بغداد – «القدس العربي»: منذ أكثر من سبعة أشهر، شهدت التظاهرات العراقية تحولات عديدة، بدءاً من انطلاقها في مدينة البصرة (550 كم جنوب بغداد) وتبني التيار العلماني عراقياً لها وصولاً إلى تحولات في التوجهات الفكرية والايديولوجية.
بدأت التظاهرات بحشود كبيرة من المواطنين البعيدين عن التحزب والانتماء، خصوصا الأحزاب الدينية التي كانت بعيدة، بل رافضة، للتظاهرات، حتى وصل الحد ببعض الأحزاب للتنكيل بالمتظاهرين ووصفهم بأنهم ضد الإسلام ويدعون للانحلال والفجور كما جاء في بعض تصريحات شيوخ حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى.
وتيرة هذه التظاهرات لم تكن على مستوى واحد طوال الشهور الماضية، فبعد انطلاقها في مدينة البصرة، ومن ثمَّ مدينة الناصرية، وتلقف مدنيي بغداد لها، ابتعد الكثير من المتظاهرين عن ساحات التظاهر في مدينة البصرة، خصوصاً بعدما دخلت بعض الأحزاب الإسلامية للأخذ بثأرها من المحافظ ماجد النصراوي، المنتمي للمجلس الإسلامي الأعلى بقيادة عمار الحكيم. الأمر نفسه حدث في مدينة الناصرية التي وصل الأمر بمكتب حزب الدعوة فيها قبل أسبوعين لضرب المتظاهرين بالهراوات وبالأيدي ورفع السلاح بوجوههم، حسب ما أكد ذلك لنا شهود عيان عانوا من ضمن الذين ضربوا أو استددعتهم الشرطة للتحقيق معهم.
بغداد بقيت بعيدة عن هذه التأثيرات، وبقيت تظاهراتها متواصلة، يقل حضور المتظاهرين قليلاً ويزيد في بعض الأحيان، غير أن يوم الجمعة وساحة التحرير أصبحا ماركتين مسجلتين لمدينة بغداد. كان ذلك حتى قبل شهرين تقريباً، حتى لقاء عدد من (المدنيين) وعلى رأسهم جاسم الحلفي وأحمد عبد الحسين وغيرهما بالسيد مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، ما أدى إلى ابتعاد الكثير من المتظاهرين عن ساحات التظاهر خوفاً من ربطهم بمن حضر الاجتماع وبالأجندات التي ربما ستنفذ بتخطيط إسلامي وتنفيذ مدني!
هذا اللقاء، على الرغم من أهميته، إلا أنه لم يكن مؤثراً على ارتداد الشارع العراقي وانقسامه إلى فريقين متناقضين في كل شيء، كما حدث مع إعلان مقتدى الصدر انضمامه للمتظاهرين في ساحة التحرير للمطالبة بمحاكمة الفاسدين وتغيير الحكومة العراقية من حكومة محاصصة إلى تكنوقراط. غير أن الغريب في الأمر، وهو ما دفع الكثير من المتظاهرين والمتابعين للابتعاد عن الساحة، أن التيار الصدر له يد طولى في الحكومة هذه، حكومة المحاصصة، فلديه أربعون نائباً في البرلمان تحت لواء كتلة الأحرار، ومن ثمَّ تحت يده ست وزارات ووكلاء وزراء في وزارات أخرى، فضلاً عن عشرات المدراء العامين، بمعنى أن هذا التيار لوحده بإمكانه أن يغير من موازين الحكومة. وبناء على ذلك، يرى بعض المراقبين أن على الصدريين أن لا يتضايقوا إن قلنا إنهم جزء من الحال التي تستدعي الانتقاد والاحتجاج في عراق اليوم. بغض النظر عن نسبة مساهمتهم، وعن النوايا الطيبة، ومدى مطابقة واقع الحال لعمل التيار الصدري، مع تعليمات وتوجيهات زعيم التيار.
المشاركة الفاعلة في التظاهرات منذ ثلاثة أسابيع بين التيار الصدر والمدنيين أدت إلى نشوب خلاف كبير في مواقع التواصل الاجتماعي من جهة، وإلى تغير وجهات نظر بعض العلمانيين بالنظر لفكرة الوصول مع اتفاق مع الإسلاميين. فعلى سبيل المثال، أثار بوست للباحث الدكتور فالح عبد الجبار، أشار فيه إلى أن من يدعو لحكومة تكنوقراط هو علماني سيان إن كانت على رأسه قبعة أو عمامة أو برنيطة أو كان حاسر الرأس، على إعتبار أن العلمانية فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية على مبدأ الاختصاص السياسي، المدني لديه آراء دينية والفقيه لديه آراء سياسية بالقضايا. ويسرد عبد الجبار- وهو المفكر اليساري والشيوعي المعروف- في دفاعه عن مقتدى الصدر حالات كثيرة لمتدينيين كانوا علمانيين في توجهاتهم، أمثال الاسقف ديزموند توتو الذي قاد حركة إلغاء الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والقس مارتن لوثر كنغ الذي قاد حركة الحقوق المدنية، ومارتن لوثر مؤسس البروتستانتية هو أبو العلمانية الحديثة، على حدِّ قول عبد الجبار، فالعلماني لديه قد يكون متديناً وقد لا يكون، مهمته إرجاع منابع السلطة إلى المجتمع لا الآلهة أو إنزالها إلى الأرض لا رفعها إلى السماء.
كلام عبد الجبار هذا كان مثار سعادة لدى البعض، وسخط لدى الكثير، منهم الكاتب أزهر جرجيس الذي رد قائلاً: «في كلامك السابق حول جدلية العلمانية وحديث اجتماع العلماني مع الديني ذكرتَ الأسقف ديزموند توتو ومارتن لوثر، فسألتك هل كانا قاتلَين ومتورّطين في دماء الأبرياء؟ لم تجبني، والآن تنتخب لما يؤيد رأيك ثانيةً رجالَ دين مفكرين لا ناقة لهم بشغل العصابات ولا جمل! توسيع صفوف العلمانيّة يا أستاذي العزيز لا يعني تسمينها برجال دين راديكاليين «جداً» وتخويلهم فصل الدين عن إدارة الدولة.
في حين تحدث خليل ياسين مبيناً أن أكثر من 1400 عام ونحن نعيش تحت سقف الحاكمية نفسها، تتغير الوجوه ويتغير شكل العمائم وألقاب خلفاء الله على الأرض حتى بلغنا الآن الدرك الاسفل. شعوب تهيم في شتات الأرض وقد شبعت أسماك البحار من أجسادها، لكننا ما زلنا ننظر لإمكانية العيش مع الذئب المتنكر بعمامة، كما نظرنا للفكر الشيعي الاشتراكي المقاوم، لينتهي بالتهامه للعراق، ويحوله لبلد تتحكم فيه الميليشيات التي ستنحر بعضها عما قريب لتحرق في طريقها الأخضر واليابس.
من جانبه يرى الكاتب ماجد الأمين أن الدكتور عبد الجبار ما زال في منطقة التنظير الخطأ، فالعلمانية لا تعني الديمقراطية، ومن ذكرهم من رجال الدين القدماء طلبوا العدالة ولم يروج أحد لهم بأنهم طلبوا فصل الإسلام عن الحكم والدولة كما هو في الغرب عدا السيد محمد حسن الأمين وعدد لا بأس به من رجال الدين الشيعه تحديداً.
مضيفاً أن الدكتور يتبرع بالمساهمة في الإرباك العراقي عبر فرض محاولة فكرة علمانية السيد مقتدى الصدر وكأنه يقول إنه علماني (وإن لم ينتمِ). جدله هذا يذكرنا بأيام المنظومه الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي العظيم عندما كان يطلق تسمية «الديمقراطية الثورية» على أنظمة الحكم الديكتاتورية في دول العالم الثالث.
الرأي نفسه يقر به الناقد والفنان كريم النجار، إذ يرى أن أكبر جائزة تمنح لمقتدى، هي شهادة تبرير علماني لتاريخ ميليشياوي مليء بالعنف منذ بواكيره الأولى، والشق المجتمعي على أسس مذهبية ودينية، لا علاقة لها بدولة المؤسسات التي يعمل على هدمها بشتى الوسائل، ومنها احتجاز مواطنين مؤيدين أو مخالفين ومحاكمتهم خارج أطر القانون.. هذه الدعوة التجميلية أراها أقرب للدعوات التي خرجت علينا أواسط السبعينيات، على اعتبار الوصول إلى الاشتراكية ليس بالضرورة المرور عبر مرحلة الرأسمالية. سيطرة رجل الدين على مقاليد الدولة، سينسف حتى (الدستور) الذي اجتمعت حوله الأحزاب الدينية والمدنية، وبالنتيجة سيؤدي هذا الاستيلاء نحو بناء الدولة الدينية المتكاملة الأطر الشرعية.
ويعود الكاتب عزيز الدفاعي إلى السبعينيات أيضاً، لكنه يتمنى أن لا نقع تحت وطأة ليِّ الحقائق لتبرير المواقف الراهنة مثلما جرى في السبعينيات خلال ما عرف بالجبهة الوطنية حين وصف حزب البعث بأنه ثوري أو نسيان خذلان المرجع الحكيم لمشروع الزعيم، ليس الاستثناء دليلاً على موقف عام للمؤسسة الدينية من الدولة المدنية، فكلنا يعرف طبيعة هذا الفكر ولجوءه هو للتكنيك البراغماتي في تحالفاته عبر تجارب مخيبة للآمال.
ويؤكد أن علينا هنا أن نقرأ السيرة الذاتية والوعي لدى المعمم وأتباعه حتى ضمن تشكيلة القوى الدينية قبل أن نقوم بتلميع الصور وتقديم تبريرات عن نسخ أخرى في دول وظرف تاريخي مغاير له معطياته وظروفه.
وبرؤية مغايرة، يبيّن الروائي أحمد سعداوي الصورة من خلال قراءته لوضع الحراك المدني عموماً، مفيداً أنه منذ سبعة أشهر أو أكثر يتظاهر أفراد اصطلح على تسميتهم بـ»المدنيين» وهو على ما يبدو عنوان حركي وليس ايديولوجيا، ويرفعون مطاليب خاصة بالإصلاح والتغيير. وبغض النظر عن وجهات نظرنا المتقاطعة حول قيمة ما عمله هؤلاء الأفراد في بغداد والمحافظات، والجدوى من التظاهر، ومنسوب «اليأس الواقعي» الذي يرتفع أو ينخفض عند هذا الشخص أو ذاك، أو تشكيكنا المبني على حقائق أو افتراضات واتهامات لهذا الشخص أو ذاك بين المتظاهرين فإنهم ما زالوا مصرين على التظاهر، ولا يبدو أنهم سيتوقفون عمّا قريب.
يؤكد المقربون أن تحرك الصدريين هذا يأتي في سياق الصراع الداخلي في «البيت الشيعي» بين الصدريين والدعوة والمجلس تحديداً.
ولكن، هل المطلوب أن يتحالف هؤلاء الثلاثة ضدّنا؟ أن يستمروا في إدارة ماكنة الفساد والخراب، أم نرحّب بـ»الإعلان» الذي يقدّمه طرف من هذه الأطراف عن نوايا التغيير والإصلاح؟!
ويضيف: لم يقدّم الصدريون حتى الآن «وقائع» تدل على انفصالهم عن المشهد السياسي المليء بالأزمات والمشاكل، والتي دفعت المتظاهرين أصلاً للخروج ضدها. ولكن، هل المطلوب أن نشنّع عليهم، أم نشجّعهم على أن يكونوا جزءاً من حركة الإصلاح والتغيير، خصوصاً مع قوتهم المؤثرة في المشهد السياسي والاجتماعي والبيروقراطي للدولة؟ ننادي بإصلاح الدولة وحين يأتي الإسلامي [وهم بكل تلاوينهم يمثلون واقع الحال السياسي اليوم] ويقول نعم أنا أؤيد هذا المطلب وأريد الإصلاح نهجوه وننتقده لأنه إسلامي ونحن علمانيون.
ويتساءل: هل هو صراع آيديولوجي هنا، أم صراع مع الفساد والمفسدين، وهل علمانيو العملية السياسية كانوا من أصحاب الأيادي البيضاء؟ هل نكذب صاحب الدعوى ابتداءً أم ننتظر مصاديق ما يقول على الأرض من أفعال وقرارات؟ وإذا كذّبنا الجميع، فمن الذي سيحرك «العتلة» يا ترى؟
ويستمر قائلاً: إن الصدريين ألزموا أنفسهم بتأييد شعارات الإصلاح، والمدنيون غير ملزمين بأي ارتجالات تخرج عن إطار المطالب المدنية، الهدف هو التغيير والإصلاح، وأياً كانت الأطراف المؤمنة به، فالمهم في النهاية هي الأفعال لا الأقوال والشعارات.
على مدى أكثر من سبعة أشهر، ما زالت التظاهرات مستمرة، وما زالت وعود رئيس الوزارء العراقي حيدر العبادي مجرد تصريحات رنانة في الفضائيات ووسائل الإعلام. غير أن المشكلة الأكبر في رأي أغلب المتابعين هي في عدم خروج العبادي من شرنقة الحزب الواحد، وتمسكه بحزب الدعوة الذي يفرض عليه سياسات يجب أن لا تبتعد عن منهجه. فهل سيشق العبادي صفوف حزب الدعوة الإسلامية الحاكم في إعلان إصلاحات حقيقية؟ سيبقى هذا السؤال مفتوحاً ما دام الفاسدون يديرون مفاصل الدولة التي توشك على الانهيار!
صفاء ذياب