بعث العراق والقطار الأمريكي… محاولة تفكيك

(لقد جئنا إلى السلطة بقطار أمريكي) عبارة تنسب لعلي صالح السعدي أمين سر القطر لحزب البعث في العراق عام 1963، كثيرا ما ذكرت هذه العبارة حتى أصبحت من المسلمات التاريخية، دون أن نقرأ مصدرا يوثقها تاريخيا، وإنما قيل الكثير عن هذه المقولة اعتمادا على النقل الشفاهي.
وذكرت روايات أن السعدي قالها وهو في حالة سكر أثناء حديثه لصديق في القاهرة، والصديق هو من سربها للصحافة، بينما نسبها البعض إليه بعدما انشق عن البعث واسس حزبا قوميا وقال عبارته الشهيرة للصحافة المصرية عندما كان لاجئا في القاهرة. كل ذلك لم يتم تمحيصه وتدقيقه تاريخيا مع أهميته الكبيرة، لان معنى العبارة أن انقلاب البعث الاول في فبراير 1963 تم بتخطيط من المخابرات الامريكية أو على الاقل بالتعاون معها. فكيف ابتدأت القصة؟ وما هي القصص الموازية لقصة القطار الامريكي؟ واذا كان عبد الناصر قد تعاون مع بعث العراق للاطاحة بنظام عبد الكريم قاسم، فهل يعني هذا أن القطار الامريكي كان يتحرك بقاطرة مصرية؟
ببساطة نستطيع القول إن الحكاية كلها بنيت على وجود شخصيتين واحدة عربية وأخرى أمريكية لعبتا دورا محوريا في كواليس السياسة العراقية والعربية في تلك الفترة، حيث ارتبطت جميع خيوط قصة (البعث والقطار الامريكي) بهاتين الشخصيتين. والشخصية الاولى هي ايليا زغيب، هو استاذ لبناني عمل في الجامعة الامريكية في بيروت في الخمسينيات، وكما هو معروف أن هذه الجامعة كانت مركزا من مراكز نشاط الحركة القومية العربية، وأن العديد من رموز وقيادي القوميين العرب تخرجوا منها، وكان زغيب على علاقة وطيدة بالعديد من القوميين والبعثيين، ومن اصدقائه المقربين من قيادات البعث كان ميشيل عفلق، ومن بعث العراق اديب الجادر وفيصل حبيب الخيزران، الذي عرف ايليا زغيب على طالب شبيب، الذي التقاه اكثر من مرة في بيروت قبل انقلاب 1963، مصدر المعلومات عن دور ايليا زغيب هو ما ذكره القيادي البعثي الذي انشق بعد ذلك عن البعث هاني الفكيكي الذي ذكر قصة زغيب في مذكراته قائلا؛ (في منتصف شباط تشكلت لجنة من المقدم محمد يوسف طه وجعفر قاسم حمودي والمقدم علي عريم لجرد محتويات مكتب قاسم وضبط الوثائق والملفات الرسمية هناك، وكنت مع علي صالح السعدي في مكتبه بوزارة الداخلية حين اتصل جعفر قاسم حمودي تلفونيا ليعلمنا بعثوره على اضبارة تخص الدكتور ايليا زغيب الاستاذ اللبناني المنتدب للتدريس في جامعة بغداد. ايليا زغيب الذي كان وبتوصية وتزكية من ميشيل عفلق والقيادة القومية نستخدمه لسنوات في نقل بعض الرسائل بيننا وبين القيادة القومية، وكان طالب شبيب هو صلة الوصل به في بغداد، وحين درسنا الملف وجدناه مليئا بتقارير مديرية الامن العامة والاستخبارات العسكرية التي تشير إلى علاقة زغيب بوكالة الاستخبارات الامريكية (CIA ) وتعاونه مع حزب البعث، وتطلب من قاسم الموافقة على اعتقاله وإبعاده من العراق، غير أن قاسما كتب امره بالابقاء عليه ومراقبته، اتصلنا علي وانا فورا بطالب شبيب في مكتبه بوزارة الخارجية وعرضنا عليه الامر واعلمته بعزمنا على اعتقال زغيب، لكنه نصح بالتريث وعدم التسرع في تصديق كل ما تدعيه دوائر الأمن والاستخبارات وطلب تأجيل البت في الامر لحين حضوره، بسبب اجتماعه انذاك مع بعض السفراء. في الوقت نفسه اتصلت بدوائر الامن والسفر وطلبت اليها منع زغيب من مغادرة العراق ووضعه تحت المراقبة، غير اننا اكتشفنا مساء ذلك اليوم انه غادر العراق عن طريق الرطبة البري) في اشارة مواربة تتهم وزير الخارجية وعضو القيادة القومية والقطرية طالب شبيب بتسهيل هروب عميل المخابرات الأمريكية، وقد جاء رد طالب شبيب على هذا الموضوع في مذكراته، مشيرا إلى انه تعرف على ايليا زغيب في بيروت عن طريق أديب الجادر وفيصل حبيب الخيزران، وهما قياديان في حزب البعث، ويشير إلى شكوكه بالرجل واحتمالية كونه عميلا، أو على الاقل على صلة بوكالة الاستخبارات الامريكية، فهو يجيب على سؤال هل تعتقد أن ايليا زغيب كان جاسوسا؟ بقوله: أنا واثق أن المخابرات المركزية الامريكية لا تضيع الفرصة لكسب مثل هذا الشخص، ولكننا عندما كنا في بيروت لم نكن نخاف من جلاسنا، فلم نكن لوحدنا، بل كانت لنا حصانة وقوة وخلفية نعتمد عليها. الا انه في الوقت نفسه ينفي ما ذكره الفكيكي من استخدام زغيب كوسيط لنقل الرسائل بين القيادة القطرية في العراق والقيادة القومية في بيروت، كما انه ينفي علاقته به وانه لم يشاهده في بغداد سوى دقائق معدودة بعد نجاح الانقلاب، اذ جاءه زغيب مهنئا إلى مكتبه في وزارة الخارجية. اما مسألة تهريبه من العراق فانه ينفيها جملة وتفصيليا ويشير الى أن الرجل بقي يعمل كأستاذ في جامعة بغداد لمدة سنة بعد الانقلاب ويمكن التأكد ببساطة من ملفات الاساتذة الاجانب العاملين في جامعة بغداد. لكننا لم نحظ حتى الان بباحث علمي وموضوعي واحد فتح ارشيف جامعة بغداد ووصل إلى النتيجة الحاسمة في هذا الامر.
اما الشخصية الثانية التي لعبت دورا محوريا في خلق قصة (البعث والقطار الامريكي) فهو ضابط المخابرات الامريكي بيل ليكلاند، الذي كان يعمل مديرا لمكتب المخابرات الامريكية في بغداد، لكنه رسميا كان مساعد الملحق العسكري في السفارة الامريكية في بغداد. وبيل ليكلاند المولود عام 1923، عمل ضابطا في البحرية الامريكية في الحرب العالمية الثانية، وعندما انشئت المخابرات المركزية (CIA) بعد الحرب عمل فيها في محطتين مهمتين في مواجهة التهديد السوفييتي مع بداية الحرب الباردة، إذ عمل في أنقرة وميونخ نهاية الاربعينيات، ما جعله يشغل وظيفة متخصص في شؤون الشرق الاوسط، حيث ارسل إلى مصر قبيل 23 يوليو كسكرتير ثان في سفارة بلاده، ليكون حلقة الاتصال بين الضباط الاحرار والسفارة الامريكية، وكانت علاقته بعبد الناصر متميزة عن علاقته ببقية الضباط، نتيجة سكنه بالقرب من منزل عبد الناصر في القاهرة، ويذكر هاني الفكيكي في مذكراته أن عبد الناصر كان على معرفة جيدة بليكلاند، وقد حذر علي صالح السعدي الذي التقاه في في القاهرة في مفاوضات الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق، حيث اخبره عبد الناصر أن بيل ليكلاند سبق أن خدم في القاهرة ويجب أن تحذروا منه فهو خبير انقلابات، ولم يفهم علي السعدي التحذير لانه لم يكن يعلم بعلاقة ليكلاند ببعض البعثيين العسكريين والمدنيين.
وقد ارتبطت بليكلاند ما عرف بـ(قصة الدبابة السوفييتية) فقد جهز الاتحاد السوفيتي حكومة عبد الكريم قاسم بأحدث دبابة سوفييتية في حينها وهي من نوع (T62) التي لم تجهز لدولة خارج نطاق حلف وارشو، وكان العراق هو الاستثناء الوحيد، وكان الامريكان يسعون إلى كشف اسرار هذه الدبابة، وبعد انقلاب شباط 1963 كان وزير الدفاع صالح مهدي عماش، أو مدير الأمن العام جميل صبري الذي ينوب عنه يلتقي اسبوعيا بمدير محطة المخابرات الامريكية في بغداد بيل ليكلاند في اجتماع روتيني، باعتباره نائب الملحق العسكري، ولأن حكومة بغداد كانت تواجه تمردا كرديا في كردستان العراق وكانت بحاجة ماسة إلى بطاريات كبيرة للدبابات، كان الاتحاد السوفييتي قد امتنع عن تجهيزها للعراق بعد الانقلاب، طلب عماش من جميل صبري أن يطلبها من ليكلاند، فكان أن طلب منه ليكلاند الدبابة السوفييتية الحديثة بالمقابل، وتم الاتفاق على ذلك وفي غضون ايام حطت طائرة شحن امريكية محملة ببطاريات الدبابات، وبدأ ليكلاند يضغط على مدير الامن العام جميل صبري لتنفيذ الجزء الخاص به من الاتفاق، ونتيجة الضغط عرض الامر على مجلس قيادة الثورة، لانه اصبح مأزقا حقيقيا سيدمر مصداقية الدولة العراقية، التي تسرب الاسرار العسكرية لدولة حليفة إلى اعدائها، وكان رأي رئيس الوزراء احمد حسن البكر هو محاولة اقناع الامريكان بأرسال خبرائهم بشكل سري للاطلاع على الدبابة السوفييتية في بغداد، لكن طالب شبيب وزير الخارجية نبههم إلى أن الامر سيان، ويرجوهم أن يتركوا الامر له، فما كان منه في اليوم التالي الا أن بعث بطلب السفير الامريكي ليخبره أن احد موظفي سفارته وهو عضو في الاستخبارات المركزية الامريكية حاول الحصول على اسرار عسكرية عراقية، وان الدبابة السوفييتية التي اشتراها العراق اصبحت سرا عسكريا عراقيا، وما جرى يعتبر عملا غير ودي وغير مقبول من دولتكم، ولهذا طلب مغادرة الموظف المسؤول عن هذا الامر خلال 72 ساعة، وكان رجاء السفير خوفا من تسرب الامر لوسائل الاعلام أن يتم الامر بطريقة سرية وان يغلق الموضوع، و(هذا ما كنا نتمناه) هكذا يعلق شبيب عن الموضوع في مذكراته. فهل اغلق الموضوع حقا؟
كاتب عراقي

بعث العراق والقطار الأمريكي… محاولة تفكيك

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية