قد يخال القارئ عند قراءة رواية «بطل من هذا الزمان» للكاتب الروسي ميخائيل ليرمونتوف، بأنّه سُجن في قمقم الماضي، وتلقّفه جيلٌ مضى وطواه التاريخ في عبّه، ولم يبـــــح لنا عنه سوى بالقشور، حتى لا تنفذ شفرته إلى جسد حاضــــرنا فتحقنه بسمّها أو تغذّيه بتأجّج سعــــيره الذي لطالما ترنّح في صدور المقهورين والمحرومين والمسجونين وحتى الأحرار منهم.
لكنّ الرواية التي صدرت عام 1840، لا تصبّ في خانة الماضي فقط.. رغم أنّها جمعت تلاطماته في شخص بطلها الروسي «الضابط بتشورين»، الذي كان في الجيش القفقاسي، حيث أُرسل إليه رغماً عن إرادته. وهو يمثّل وجهاً من وجوه الطبقة الراقية التي يحفّ بها الثراء من كل جانب.. يرفل بثقافة طاغية وحضور آسر لاسيّما في مجتمع السيّدات، ويتوارى شرّه وراء قناع من الطيبة الزائفة، بل يصبّ الحقد بين جنبات ضلوعه كشلال يسحق كلّ البذور الإنسانية لحظة الغضب.
لقد تخلّت عنه الشجاعة عندما شهد الضباب يحيق بأحلام الشباب وشعر بشرارة الثورة تحرّك كيانه، ولم يستطع أن يحرك ساكناً، بل تكوّر على نفسه وألمه، وتربّع في صدره شعور اللامبالاة الذي ينام فوق فوهة بركان ملتهب، قد يسحق كلّ أمل، وأيّ بصيص من إيمان.. يتعرّج بين أدغال الشر بلا نيّة للشر..حتّى لا يسعنا أن ننقم عليه بل نرثي له في أحيان كثيرة. ينقلنا الكاتب من خلال ذكريات «الضابط بتشورين» من حدث إلى آخر بانقياد طاغ وسلاسة جميلة تبهرُ وتشرق، ويغدق علينا بمنهج وصفي يجمع الظاهرة بالتحليل والتفسير والربط المحكم، فكأننا نسير معه هناك عند قمم الجبال وتحتدم السحب فوق رؤوسنا حتى أنّها تكاد أن تلامس جبيننا..وقد لامس وصفه المظاهر الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك، فتفرّد بطبيعة وصف مسهب لا يمس القلب بالملل أو التململ.
عاش بتشورين في عهد القيصر نيقولاي الأول، الذي حفل عهده بالقمع والردع، وبحروب دموية شائكة سافكة للدماء.. لهذا أتى نموذجاً مرّاً للسيكولوجيا النفسية والجوانب الاجتماعية التي حفلت بها تلك الحقبة من الزمن. لم يكن بتشورين مستهتراً فقط لأنّه تخضّل ببعض من رذائل النفس البشرية.. كعشقه لامرأة متزوّجة تدعى «فيرا»، التي افترق عنها ولكنّه التقى بها مجدّدا بالصدفة في «بياتيجورسك»، حيث يسود الاعتقاد بأنّ المياه هناك شافية وغنيّة بالمعادن، فيقصدها صفوة الناس للاستشفاء. وفي الوقت عينه، يلتقي بأميرة حسناء مع والدتها، يقع في غرامها صديقه الجندي «جروشنيتسكي» وتبادله بعض الاهتمام.. ولكنّ الغيرة تجتاح قلب بتشورين ليستأثر بها لنفسه ويوقعها في حباله. وسرعان ما يصدّها عنه عندما باحت له بعاطفتها المتّقدة.. كأنّه يتلذذ بطاعتها العمياء وانقيادها له.. تماماً كالحاكم الجائر الذي يأسر شعبه بوعودٍ متوثّبة لا تلبث أن يذرها في الريح فتاتاً. وعندما يحبك له صديقه «جروشنيتسكي» بعد أن نفذت طعنة الغدر إلى صميم قلبه، مكيدة بمساعدة أصدقائه ليتخلّص منه بالمبارزة، لا يتوانى عن قتله في سبيل حقده وغروره. ثمّ تتوالى فصول غزواته ومغامراته النسائية على المنوال نفسه، يعشق، يعتريه البرود، ولا يلبث أن يضجر فيهرب.. إنّه الهروب من النفس قبل الغير..هي قتل الوقت في حبك جدائل الوهم وتلوينه في فصول متشعّبة يسودها القتل والسلام.. الحب والنفور.. الشر والقليل جدا من الخير..
رواية ميخائيل ليرمونتوف، ألحقت به نقمة كبيرة من القيصر الذي اعتبرها صفعة مدوية لطبقة الارستقراطيين والنبلاء، فسارع لنفيه إلى القفقاس..
وقد تشبّعت رواية «بطل من هذا الزمان» بالفكر الحر، الذي ينبش التراب ليسقي جذوره ثورة ورفضاً للخنوع، وتسريباً لنقائص مجتمعه المتشابكة. إذن، هي روايةٌ سحقت الخطى المترنّحة التي ينتهجها البعض في الهجوم والنقد لتسير واثقة بلمفوظية مجازية وأفكار ثابتة لا تحيد عن الطريق.
٭ كاتبة لبنانية
نسرين بلوط