منذ إعلان سعد الحريري استقالته قبل عشرة أيام تزايدت التخمينات والأنباء المتضاربة حول الدوافع، وكذا حول المصير الشخصي لرئيس وزراء لبنان. صحيح أن الحريري ظهر أمس لأول مرة في بث متلفز، ومرة أخرى من السعودية، وحاول الشرح بأنه استقال من أجل مصالح لبنان، وأعلن بأنه سيعود قريبا، ولكن تقديم استقالته تسبب منذ الآن بأزمة تتطلب الحل.
قبل سنة، عندما وافق على قبول منصب رئيس الوزراء بعد سنتين من الأزمة الحادة التي شلت مؤسسات الدولة، فعل الحريري ذلك بعد أن وافق حزب الله على الشروط التالية: أولا ـ لا مُنتصر ولا مهزوم في الأزمة التي كانت. ثانيًا ـ لبنان سيحافظ على مسافة عن الأزمات الإقليمية بسبب هشاشة حكمها (والمقصود كان سوريا). وثالثا ـ الانعقاد السريع للجنة التي كانت يفترض أن تبحث في سلاح حزب الله. واضح اليوم أن حزب الله لم يلتزم بتعهداته. فقرر السعوديون إعادة الدولاب إلى الوراء. أجبروا الحريري على الاستقالة وطالبوا بتنفيذ الشروط الثلاثة.
استقالة الحريري، سواء كانت طوعية أم إجبارية، خلقت أزمة من شأنها أن تؤدي إلى مواجهات ليست سياسية فقط. فكل القوى السياسية اللبنانية لا تريد هذه المواجهة، إذ ليس لأي منها القدرة على المواجهة العسكرية مع حزب الله الذي تحسن بعد تجربته في ميدان المعركة السورية. الرئيس اللبناني، ميشيل عون، المقرب من حزب الله، جاء لمساعدته في أنه ادّعى بأن استقالة الحريري ليست دستورية وعليه أن يعود إلى لبنان. ويسمح هذا الموقف لحزب الله بأن ينظم نفسه داخليًا بل وأن يحسن صورته كمن يحمي بلاد الأرز. السعودية ليست مقتنعة بنقاء نوايا حزب الله، بل وأكثر من ذلك بنوايا الرئيس عون، وبرغم ذلك سمحت للوسطاء بمحاولة إيجاد مخرج للأزمة بحيث يلبي مطالبها.
من كل الوسطاء عنصران فاعلان بشكل خاص في لبنان ـ فرنسا ومصر. فقد أطلقت فرنسا إلى لبنان مستشار الرئيس ماكرون لشؤون الشرق الأوسط، ووزير خارجيته إلى السعودية. ويبدأ وزير الخارجية المصري جولة في دول الخليج لتعزيز الفرنسي، وخطتهما بسيطة: الحريري يعود إلى لبنان بضمانات لسلامته، يصل إلى عون ويقدم استقالته. الرئيس يقبل الاستقالة ويطلب منه تشكيل حكومة جديدة. الحريري يوافق ولكنه لا يبدأ عمليا المشاورات لإقامة حكومة جديدة وهكذا يواصل الوقوف على رأس الحكومة الحالية ـ وإن كانت مستقيلة حسب الدستور، حتى الانتخابات العامة في الربيع المقبل. في هذه الأثناء ستضح صورة الصراع العنيد بين السعودية وإيران. ويوفر لبنان أزمة صعبة ويتفرغ الجميع للاستعداد للانتخابات. إذا نجح الوسطاء في إقناع السعوديين بخطتهم من المعقول للعقدة التي أحدثها السعوديون بأنفسهم ستكون في الطريق إلى الحل. والحل ـ مؤقت بالطبع حتى الأزمة التالية.
إسرائيل اليوم ـ 13/11/2017
اسحق لافانون