظام اللجوء الأوروبي وضمان عودة المهاجرين بشكل غير مشروع إلى بلدانهم وتوفير الدعم اللازم للدول التي ينحدر منها المهاجرون أو يمرون عبرها.
ومنذ أن بدأت الحرب في سوريا، فر أكثر من 4 ملايين لاجئ سوري، ذهب ما يقرب من 1.8 مليون إلى تركيا، وأكثر من 600،000 إلى الأردن وحوالي مليون إلى لبنان، بحسب مصادر وكالة الأمم المتحدة للاجئين عن عام 2014. والسويد هي الدولة التي قبلت أكبر عدد من اللاجئين بالنسبة إلى عدد سكانها. وتستقبل المجر ومالطا وسويسرا و 13 دولة أخرى طلبات اللجوء أكثر من العدد الذي تمنحه المملكة المتحدة، وفقا ليوروستات.

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية