تونس ـ «القدس العربي»: تعيش العلاقات التونسية الليبية حالة من التأزم ذكرت الكثيرين بما عاشه البلدان أواخر عهد بورقيبة من خلافات مع النظام ومعمر القذافي. حيث صرح وزير الإعلام في حكومة طبرق الليبية عمر القويري بما مفاده أنه يدعو إلى حرق الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي كما أنه دعا مصر والسعودية والإمارات إلى التدخل العسكري في تونس وأن الليبيين المتواجدين في تونس يعيشون «بحر مالهم» وأن لا أحد يمن عليهم، رغم أن القاصي والداني يدركون بأن الليبيين في تونس، والذين يقارب تعدادهم من المليون شخص، شأنهم شأن أشقائهم من أبناء الخضراء يقبلون على المواد الإستهلاكية المدعمة من الدولة التونسية ولا أحد اشتكى من تواجدهم أو تذمر من إيوائهم، ويعتبرهم التونسيون من أبناء البلد نظرا للروابط التاريخية التي تجمع بين البلدين.
كما تسود الشارع التونسي حالة من الغضب والإحتقان بسبب احتجاز قوات فجر ليبيا التي تسيطر على طرابلس الغرب لقرابة 172 تونسيا وتتحدث أنباء عن معاملة سيئة يلقاها هؤلاء الذين تم الإفراج عن بعضهم بفعل جهود تبذلها الخارجية التونسية. وقد وصل الغضب ببعض الأطراف في تونس إلى حد المطالبة بغلق الحدود بين البلدين وإيقاف كل الإتصال بما في ذلك سحب الدبلوماسيين التونسيين العاملين في ليبيا وطرد السفير الليبي من تونس خاصة وأن هذا الإحتجاز يتزامن مع أنباء تفيد بإعدام الصحافيين التونسيين المخطوفين في ليبيا نذير سفيان الشورابي ونذير القطاري.
خطاب مخيب للآمال
وفي هذا الإطار يعتبر الشاعر والدبلوماسي التونسي السابق حسين المحنوش أن وراء كل خطاب سياسي فكر وثقافة ولغة تعبر عنه وتحدد معالمه وتسلط الضوء على أخلاق وفكر صاحبه. ومن هذا المنطلق يعتبر المحنوش خطاب وزير الإعلام في حكومة طبرق متشنجا مخيبا للآمال لا يساعد بأي حال على بناء جسور الثقة بين البلدين الشقيقين بل يمثل طعـــنــة غـــادرة ومسيئة للعلاقات الأخوية القائمة بين الشعبين الشقيقين.
ويضيف: «مع أننا نعلم رجاحة عقل الرئيس التونسي الذي لا يهتز لمثل هذه السخافات ولا تنال من هدوئه إلا أنه تجدر الإشارة إلى أننا نقدر صعوبة الأوضاع في ليبيا العزيزة ومن بينها وضع الأخ وزير الإعلام في حكومة طبرق الذي يعيش على وقع ضغوط هائلة لا قبل له بها ولا يقوى على تحملها، فهو مبعد عن عاصمة بلاده مما أثر سلبا على حالته النفسية. ومراعاة لهذه الحالة وحفاظا على علاقات حسن الجوار والمصالح المشتركة نعتبر أن ما جاء على لسان وزير الإعلام الليبي بما في ذلك دعوته للتحالف السعودي العربي إلى ضرب تونس من قبل المستجير بالرمضاء من النار، وندعو الشعب الليبي وطاقاته الحية التي تهمها المصالح العليا للبلدين كما تهمنا أن ترد على هذا الوزير بكل حزم حتى تعيد له رشده».
ويضيف: «أما فيما يتعلق بعملية اختطاف عدد هام من التونسيين أقول أن هؤلاء المخطوفين العزل الأبرياء الذين يقيمون على الأراضي الليبية يخضعون للمعاهدات والقوانين الدولية ومن أهمها اتفاقية الإخاء والتعاون المبرمة بين تونس وليبيا وكذلك القانون الدولي العام واتفاقيات جنيف وأن كل مساس بكرامتهم أو أي تهديد لحياتهم أو إخضاعهم إلى مساومات أو شروط من أي نوع وتحت أي عنوان يعتبر مرفوضا رفضا قاطعا. ولتعلم الجهة الخاطفة أن القانون الدولي يبيح حق المعاملة بالمثل وأن تونس بإمكانها استعمال هذا الحق، لكننا رغم ذلك ندعو إلى التعقل ومعالجة مثل هذه القضايا الشائكة والمعقدة الناتجة عن غياب الدولة في ليبيا بالحكمة والتروي والصبر والحوار الذي نأمل أن يفي لما فيه خير الشعبين الشقيقين».
مرتكزات العلاقة التونسية الليبية
من جهته يعتبر رئيس المرصد الوطني لمقاومة الإرهاب والجريمة المنظمة حاتم اليحياوي البحث عن مدى تأثير التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الإعلام الليبي عمر القويري على العلاقات الليبية – التونسية لا يكون بمنأى عن البحث في مرتكزات هذه العلاقة. حيث تستند العلاقات التونسية الليبية برأيه على مرتكزات متينة وعميقة: تاريخية، جغرافية، اجتماعية وحضارية، زادتها المحن والشدائد صلابة، كما جدد المسار العاصف الذي عرفته «الثورة» الليبية ضد نظام القذافي، لحمة التضامن والتآزر بين الشعبين بعد أن احتضن التونسيون أكثر من 800 ألف لاجئ ليبي، ناهيك عن آلاف اللاجئين من عرب وأجانب، إضافة لآلاف الجرحى الذين تم علاجهم في المصحات التونسية، دون الحديث عن تزويد السوق الليبية بكل ما كانت تحتاجه من منتوجات وبضائع أساسية.
ويضيف: «كما سمحت حكومة الباجي قائد السبسي، بعد الثورة، بمرور السلاح للمعارضين الليبيين عبر الأراضي التونسية، الأمر الذي ساهم في حسم المعركة على الأرض لصالح الطرف المناهض للعقيد القذافي. وكان الرهان في تونس، وربما في ليبيا أيضاً، أن تتجه العلاقات بين البلدين، في ظل نظامين جديدين يتقاسمان الكثير من القيم والرؤى السياسية المشتركة، نحو آفاق جديدة، تقطع مع الأساليب القديمة التي تميزت بالارتجال والفوضى والمحسوبية في التعامل. ورغم محاولات السلطات في البلدين تجاوز الصعوبات والعراقيل التي تقف أمام تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين غير أن رهان العلاقة بين الطرفين قد خيّب آمال قطاع واسع من السياسيين ورجال الأعمال، بل والكثير من عامة الشعب في كلا البلدين».
لقد أصبح الوضع الليبي المنقسم على نفسه اليوم، بحسب اليحياوي، بمثابة المعادلة الصعبة التي تحاول الحكومة التونسية الحالية فك ألغازها. حيث لزمت تونس الحياد حيث لا يمكن إختيار الحياد. فإختيار الدولة التونسية للمنزلة بين المنزلتين تسبب للتونسيين الموجودين في القطر الليبي، مآس وتجعلهم في أوضاع لا يحسدون عليها.
وحيث أن مرد ذلك، هو سعي تونس إلى كسب الفرقاء الليبين في سابقة دبلوماسية فريدة من نوعها، تمثلت في تركيز تمثيل دبلوماسي لدى طرفين متناحرين عسكريا على السلطة. وحيث كانت النتيجة، بعكس ما تمناه صانعو السياسة الخارجية التونسي، إذ أصبح كل طرف من الفرقاء الليبيين يضغط بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية على الدولة التونسية لكسب إعترافها رسميا بها.
ويضيف اليحياوي: «في هذا الإطار تأتي تصريحات الوزير الليبي الذي صب جام غضبه على الدولة التونسية التي لم تعترف بحكومته مثل سائر الحكومات الأخرى ولم تعاد بصفة صريحة خصومة من المؤتمر الوطني الليبي… وجدير بالذكر، أن عمر القويري قد هدد في وقت سابق بمعاقبة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي بعد تصريحاته حول حكومة طبرق. واثارت تصريحات وزير الإعلام الليبي، عمر القويري، تجاه تونس، خاصة تجاه رئيس الجمهورية التونسية، الباجي قائد السبسي، جدلا واسعا في تونس، حيث دعا الكثيرون الحكومة والرئاسة إلى اتخاذ موقف «صارم».
ويضيف بالقول: كان الوزير الليبي قد كتب على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي أن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي سوف يشتعل ويحترق ويكون رمادا». ويذكر أن القويري سبق أن أدلى بتصريحات استفزت الجانب التونسي، أهمها كان في جريدة «آخر خبر» التونسية أن: «حكومة طبرق قد تضطر لفتح سفارة في إمارة الشعانبي وأخرى في قصر قرطاج» في إشارة لرفض حكومته سياسة ازدواجية التمثيل الدبلوماسي التي اتخذتها الحكومة التونسية. وأضاف القويري في الحوار ذاته «أن الليبيين المقيمين في تونس لا يقدم لهم أي شيء مجاني، وهم ينفقون على أنفسهم وبكل كرامة وعزة نفس».
وردّا على الهجوم المتكرر لوزير الإعلام الليبي في الحكومة المؤقتة الليبية على رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، قال الناطق الرسمي باسم الرئاسة معز السيناوي ان القويري شخص غير مسؤول وتونس لا ترد عليه. وأضاف في تصريح للصحف المحلية التونسية ان تونس لا تتعامل إلا مع الحكومة الليبية. كما قال : «لا ننتظر مواقف منه بل ننتظر موقفا من الحكومة الليبية»… وهكذا كانت هذه التصريحات زوبعة في فنجان، لكنها كانت بمثابة ناقوس الخطر بالنسبة للسياسة الخارجية التونسية المتبعة مع الشقيقة ليبيا.
أزمتان
من جانبه اعتبر الناشط السياسي الليبي رئيس حزب الائتلاف الجمهوري عز الدين عقيل في حديثه لـ «القدس العربي» أنه ظهر نوعان من الأزمة بين تونس وليبيا، الأولى بين تونس واحدى الميليشيات التي اختطفت رعايا لها بسبب قيامها بواجباتها كدولة بايقاف مشتبه به للتحقيق معه وكان يجب الا تكون هناك أزمة أصلا بين تونس وليبيا بهذا الخصوص، لو ان تونس اتبعت القواعد الخاصة بالتعامل مع الدول الفاشلة (وهو ما كنت اتمناه شخصيا) .. ويضيف عقيل «ان ضرورات التعامل مع الدولة الفاشلة كانت تقتضي مثلا قيام رجال المباحث التوانسة بإيقاف الشخص المطلوب بصورة سرية تماما وحتى بعيدا عن المطار، بل وإنكار وجوده عند السؤال عنه لحين انتهاء التحقيقات معه، لمنع حدوث ردود أفعال انتقامية تحرج السلطات الليبية الضعيفة أصلا بمواجهة الميليشيات، ولتجنيب الرعايا التوانسة الأبرياء دفع ثمن عن فعل لا ذنب لهم فيه». وأما فيما يخص الأزمة الثانية، فإن محدثنا يتفهم شخصيا ضرورة محافظة تونس على علاقاتها بكل الأطراف الليبية، فالعلاقة بين تونس وليبيا هي علاقة بين الشعبين أكثر منها بين الحكومتين، وما يعرفه الجميع هو ان تونس حافظت خلال حرب شباط/فبراير على علاقتها بالطرفين (المجلس الانتقالي والقذافي معا رغم إنتهاء شرعية القذافي بقرارات دولية ) وقد استفاد الليبيون من ذلك كثيرا. ويزيد من أهمية هذا الموقف ان تونس لم تنكر الشرعية على برلمان طبرق وهو ما أكده الرئيس السبسي أثناء زيارته الجارية لأمريكا».
ويختم محدثنا بالقول: «ما وصلني من معلومات هو ان السلطات المعنية بطرابلس تحرص كل الحرص على ضمان سلامة الرعايا التوانسة وانها تمارس ضغوطا على الطرف المعني لإطلاق سراحهم وقد أكد لي مسؤول هناك ان الأزمة قاربت على الإنتهاء. وهذا ما نأمله وفي أقرب الآجال».
روعة قاسم