لندن ـ «القدس العربي»: انتهى النقاش الذي دام أكثر من 10 ساعات في مجلس العموم البريطاني الأربعاء بتصويت البرلمان على توسيع بريطانيا ضرباتها الجوية على تنظيم الدولة الإسلامية لتشمل سوريا. خسر بهذا التصويت زعيم حزب العمال البريطاني جيريمي كوربن كل محاولاته لوقف مشاركة بلاده في الحرب بعد أن أعطى حرية القرار لأعضاء الحزب. في المقابل، ربح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون رهانه بعد أن دعا البرلمان إلى تأييد مشاركة بلاده في الحرب السورية بدعوة ان قصف يسمى بالدولة الإسلامية في سوريا سوف «يبقي الشعب البريطاني آمنا». كما أتت دعوة كاميرون استجابة لطلب الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند الذي دعاه إلى دعم الحملة ضد التنظيم بعد اعتداءات باريس الأخيرة التي تبناها تنظيم الدولة وأوقعت 130 قتيلا.
وبعد تصويت الحكومة على قرار يجيز الضربات الجوية «حصرا» ضد الدولة الإسلامية، وبعد ساعات من موافقة البرلمان بأغلبية 397 صوتا مقابل 223، أقلعت فجر الخميس مقاتلات بريطانية من نوع تورنادو من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص. وقالت بريطانيا إنها قصفت حقول نفط تستخدم لتمويل الدولة الإسلامية.
وفي خضم النقاشات التي دارت حول التصويت، واجه كاميرون هجوما حادا طالبه بالاعتذار بعد أن صرح ان المعارضين لعمل عسكري هم «متعاطفون مع الإرهابيين».
وقد خيم على اجتماعات مجلس العموم البريطاني خلال الأسابيع الأخيرة شبح حربي العراق وأفغانستان بحيث حذر معارضو الضربات من تداعيات وخسائر مماثلة في سوريا.
وقال مالكولم تشالمرز مدير الأبحاث في معهد «ار يو اس آي» ان «ظل العراق لا يزال مخيما». ولعب السيناريو العراقي دورا كبيراً خلال نقاش حزب العمال حول ما إذا كان عليه دعم الغارات في سوريا. واعتبر النائب بول فلين الذي صوت ضد الحرب في العراق ان «أي نائب من حزب العمال لم ينس انه أرسل 179 جنديا بريطانيا إلى حتفهم عند التصويت على خوض الحرب في 2003 من أجل العثور على أسلحة دمار شامل لا وجود لها. وسيظل هذا الأمر عبئا على ضميرهم طول حياتهم».
وقد عارض كوربن اليساري الذي ساهم في تأسيس حركة «أوقفوا الحرب» (ستوب ذا وور كواليشون) الاحتجاجية التي قادت تظاهرات ضد التدخل البريطاني في العراق خلال السنوات الماضية، الغارات الجوية بينما دعمها عدد كبير من نواب حزبه. كما أيد المتحدث باسم الحزب للشؤون الخارجية هيلاري بين الغارات. وقال بين في خطاب عاطفي قوبل بعاصفة من التصفيق في مجلس العموم «ينبغي أن نتصدى لهذا الشر الآن. حان الوقت الآن لنقوم بدورنا في سوريا”.
وأدى هذا الجدل إلى ظهور خلافات علنية بين نواب مؤيدين لكوربن ومعارضين له حول ما إذا كان الشخص المناسب لقيادة الحزب. كما أدى تفاقم المشكلة إلى إعادة النظر في قيادة كوربن وانقسام واضح مع عشرات النواب المؤيدين لهذه الغارات ومن بينهم نائب رئيس الحزب توم واتسون. وهاجم عدد كبير من النواب كوربن الذي كان قد دعا الناشطين إلى التعبير عن رأيهم على الانترنت دون ان يستشير «حكومة الظل».
وقال النائب العمالي جون سبيلار «كيف يمكن ان يتصور كوربن ومجموعته الصغيرة من التروتسكيين انهم وحدهم يعرفون الحقيقة؟ إذا كان يتعين على أحد الاستقالة بعد هذا الحادث فهو جيريمي كوربن». إلا أن كوربن بقي متماسكا وأكد «أنا باق في منصبي وأقدر كل لحظة فيه».
ويحذر خبراء عسكريون من دور بريطانيا ”الهامشي” و”الرمزي” في الحرب السورية بسبب إنعدام التخطيط في العمل العسكري المقترح. ويغذي هؤلاء تقييمهم بالقول أن غارات التحالف فشلت حتى الآن في طرد المتشددين من مساحات كبيرة من أرض أعلنوا قيام خلافة إسلامية عليها رغم أن واشنطن وحلفاءها يقولون إنهم ساعدوا في وقف تقدم المقاتلين. ويساهم في نمو هذا الجدل السياسات المتعارضة بشأن الحرب الأهلية الدائرة في سوريا منذ أربع سنوات حيث قتل نحو ربع مليون شخص وشرد 11 مليونا.
وكان كوربن قد اعتبر أن المزيد من القصف لن يجلب أي سلام لسوريا مشددا على أن إيجاد تسوية سياسية فيها وإنهاء الأزمة سيساهم في إنهاء خطر تنظيم الدولة الإسلامية. كما جدد كوربن في عدة مناسبات انتقاده لمشاركة بريطانيا في سلسلة من الحروب التي ”جلبت الدمار” للشرق الأوسط.
وكانت المملكة المتحدة تقوم بعمليات استخبارات ومراقبة ودعم لوجستي للدول التي تقاتل في سوريا قبل انضمامها إلى الحرب. وقد نفذ سلاح الجو الملكي البريطاني أيضا الآلاف من الغارات على أهداف في العراق منذ أن وافق البرلمان على إجراءات مماثلة هناك في العام الماضي.
وبعد 15 عاما قتل خلالها مئات الجنود البريطانيين أثناء معارك خاضتها بلادهم في العراق وأفغانستان في تحالف مع الولايات المتحدة يشعر الكثيرون في بريطانيا بالقلق من حرب أخرى. وقد كشف إستطلاع للرأي نشرته صحيفة «الإنديبندنت» أن غالبية الشعب البريطاني لا يدعم الضربات الجوية ضد سوريا وأن 59 في المئة يعتقدون أن الغارات الجوية ستزيد الهجمات الإرهابية في المملكة. في المقابل، دعم 48 في المئة الغارات الجوية ضد الإرهاب.
تهديدات بالقتل
تعرض نواب في حزب العمال البريطاني الذين صوتوا لصالح مشاركة بريطانيا في الضربات الجوية في سوريا لعدد من التهديدات بالقتل على الانترنت ما دفع حزب العمال إلى الدعوة للتهدئة.
وقال بعض هؤلاء النواب انه قبل التصويت على القرار أرسلت لهم صور بشعة لجثث أطفال رضع ورؤوس مقطوعة.
وتلقى النائب نيل كويل تهديدا بالقتل ووضع تحت حماية الشرطة. كما كتبت النائبة ستيلا كريسي على صفحتها عبر «فيسبوك»: «خلال الساعات الـ24 الأخيرة وصلني أكثر من 1000 تعليق على «فيسبوك»… وعدد مماثل من الرسائل على تويتر إضافة إلى رسائل البريد الالكتروني ومئات المكالمات والرسائل النصية».
وأضافت ان «العديد من الرسائل الالكترونية كانت عنيفة ومسيئة».
ونقلت شبكة «سي إن إن» الأمريكية بعد أن شنت بريطانيا أولى ضرباتها في سوريا أن أجهزة الأمن الأوروبية لديها مؤشرات على أن المملكة ستكون هدف تنظيم الدولة «المحتمل التالي» بعد هجمات باريس.
وتتوقع أجهزة الأمن في أوروبا أن عناصر تنظيم الدولة البريطانيين تلقوا أوامر من خليفة التنظيم أبو بكر البغدادي بالعودة إلى بلادهم وتنفيذ هجمات.
أبرز أسلحة بريطانيا للحرب السورية
أوردت تقارير أن أبرز الأسلحة التي ستستخدمها المملكة المتحدة في غاراتها على معاقل التنظيم المتشدد في سوريا هي:
طائرات تورنادو المقاتلة فائقة السرعة التي تقوم بمهام عسكرية في الأجواء العراقية منذ العام الماضي، وتستطيع هذه الطائرة اصطياد أهدافها على الأرض أثناء تحليقها بأقصى سرعة.
طائرات ريبر بدون طيار وتقوم بالمهام الاستطلاعية والمراقبة لجمع المعلومات الاستخباراتية عن الأهداف التي يراد ضربها، ويمكنها التحليق على ارتفاع 50 ألف قدم فوق الأرض.
طائرات تايفون الهجومية التي تتمتع بقدرة عالية على المناورة، وخفة الحركة، وقدرات تخفي، وزودت بأنظمة طيران متقدمة، وتصنف على أنها واحدة من أفضل المقاتلات المتوفرة في الخدمة العسكرية.
طائرات سي-130 هيركوليز التي تقل قوات العمليات الخاصة المجهزة للقفز بالمظلات من ارتفاعات منخفضة للقيام بأعمال هجومية في عمق أراضي الخصم. كما تستخدم لأغراض الدعم في الجو.
أما عن أبرز الصواريخ التي تحملها الطائرات المقاتلة سالفة الذكر فهي:
صواريخ بريمستون التي تتميز بدقتها في إصابة الهدف، وقدرتها التدميرية الكبيرة، ويمكن إطلاق عدة صواريخ منها على أكثر من هدف في محيط معين في آن واحد. كما يمكنها تتبع الأهداف المتحركة وضربها.
قنابل بيفواي الموجهة بالليزر، والتي يمكن تحميلها على طائرات تورنادو، وتكلف الواحدة منها 22 ألف جنيه إسترليني، وهي صناعة بريطانية، وتعد من أحدث الصواريخ تطورا في الساحة العسكرية.
صواريخ ستورم شادو طويلة المدى، ويبلغ طول الصاروخ 5.1 متر، ويزن 1300 كيلوغرام، وقد دخل الخدمة العسكرية في سلاح الجو الملكي البريطاني عام 2003.
ريما شري