بعد أكثر من أحد عشر عاماً على التغيير: صحافيون عراقيون: إعلامنا مسيّس.. ولا حرية حقيقية وسط الفوضى السياسية

حجم الخط
1

بغداد – «القدس العربي»: لم تمرّ على العراق فرصة ذهبية في تاريخه، مثلما حدث بعد دخول القوات الأمريكية بغداد في التاسع من نيسان/ابريل العام 2003، هذه الفرصة التي أعلن عنها بأن الديمقراطية الحقيقية لبلد عاش أكثر من 35 عاماً تحت حكم ديكتاتوري لم يسمح له أن يتنسم هواء نقياً بعد قتل وتهجير وسجن ومحاولات مبرمجة لقتل كل ما هو إنساني في هذا البلد الذي عاش حياة ديمقراطية قبل قرابة أكثر من خمسة آلاف عام بعد أن شكل كلكامش مجلس شيوخ وشورى، حسب ما ورد في ملحمته الخالدة.
كان من المفترض أن ترافق هذه الديمقراطية حياة حرة على الصعد جميعها، حرية في الرأي، حرية في الإعلام، حرية في المظاهر الإنسانية. ربما بدأت هذه الحريات في الظهور بعد أيام قليلة من سقوط النظام البعثي وتشكيل مجلس الحكم، لكنها بدأت تتناقص شيئاً فشيئاً بعد مدة ليست بالقصيرة على إثر ظهور أحزاب جديدة حملت ملامح جلاَّدها، خصوصاً على مستوى الأحزاب الإسلامية التي سعت لتطبيق شرائعها الخاصة، مبتعدين عن الشعارات التي وصلت إليها للسلطة أو التي سمحت لها بالعمل داخل مجتمع (حرّ).
لكن الحرية الأهم التي يجب أن تطبق في بلد ديمقراطي هي حرية الإعلام، التي بدأت بعد تأسيس قوات التحالف «جريدة الصباح» التابعة الآن للدولة العراقية، لكن كواليس تأسيس هذه الجريدة تعلن منذ بدايتها عن حرية منقوصة، إذ كان مستشارو قوات التحالف هم من يقررون ماذا ينشر وأي خطاب يجب أن تتبناه الجريدة.
أكثر من 300 جريدة صدرت في بغداد والمدن العراقية الأخرى بعد شهور قليلة من دخول القوات الأمريكية، وعشرات الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى. السؤال الآن، بعد ما يقارب 12 عاماً من سقوط نظام ديكتاتوري: كيف نقرأ حرية الإعلام في العراق؟ وهل هناك حرية إعلام فعلاً، أم ما زلنا نعيش في عصر الإعلام الشمولي والمؤدلج؟

هيمنة أيديولوجية

الدكتور محمد عطوان يرى أن القول بوجود قنوات إعلام مهني حر، يقضي بتوفر فضاء مدني صحي ومعافى وسليم، يمكنها من العمل باستقلالية.. وﻻبد من أن يتيح هذا الفضاء المجال للتعبير عن حرية الرأي والرأي اﻵخر وتمثيل قيم التعددية الثقافية والسياسية. مثلما يتطلب تجسيد هذه القيم بلوغ الذوات الفاعلة البعد الفردي، أي مقدرة الأفراد الفاعلين على التأثير في بنية جماعية يراد لها أن تكون محفزة للذوات الفردية. والواقع أنه ﻻ وجود لهذه البنية الليبرالية، تلك التي تؤمن بالفردية ويتجلى من خلالها حضور الإعلام المهني الحر.
مضيفاً أن معظم القنوات الإعلامية التي تشكلت في ما بعد 2003 لم تستمر على النحو الذي أنشئت ﻷجله، توجيه غايتها ومقدرتها على إشاعة قيم سياسية بديلة، فبدﻻً من أن تستمر تدافع عن تصورات وطنية متفتحة، بدا خطابها تعبوياً لمصلحة جهات حصرية قفلت تتسيد المشهد السياسي العراقي بتلاوين طائفية وحزبية. و»أعني بالقنوات تلك المستقلة التي آلت إلى أن تكون قنوات حزبية أو متحزبة بحكم تغير المصلحة وتبدل مصدرية المانح. لقد حصل نوع من الصهر واﻻبتلاع لعموم المنظمات المدنية غير الحكومية وقنوات الإعلام التي بدأت العمل متحررة في أعقاب التغيير… صهرت وابتلعت بفعل أجهزة الدولة ممثلة بجهاز الحكومة المالك للمال وسلطة الإكراه، وهيمنة وانفراد أيديولوجية الدولة، لذلك يتعذر القول بوجود إعلام يتحرك بإرادة حرة مستقلة في المشهد السياسي والثقافي العراقي اليوم».

أسئلة مواطن

الذي يجري اليوم في العمل الصحافي هو الأقرب للفوضى منه إلى الحرية؛ حسب ما يرى الإعلامي قيس حسن، مضيفاً أن وسائل الإعلام المتعددة لم تنتج؛ برغم كثرتها، أية تقاليد عمل صحافية، حتى ليبدو الأمر وكأن سلطتنا السياسية، لا تفرق بين الإعلام والإعلان. وفوق ذلك تفرض الدولة سطوتها على الجسد الإعلامي بشكل لا يخلو من التعسف. ويعطي حسن مثالاً على هذا التعسف ما جرى مع صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «البغدادية» الذي يؤشر على حجم الإنتكاسة التي وصل إليها الإعلام في الحكومة الحالية.
ويكشف أنه بعد عشر سنوات على سقوط الحكم الديكتاتوري لم ننجح في بناء إعلام حر وموضوعي «في الأعم الأغلب نحن أمام إعلام حزبي ومؤدلج، بل وحتى طائفي، يشتغل على مناطق بعيدة عن الحياد والمهنية ويدفع نحو المزيد من الخلل والإرتباك، الفوضى وسيطرة الأحزاب والسلطة على الصحافة نجحت في ترسيخ صورة مشوهة للإعلام في الواقع وفي ذهنية الناس أيضاً، فمن الصعب أن تجد عراقياً يثق بوسيلة إعلام، وعادة ما يسأل المواطن سؤالاً يكشف عن طبيعة الفهم الشائع لدور الإعلام وهدفه». ويبين حسن أن سؤال المواطن العراقي لأي صحافي يتحدد غالباً بـ: لأية جهة تنتمي صحيفتك؟ أو من هي الجهة التي تقف وراءها؟ أو من يدعمها؟
ويرى أن المؤسسات المهنية ومنظمات المجتمع المدني المتخصصة في الإعلام لعبت دوراً في هذه الانتكاسة، فـ»نقابة الصحافيين تحولت إلى منظمة للحشد الشعبي ودعم السلطة والدفاع عنها بنفس الطريقة التي كانت تجري أيام حكم نظام صدام حسين، وهي تلعب هذا الدور تكشف لنا عمق الأزمة التي يعيشها الإعلام العراقي، وطبيعة الخلل الذي أودى ببقية الأمل في بناء إعلام حر ومحايد وموضوعي».

تبعيات غير حرّة

يحدد الإعلامي عمار السواد نوعين من الحرية: حرية إعلام ووسائل إعلام حرة. مبيناً أن الحرية هي الفضاء المتاح الذي يعطي الفرصة للإعلام أن يشتغل، وهذا كان متوفراً إلى حد كبير من حيث عدم وجود قوانين أو تشريعات قمعية رادعة، لكن كانت المشكلة في القوى الشبحية التي تستهدف أي صحافي أو وسيلة إعلام يتقرب إليها، وهي عادة جماعات مسلحة أو مليشيات أو جهات ذات نفوذ. «لكن في العامين الماضيين واجه فضاء حرية الإعلام مشكلة إضافية تمثلت بجهات رسمية تحاول كبح المتوفر من الحرية لاعتبارات سياسية أو دينية أو مذهبية. أما على مستوى الإعلام الحر، فهو غير متوفر في العراق، فوسائل الإعلام إما تابعة للسلطة أو تابعة للأحزاب أو مدارة وفق أجندات سياسية وطائفية وقومية، ما جعل الصحافي غير المنتمي أو غير المائل لجهة عملة نادرة، وهذا أدى إلى التفريط بالمتوفر من الحريات الإعلامية التي ظهرت بعد سقوط النظام السابق، حتى الصحافيون الذين يقومون بأداء مهماتهم وفق رؤية الإعلام الحديث، يعانون من مشـــكلة عدم وجود وسيلة إعلام تحتويهم ما يضــطرهم إمــا إلى ترك المهنة أو التنازل».
ويؤكد السواد أن الإعلام العربي وتوجهاته، خصوصاً في الإعلام الموجه من بعض دول الخليج، عزز من التنافس على الأجندات وليس على الجانب المهني. «وبشكل عام، الأمر ليس مرتبطاً بالسلطة السياسية أو الأحزاب فقط، بل بطبيعة نظرة العراقيين أنفسهم نحو الإعلام، فهو من وجهة نظر الناس مصنف مسبقاً وفق ما يطرحه من أخبار أو ملاحقات للأحداث، وبمجرد ان يذكر شيئاً يتناقض مع تمنيات هذا أو ذاك، يصبح غير صادق وغير حقيقي من وجهة نظر المتابعين».
وينهي حديثه قائلاً إن الإعلام الحر، وفضاء الحرية الإعلامية بشكل عام مرتبط بثقافة اجتماعية، ولا يمكن الحديث عن وجود مثل هذه الظواهر الإيجابية في عمل الصحافة بمعزل عن الحالة الثقافية السائدة، والقائمة على أساس ثنائيات محددة سلفاً، أن تكون معي أو ضدي» على حدِّ قوله.

لا مبالاة

لكن الإعلامية صابرين كاظم تستغرب من حالة غريبة في الإعلام العراقي، وهي ان وسائل الإعلام على كثرتها تضيق بالعاملين المحترفين، وإذ يشعر العاملون بالتضييق عليهم وتعرضهم لأنواع من الابتزاز وجو المؤامرات الشائع نظراً لغياب سياق عمل مهني ومتين ينجي الجميع من الإندثار في هذه الأجواء النفسية المرهقة وتضييع فرصة على جمهوره وفضائه في الجريدة أو الراديو أو التلفزيون لتقديم مادة جيّدة.
وتتساءل: هل يمكن لمؤسسات تمتلك كل هذا الخراب أن تنتج جيلاً إعلامياً ينجو من المشاكل الشخصية ليطالب بحرية إعلام؟ «كيف ينادي الصحافي بحريته حين يكون العامل في هذا الحقل خائفاً ومنشغلاً بدرء الابتزازات المستمرة التي تنتعش داخل مؤسسات الإعلام على تنوعها، فضلاً عن نـــدرة المحترف وقلة الأسماء الحقيقية التي بدأت بالتحول إلى موظفين عاديين يعملون بلا مبالاة يكثر تداولها هذه الأيام؟».
وهناك نقطة مهمة بدأت تتضح مؤخراً تتحدث كاظم عنها، وهي انتقال عدد كبير من الصحافيين المحترفين إلى كردستان أو بعض الدول المجاورة هرباً بحقهم في الرأي وحرية القول والكتابة «إذاً يبدو الحديث عن حرية الإعلام أمراً مخيفاً. فالظاهر أن العراق واحد من البلدان التي تتفاخر بأنها دون سجين رأي واحد، لكننا جميعنا سجناء التخويف والترهيب، هذا السجن الكبير الذي صنع بمهارة الفوضى التي صارت السمة العامة للبلد ولا يستطيع أحد الآن أن يدّعي شكل الحرية المنتظرة والتي جاءت طارئة في العراق الجديد بعد عام 2003».

ألغام السلطة

حرية الإعلام لا تعني فقط توفير مساحة أو وسيلة إعلامية للتعبير عن الرأي، إنما ترتبط بتوفير المناخ والبيئة المناسبة لممارسة تلك الحرية، هذه هي ن وجهة نظر الإعلامي حسين العامل، الذي يضيف، أن الإعلامي في العراق، وإن كان يتمتع بكفالة دستوريه تضمن له حرية الرأي، لكنه ما زال يواجه كمّاً هائلاً من التحديات والمخاطر، تتمثل بالملاحقات القضائية الكيدية التي يتم النظر فيها قضائياً وفق قوانين قديمة تكرس الحكم الشمولي، فبعض مواد قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 من شأنها أن ترسل الإعلامي إلى حبل المشنقة. إضافة إلى التهديدات المباشرة وغير المباشرة التي يتعرض لها الإعلامي والمؤسسات الإعلامية التي تشكل إحدى العقبات الكبيرة وتحد من حرية العمل الإعلامي. فـ»الإعلامي في العراق ما زال يسير في حقل الألغام وهو لا يعرف متى سينفجر في وجهه لغم من ألغام السلطة أو المليشيات أو العصابات المسلحة أو العشائر، وغيرها من مصادر التهديد في بلد يعيش في أجواء أمن هش وأوضاع سياسية مضطربة». موضحاً أن هذا ما جعل المنظمات الدولية تصنف العراق كواحد من البلدان الخطرة في مجال العمل الإعلامي. كما أن إمكانية الحصول على المعلومة من المصادر الحكومية ما زالت مقيدة وخاضعة لمزاجية المسؤول وولاءاته الحزبية، فالكثير من المسؤولين يتعاملون بانتقائية مع وسائل الإعلام، ناهيك عن قرارات غلق بعض القنوات ووسائل الإعلام التي لا تتوافق مع توجهات الحكومة، في حين أصبح إعلام الدولة بوقاً لرئيس الحكومة وانحرف عن أهداف تأسيسه بصورة كبيرة.

صور شائعة

أما الإعلامي ساطع راجي فيقرُّ بوجود حرية إعلام في الصورة العامة، وتحديداً فيما يتعلق بالآراء، غير أن حدود هذه الحرية غامضة، حسب ما يرى، «علينا مثلاً تذكر عدد كبير من حوادث الاعتداء على الصحافيين وعلى المؤسسات الصحافية ولنتذكر أيضاً أن قدرة وسائل الإعلام المستقلة على الوجود في العراق تكاد تكون معدومة. وسائل الإعلام العاملة في العراق معظمها مملوكة بشكل مباشر للقوى السياسية أو للدولة وما تبقى فهو محمي بشكل غير مباشر. الاعتداءات على الإعلاميين ومؤسساتهم لا تلقى الاهتمام الكافي من الأجهزة الأمنية والقضائية، ونشهد حالة غريبة، فهناك مسؤولون وشخصيات نافذة ترفع دعاوى قضائية ضد الإعلاميين أو مؤسساتهم بدعوى التشهير، وفي المقابل لا نجد شكاوى للإعلاميين أمام القضاء، حتى عندما يتعرضون للاعتداء الجسدي المعلن».
ويسرد راجي حكاية الجانب الأشد سوءاً من غياب حرية الإعلام «إذ مع التدهور الأمني والأعمال العسكرية لا نجد صورة واضحة وموثقة مهنياً لما يجري على الأرض في الكثير من المحافظات، هذا الأمر أدى إلى سيطرة الشائعات والأخبار الملفقة والمدسوسة، كل الأطراف المشتركة في النزاع مسؤولة عن غياب الحقيقة أو القدر المعقول من المعلومات عن مناطق شاسعة في البلاد».
مؤكداً أن المؤسسات الإعــلامية وانحيازاتها السياسية تساهم في ذلك أيضاً، المتلقي يخضع للتضليل أو العماء، هـــذا اختبار حقيقي لحرية الإعلام التي لا تشـــغل الســـاسة وحتى المجتمع الذي يعيش انقســـامات وتعصبات تدفعه للبحث عن إعلام مداهن ومزيف يرضي ولا يزعج.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية