هذه هي المجموعة القصصية السابعة من القاصة الأردنية بسمة النسور، بعد «نحو الوراء»، «اعتياد الأشياء»، «قبل الأوان بكثير»، «النجوم لا تسرد الحكايات»، «مزيداً من الوحشة»، و«خاتم في مياه بعيدة». وما خلا القصص «القصيرة جداً»، كما تسمّيها (والتي شرعت في نشر نماذجها منذ العام 1999، وكانت لها جمالياتها المختلفة)؛ فإنّ النسور حرصت على إقامة توازن دقيق، عالي المرونة وشديد الانضباط في آن، بين ثلاث ركائز كبرى لا غنى عنها لبلوغ مستويات أكمل من هذا الفنّ الشاقّ والحيّ الذي نسمّيه القصة القصيرة: تكثيف البرهة، وضبط السرد، وضغط المعطيات المكانية. ذلك التوازن تنامى وارتقى على الدوام، حتى صار علامة أسلوبية فارقة، طبعت الغالبية العظمى من قصص النسور.
هنا فقرات من قصة قصيرة بعنوان «حالات البحر الميت»: «تنتظر هبوط اللّيل كي يعود البحر بحرها. تنفرد به على هواها. يسمع أنين روحها المتعبة. تستحضر روح أبيها المقيم بصفة دائمة في أحلامها: حين يتوارى الدفء عن وجه الكون يحضر حنان يديه، يوم كان يحكم وضع الغطاء فوق جسدها الصغير. تغمض عينيها وتتشبث بالصورة، لعلّها تستبقيه برهة إضافيّة غير أنه يصرّ على الرحيل، فتدرك أنها على الرغم من الحرّ القائظ في ليل الغور العتيق سوف ترتعش برداً إلى آخر العمر. يشهق البحر مفجوعاً حين تطلّ ابتسامة أمّها الطفولية الخجولة، كلما داهمها الفرح كانت تخفي فمها بكفها الصغيرة. أورثتها تلك الحركة، وجعلت الناس يرددون: إنك تشبهين أمك، إلى أن قال لها رجل لا يتقن المكوث طويلاً: ضحكتك حلوة. لماذا تخفينها؟ ردّت: أسناني قبيحة، كبيرة ومعوجّة. قال لها: إنّها أجمل ما فيك، أسنان ذئبة رؤوم تستدعي الحنين إلى أزمان غامضة بالحنين».
دار الشروق، عمّان 2016.