بعد أكثر من ثمانين عاما على رحيله : 200 مثقف إسباني يطالبون بمنح لوركا جائزة نوبل

حجم الخط
0

مدريد ـ «القدس العربي» من محمد محمد الخطابي: أطلق ما ينيف على 200 من المثقفين والكتّاب والشّعراء والفنانين والمطربين والمفكّرين ورجال العلم والسياسة بمبادرة فريدة في بابها في اسبانيا يطلبون فيها من الأكاديمية السويدية منح جائزة نوبل للآداب للشاعر الغرناطي الراحل فيديريكو غارسيا لوركا. ويطالب هؤلاء بإجراء تغيير أو تعديل جديد على المعايير المعمول بها في هذه الأكاديمية حتى اليوم ليتسنّى تحقيق هذا المطلب المُستحقّ في نظرهم مع شاعرهم ومع مبدعين عالميين آخرين من مختلف الجنسيات والأعراق. المبادرة
المعايير المعمول بها في الوقت الراهن لا تسمح بأن يمنح هذا التكريم الأدبي الكبير لمثقفين وكتّاب وشعراء أو مبدعين من الراحلين، إلاّ أنّ أصحاب هذه المبادرة الجريئة يعتقدون أنّ الأكاديمية السّويدية السّاهرة على منح جوائز نوبل في مختلف الاختصاصات يمكنها أن تقوم بعمل إستثنائي في هذا القبيل لتأخذ بعين الاعتبار الاعتراف بمسيرة هذا الشاعر. لقد تمّ تقديم هذا المقترح بشكل رسمي من طرف هؤلاء المثقفين أواخر شهر حزيران/يونيو الماضي 2018 بحضور شخصيات ثقافية، وأدبية، وفنية، وقانونية وازنة في مقدمتهم القاضي الإسباني بالتاثار غارسُون، ورئيسة مؤسّسة خوسّيه ساراماغو التي ترأسها أرملة هذا الكاتب البرتغالي (الحاصل على جائزة نوبل في الآداب كذلك)، فضلاً عن كتّاب وشعراء ونقاد ومبدعين آخرين. وقد تمّ خلال هذه التظاهرة قراءة بيان ذكّر فيه المنظمون بأهمية لوركا كشاعر وكاتب مسرحي واستحقاقه في الحصول على هذه الجائزة العالمية المرموقة» ليس بسبب مصرعه المأساوي في آب/أغسطس 1936 على يد المتمرّدين الفرنكاويين (التابعين للجنرال الإسباني فرانسيسكو فرانكو الذي حكم البلاد بيد من حديد لمدة أربعين عاماً بعد انتصاره في الحرب الاهلية الإسبانية التي وضعت أوزارها 1939)، بل لجودة أعماله الإبداعية، وتداعياتها، وتأثيراتها في مختلف أنحاء المعمورة».
يرى أصحاب هذه المبادرة أنّ الاستجابة لهذا المطلب من طرف الأكاديمية السويدية «ستشكّل سبقاً إعلامياً وتفوّقاً أدبياً في تاريخ هذه الجائزة، كما سيكون تأكيداً واضحاً للدفاع عن مبدأ حقوق الإنسان والحياة، كما تشكل إدانة صارخة لاغتيال مواطن حرّ، وشاعر أكد دفاعه المستميت عن الفكر التقدميّ، وإسهامه من أجل الحرية والانعتاق ومواجهة الفاشية الغاشمة.
ويعتبر لوركا من أكثر الشعراء شعبيةً بين المبدعين في بلده إسبانيا وخارجها، وهم يذكّرون كذلك في بيانهم أنّ لوركا كان من أكثر الشعراء دفاعاً عن تحرير المرأة والمساواة بين الجنسين، حدث ذلك في بلد كان غارقاً في الهيمنة «الذكورية والرجعية وتزمّت رجال الدّين»، ولم ينحصر دفاع لوركا عن المرأة في الحواضر وحسب، بل إنه دافع كذلك عن المرأة في القرى، والبوادي التي كانت غارقة في غياهب التأخّر والتزمّت والجهل. كما أدان لوركا في حياته القصيرة، وفي مختلف إبداعاته، ومداخلاته كلّ الجهات التي كانت تعمل على تهميش المرأة واحتقارها، وعدم توفير الوسائل الناجعة لتعليمها، وتثقيفها، وتحرّرها.
ويؤكد الموقّعون على هذا البيان أنّ هؤلاء الذين اغتالوا لوركا لم يتمكّنوا من إسكات صوت شاعرٍ حرّ، ومثقف ديموقراطي يهيم في عشق شعبه، ويدافع باستماتة عن المُهمشين، والكادحين، والمعذّبين في الأرض.
كان الشّاعرالأندلسي رفائيل ألبرتي قد كشف النقاب قبيل رحيله عن تفاصيل مصرع لوركا وكيف أنّه واجه الموت بشجاعة وصلابة، يقول في هذا الخصوص: إنّ طبيباً إسبانياً يُدعى فرانسيسكو فيغا ديّاث كان شاهد عيان في مقتل الشاعر لوركا، قد حكى قصّة بهذا الشأن ردّدها له سائق التاكسي الذي قاد لوركا، إلى جانب معتقل آخر وثلاثة من العساكر الذين ينتمون إلى الحرس المدني. إنّ الطريقة التي قتل بها لوركا كانت حتى الآن لغزاً محيّراً، وقد أعطيت تفسيرات مختلفة حول هذا الأمر، وحسب» فيغا دياث « فانّ سائق التاكسي كان قد زا ره في عيادته في 13 اغسطس/آب 1936.
الأحداث وقعت في الليل، وقد تعرّف سائق التاكسي على واحد من الذين تمّ القبض عليهما وهوالشاعر الغرناطي بواسطة الكشّافات التي أوقدها الحرّاس للقيام بعملية الإغتيال. وكان لوركا قد سافر من مدريد إلى مسقط رأسه غرناطة إذ ـ حسب الشاعر ألبرتي – كان لوركا يعتقد أنّه في أرضه سيكون في مأمن من الخطر. وأضاف: «إنّ لوركا كان يغشاه خوف الأطفال، وكان يعتقد أنّه في غرناطة لن يحدث له شيء» فركب القطار إليها، إلاّ أن الموت فاجأه هناك، فكلّ منا يحمل موته معه «. ولقد سمع سائق التاكسي الشّاعر لوركا يقول لقتلته: ماذا فعلت حتى تعاملوني هكذا؟ ثم ألقى الحرّاس بعد ذلك بلوركا والشخص الذي كان معه – كان مسنّاً وأعرج ـ داخل غَمْرٍ منخفض، فعمل الشاعر على مساعدة زميله على الوقوف ممّا زاد في حنق الحرّاس حيث ضربه أحدُهم بمؤخّرة سلاحه وشجّ به أمّ رأسه، ثم بدأ القتلة يشتمون الشاعر ويرمونه بأحطّ النعوت، وطفقوا بعد ذلك في إطلاق النار عليه على الفور. وأكّد السّائق أنّ إثنين من مصارعي الثيران، وعشرة من الأشخاص الآخرين قد قتلوا كذلك في تلك الليلة.
وتشيرالكاتبة والناقدة المكسيكية «إيرما فوينتيس» معلقة على ذلك: «إنّ الشّعراء مثل الأبطال والأنهار يطبعون شعوبَهم بطابعهم ويجعلون شعبَهم يختلف عن الشعوب الأخرى، فالشّعراء يتركون في العالم ضوءاً مشعّاً متعدّد الألوان، يجعلون الرّجال يجتمعون ويتوحّدون رغم تباين أجناسهم وثقافتهم، والخلافات الإيد يولوجية، والسياسية، والمشاحنات والمشاكسات التي قد تنشب بينهم، وقد تصل حدّ الحروب والمواجهة. فكلّ شاعر من هؤلا ء بغضّ النظر عن الزّمن الذي يولد فيه، يصبح بمثابة «معزف» كوني متعدّد الأوتار، وإن اختلفت أنغامه فهو يعزف لحناً واحداً يعظمه كل موجود حيّ في أيٍّ صقع من أصقاع العالم»، وتضيف الناقدة: «وعليه فإنّ فقدان أيّ شاعر لدى أيّ أمة هو حدث تراجيدي يمسّ الإنسانية جمعاء وليس رقعته الجغرافية وحسب، هذا على الرّغم من وجود شعراء آخرين كبار، وأمّا إذا اغتيل شاعر فانّ الشعور بالمأساة يتفاقم ويزيد ويكون أفدح».
كتب لوركا يقول:
خليلي أريد أن أموت بريئاً على سريري
الفولاذي إذا أمكن، ذي الملاءات الهولندية
ولم تتحقق له هذه الأمنية فقد لوركا مقتولاً برصاص أعداء الشّعر، وأعداء الحياة. ولد في الخامس من شهر حزيران/يونيو من عام 1898، واغتيل عام 1936.

بعد أكثر من ثمانين عاما على رحيله : 200 مثقف إسباني يطالبون بمنح لوركا جائزة نوبل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية