اعتبر كثير من المراقبين أن خطاب رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في اختتام المؤتمر السنوي لحزب المحافظين في مدينة مانشستر قد كان بمثابة استعارة مجازية تصور حقيقة مسارها السياسي العاثر الكئيب. فقد كان الخطاب متعسّرا متقطعا، وكان أداء تيريزا ماي مهتزا مرتجفا حتى لكأنها تحولت صورة عن بلاد ترتعد في مهب رياح الأخطاء والخطايا التي ترتكبها حكومتها الموقرة. تخللت الخطاب نوبات من السعال الحاد، وقطعه عليها رجل سلمها نسخة من الورقة الإدارية التي تستخدم عادة عند فصل عامل أو موظف، بما يعني أن قد آن الأوان لأن تتنحى هذه الشخصية السياسية الشاحبة وتترك المنصب بعد أن كثر فيه الطامعون، وأولهم وزير الخارجية السيئ الذكر بوريس جونسون. بل إن الشعار الذي كان معلقا على الجدار خلفها قد أخذت بعض حروفه تتساقط على مرأى من جمهور القاعة وجمهور التلفزيون بما أفقد الرسالة السياسية معناها، وجعل الحاكمة وحكومتها أضحوكة في عموم البلاد.
والواقع أنه ليس من الصعب الاقتناع بأن هذا الخطاب المتعثر المتذبذب المبحوح، بفعل نوبات السعال المتكررة، هو صورة مجازية عن رداءة مسار تيريزا ماي السياسي منذ أصبحت رئيسة للحكومة، وخصوصا منذ بدأت في مفاوضات الطلاق مع الاتحاد الأوروبي. فقد اضطر الأوروبيون لأن يقولوا لأعضاء الحكومة البريطانية: «نظموا صفوفكم وأجمعوا أمركم قبل أن تأتوا إلينا، فإننا لم نعد ندري برأي أيّ منكم نأخذ». ذلك أن موقف الحكومة ممزق مشتت: وزير البركسيت ديفيد ديفيس يشرّق، وبوريس جونسون يغرّب، ووزير المالية فيليب هاموند يبادل وزير التجارة الخارجية ليام فوكس نشازا بنشاز. أما تيريزا ماي، فهي تمعن فرارا إلى الأمام، وتمتنع عن إقالة جونسون لأنها تعرف أنه سيتحداها على زعامة الحزب لو فعلت. فهي تفضّل تحقيق مصلحتها الشخصية، بعدم فقد المنصب، على تحقيق مصلحة البلاد التي تمر وجوبا عبر الاستجابة الواعية والشجاعة لشروط الاتحاد الأوروبي، سواء في ما يتعلق بالطلاق أم بطبيعة العلاقة المستقبلية.
أما السعال، فإن قصته في هذه البلاد عجيبة. إذ إن الغريب أن مذيعي «توداي»، أعرق البرامج الإخبارية والسياسية في راديو البي بي سي، كثيرا ما يسعلون على الهواء ثم يسترسلون، باعتذار أو بدونه. هذا رغم أننا كنا في استوديوهات إذاعة البي بي سي العالمية، في مبنى بوش هاوس، نجد على الطاولة علبة صغيرة ثابتة قرب المايكروفون فيها زر، اسمه زر السعال، يضغط عليه المذيع فينقطع الصوت عن الهواء. فأين اختفى زر السعال سياسيا وإعلاميا؟ أما الشيء الأبسط، فهو كوب الماء. خطباء يخطبون ومذيعون يذيعون، ولكنه لم يعد يخطر ببال الأجيال الجديدة من البيروقراطيين أن جرعة الماء من لوازم القراءة والإلقاء! ما قيمة هذا التقدم التكنولوجي وكل هذه العوالم الافتراضية والتفاعلية إذا صارت نخب السياسة والإعلام عاجزة عن الإتيان بالبديهيات التي ما كان ليحتار فيها إنسان ما قبل التاريخ؟
في ضوء هذا العجز يصبح من غير الجائز الاستغراب من استمرار بيروقراطية هذه البلاد، دون سائر البلدان المتقدمة، في تصنيف الطلاب الأجانب ضمن المهاجرين وفي تعهد حكومة المحافظين بخفض عدد هؤلاء الطلاب الذين يمثلون مصدر دخل مالي هام للجامعات ومصدر ثراء إنساني هام للمجتمع. ولكن الحق هو أنه لولا قضية الأجانب هذه لما كانت كارثة البركسيت أصلا: ظن المصوتون لصالح البركسيت أن الطلاق مع الاتحاد الأوروبي سوف يفرغ بريطانيا من الأغراب، فيعيدها بيضاء من غير سوء، سليمة من تنوع الألوان واختلاف الألسنة.
إنها عجائب بريطانية وجب، بالفعل، أخذها مأخذ الاستعارة المجازية عن وضع بلاد تغذّ السير نحو هاوية الانحدار وهي تظن، بفعل ديماغوجية سفسطائيّي البركسيت، أنها تحسن صنعا وتنحت مصيرا. إلا أنه يبقى، رغم كل شيء، أن حقيقة هذه البلاد مركبة معقدة، بدليل فوز أحد روائييها، كازو إيشيغورو، بجائزة نوبل للآداب لهذا العام وإشادة الأكاديمية السويدية بقوة المد الوجداني في كتاباته التي تعرّي الهوة السحيقة المتخفية تحت شعورنا الواهم بقوة اتصالنا بالعالم. أما المدهش حقا فهو أن أربعة أسابيع فقط قد كانت كافية، عام 1987، لأن يؤلف إيشيغورو رائعته «بقايا اليوم» التي فازت بجائزة البوكر، ثم اقتبست في فيلم لا ينسى تألق فيه الثنائي الانكليزي أنتوني هوبكنز وإيما تومبسون.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي