كلما سمعت الروائي البريطاني مارتن أيميس متحدثا في حوار ثنائي أو ندوة نقاشية على الإذاعة أعجبت بقدرته الأخاذة على القول السديد. فهو لا يتهيب المجاهرة بالحقائق الصادمة ولا يتردد في إشهار المرآة الصقيلة الفاضحة في وجه حضارة غربية لا تزال متخوفة من مواجهة الذات، إنكارا لدمامة كريهة طالما توهّمت أنها ليست من سمات الوجه بل هي من صنيع المرآة! دمامة ينطبق عليها التعبير الانكليزي البليغ عن الشيء أو الفعل أو الشخص يكون قبيحا كأنه الإثم. يعلن مارتن أيميس الأحكام الجريئة المفندة لما تواضع عليه الغربيون عموما، والأنغلو-أمريكان خصوصا، من رأي سائد و”حكمة اتفاقية”، ويسلط النور الكاشف على الوقائع المخزية والزوايا المظلمة، كل ذلك بإنكليزية أدبية فاتنة صار من النادر هذه الأيام أن تسمعها على ألسنة النخبة الثقافية والسياسية، ناهيك عن عموم الجمهور. كيف لا، وهو الذي لديه في تقصي إمكانات الكمال والجمال في تركيب الجملة وصوغ العبارة مذهب مخصوص.
أعرف أن هذا الكاتب قد تعرض لاتهامات بالعنصرية وكراهية المسلمين. ولكن في هذه الاتهامات تسرعا لأن المنظور الليبرالي بقي هو الطاغي على مواقفه الثقافية والسياسية. ثم إننا ننسى، نحن المسلمين، أو نتناسى أن ما قدمه بعض أبنائنا من نماذج إجرامية وفظائع تذبيحية منذ بداية هذا القرن يستحيل أن يحبّبنا للأجانب. هل إنه من المفاجىء أوالمستغرب أن تنتشر في هذه القرية الكونية الصغيرة كراهية شديدة ضدنا؟ لا بد من الإقرار بأن حالات الكراهية هذه ليست كلها ناجمة، حصرا، عن عنصرية متوارثة أو عن عقدة استعلاء متأصلة. بل الواقع أن كثيرا من الناس في مختلف البلدان غير الإسلامية لا اهتمام لهم بالإسلام أو الأديان ولا موقف لهم من أتباع هذا الدين أو ذاك، أي أنهم في شغل شاغل عنا، وقلّما نخطر لهم ببال. ولكن ما يرون على الشاشات من المشاهد الهمجية المتكررة منذ سنين وما يسمعون ويقرأون من الأخبار التي تقشعر لها الأبدان لا يمكن بأية حال أن يجعلهم يهيمون بنا حبا. وليس لمعظم الناس في معظم البلدان الوقت اللازم للبحث والتمحيص اللذين قد يفضيان لاكتشاف حقيقة البون الشاسع، بل التناقض الصارخ، بين قيم الإسلام وبين سلوك أتباعه.
صحيح أن بعض المجتمعات المسلمة المعاصرة تعرضت للاضطهاد، وحتى لمحاولات الإبادة، مثلما حصل في البوسنة وفي جمهورية إفريقيا الوسطى وما يحصل في بورما. ولكن قبل أن نلوم المجتمع الدولي على قلة تضامنه الإنساني مع إخوتنا في الدين، علينا قبل كل شيء أن نسأل أنفسنا ونسائلها ونحاسبها عماّ لم نؤدّه من واجب التضامن الإسلامي نحوهم. ماذا فعلنا لنجدة إخوتنا؟ وإذا لم تحرك ضمائرنا فاجعة مسلمي بورما يذبّحون ويحرّقون ويهجّرون بالآلاف، فماذا عسى يحركها؟ إذا لم نحزن الآن ولم نغضب، فمتى نستجمع القدرة على الحزن والغضب؟ إذا لم نحزن الآن ولم نغضب، فكيف نخادع أنفسنا ونظن أننا أحياء؟ بلاء عظيم أحاط بمسلمي بورما كأنه اتصال، لا انقطاع فيه، للبلاء الذي حل بالموريسكيين المقتلعين من الأندلس. البلاء الذي قال فيه الرندي: لمثل هذا يذوب القلب من كمد، إن كان في القلب إسلام وإيمان.
لم يكن ما قاله مارتن أيميس بمناسبة صدور مجموعة محاولاته الجديدة عوادي الزمن يتعلق بنا، بل ببلاده التي قال للبي بي سي إنها بثت فيه نفس شعور الإحباط الذي بثته في صديقه الروائي إيان ماك ايوان لأن جنوحها للبركسيت هو جرح أصابت به نفسها بنفسها. ذلك أن هجر بريطانيا لتكتّل أوروبي قوي يعتدّ به، مهما كانت نقائصه وتعقيداته، بهدف المضي في طريق منفرد، إنما يبدو في رأيه مجرد نكران لواقع، هو واقع الانحدار القومي.
ويستغرب أيميس ذلك لأنه يرى أن بريطانيا كانت قد قبلت هذا الواقع منذ زمن. قبلته بنضج وتعقّل يثيران الإعجاب لأسباب منها شعورها بالندم على ماضيها الإمبراطوري، ولكن ليس بمعنى التحسر على ضياع الامبراطورية بل بمعنى التمني لو أن الإمبراطورية لم تنشأ أصلا. وعندما يسأل: لماذا علينا أن نقبل الانحدار والأفول؟
يجيب بأن ذلك مصير لا مناص منه تاريخيا، وإنما قصارى الجهد أن تتعود الأمة الآفلة على قبول مصيرها بطيب خاطر ورفعة نفس. أما أشد ما يخيف أيميس، فهو كيف ستتعامل أمريكا مع حقيقة الأفول الذي هو آت لا محالة. سؤال مخيف لأن الأمريكيين نزّاعون إلى الأوهام أكثر من البريطانيين.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي