عندما زارَ زكي مبارك العراق أستاذا في دار المعلمين العالية، في ثلاثينيات القرن الماضي، سجّل مشاهداته عنه في كتابيه «وحي بغداد» و»ليلى المريضة في العراق» ويعتبران من روائع كتب المذكّرات الأدبية.
وقد استوقفني ذهول مبارك حين شاهد دجلة على حقيقته، إذ يقول: وكنتُ أتصوّر دجلة نهراً صغيراً لم يأخذ عظمتهُ إلا بفضل أخيلة الشّعراء، فلما رأيته أخذت منّي الروعة كلّ مأخذ، وتمنيتُ لو جاءَ شعراء مصر فرأوهُ وعرفوا أنّ في الدنيا نهراً يُشابه النّيل.
الحقيقة أن زكي مبارك لا يُلام على ذهوله، وهو الشاعر والأديب الفذ، وهو أدرى بمبالغات الشعراء الّتي تصيِّرُ الكوخَ الصَّغيرَ خورنقاً، فظنَّ أنّ دجلة النهر ما هو إلا من صنع أخيلة الشعراء، فتوارد القصائد عن شيءٍ ما، قمينٌ بأن يرسمَ صورةً أخرى لذلك الشّيء غير صورته الأصل. أذكر حادثةً طريفة نجمها النّحات العراقيّ الرّاحل خالد الرّحال، صاحب نّصب الشهيد والجندي المجهول في بغداد، يُروى أنه حين زارَ دمشق ولبّى دعوةً من فنّانين سوريين على ضفاف بردى، وبعدَ حديثٍ خطرَ له أن يسألهم عن بردى أين موقعه؟ فذهل لمّا أجابوا بأنّهم يجلسون إلى ضفافه الآن! فقال لهم: أهذا النّهر النّحيل هو بردى الّذي قال فيه أحمد شوقي (سلامٌ من صبا بَردى أرقُّ…)؟ فقالوا: نعم.
وكان الرّحال معروفاً بمبالغاته كما يروي عنهُ تلامذته، فقال: نحنُ في بغداد لدينا دجلة عرضهُ ..، وهنا سكت الرّحال لأنه في حقيقة الأمر لا يعرف العرض الحقيقي لنهر دجلة، وتدارك الأمر بمبالغة طريفة ظلّت خالدة كما هو خالد الرّحال في أعمال بقوله: عرضهُ بقدرِ طوله!
كاتب عراقي
مروان عدنان