الرياض ـ «القدس العربي»: تقول المصادر المطلعة في الرياض ان السعوديين فوجئوا بخطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الاسبوع الماضي، والذي ساوى فيه بين تنظيم الدولة ومقاتلي المعارضة السورية، وإعتباره نظام الرئيس الأسد الوحيد الذي يقاتل تنظيم الدولة.
وصدم السعوديون حين استهدفت الضربات الجوية للطائرات الروسية التي بدأت عملياتها العسكرية في سوريا الاربعاء الماضي مواقع لقوات المعارضة السورية مثل جيش الفتح والجيش الحر في ريف ادلب.
وكان السعوديون قد غضوا الطرف وصمتوا على زيادة التواجد الروسي العسكري في سوريا وارسال موسكو لطائراتها هناك، بل يعتقد ان السعودية تفاهمت مع روسيا على زيادة دورها في سوريا من أجل ان تكون موسكو مؤهلة لفرض الحل السياسي للأزمة السورية على النظام هناك. فهل تبدلت مواقف روسيا؟ وهل أغرى موسكو تسليم النظام في دمشق بل حتى استسلامه لأي شيء يريده الروس من مصالح وقواعد ووجود عسكري في سوريا، وجعل الرئيس بوتين يبدو وكانه الوحيد الممسك بالورقة السورية في لعبة المصالح الدولية؟
لاشك ان فشل الرئيس الأمريكي باراك اوباما وإدارته في الامساك بأوراق الأزمات في الشرق الاوسط، لاسيما في سوريا والعراق وحتى ليبيا، هو الذي يعطي الفرص لروسيا ورئيسها فلاديمير بوتين ليتدخل في سوريا سياسيا وعسكريا بهذه الطريقة ليبين انه هو القادر – ربما الوحيد – على التصدي للإرهاب وضرب تنظيم الدولة بمساعدة النظام السوري وجيشه.
وفشل السياسات الامريكية في احتواء حروب وأزمات العالم العربي، هو الذي يجعل موسكو تعود للمنطقة كلاعب دولي أساسي، بل ويجعل الرئيس الروسي يسعى لان يستعيد الدور والنفوذ الدوليين اللذين فقدتهما موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. لذا يبدو من الواضح أن التدخل الروسي يأتي في محاولة روسية لملء الفراغ الذي خلفته سياسة الإدارة الأمريكية الحالية.
والرياض سعت لموسكو، من أجل التفاهم معها على دور روسي في سوريا، حين أرسلت ولي ولي العهد ووزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان إلى روسيا في حزيران/يونيو الماضي، سعت لانها وجدت ان السياسة الامريكية في سوريا أفشل من ان يراهن عليها بانها من الممكن ان تحقق حسما عسكريا لصالح المعارضة السورية، أو حتى تنجح في فرض حل سياسي للأزمة السورية.
ورغم الاختلاف – الذي بدأ – بين موسكو والرياض بشأن مصير الرئيس السوري بشار الأسد ودوره في الحل السياسي المنشود للأزمة السورية، إلا ان موقف الرياض كان متفقا مع الموقف الروسي بقضايا رئيسية:
أولا: على وجود مصلحة مشتركة في محاربة تنظيم الدولة وغيره من تنظيمات الإرهاب. ثانيا: على أهمية الحفاظ على تماسك وبقاء الجيش والدولة في سوريا.
ثالثا: على وجود مرحلة انتقالية لمستقبل الوضع السياسي في سوريا تتشكل فيه حكومة انتقالية من المعارضة والنظام (ويأتي هنا الخلاف حول دور الرئيس الأسد خلال هذه المرحلة).
ومن أجل ذلك لوحظ ان الرياض غضت الطرف وسكتت على زيادة التواجد العسكري الروسي في سوريا.
ولكن ما يبدو – حتى الآن على الاقل – من كلام الرئيس بوتين ومن الغارات الجوية الروسية في سوريا، ان التدخل الروسي يأتي لمصلحة انقاذ الرئيس بشار الأسد ونظامه.
وهذا أمر لاشك يثير غضب السعودية ومعارضتها، فالسعودية لا يمكن ان تقبل باعادة الحياة إلى نظام الرئيس الأسد وترى انتصارا إيرانيا في سوريا.
بوادر الاستياء السعودي من الموقف الروسي (الذي ترى فيه الرياض تبدلا عن تفاهمات تمت خلال لقاء الدوحة الثلاثي الذي جمع وزراء خارجية روسيا والولايات المتحدة والسعودية) بدأت حين طالب مندوب السعودية في الأمم المتحدة، عبدالله المعلمي، بوقف الغارات الروسية على سوريا.
وقال خلال كلمته أمام الجمعية العام للأمم المتحدة الخميس الماضي «ان بعثة السعودية تعرب عن قلقها العميق للعمليات العسكرية التي نفذتها القوات الروسية يوم الأربعاء في حمص وحماة حيث لا يتواجد تنظيم الدولة الإسلامية».
بعد كلمة الرئيس بوتين في الأمم المتحدة رفض وزير الخارجية السعودي عادل الجبير «المبادرات الدبلوماسية لروسيا الداعمة للنظام السوري» وعاود التاكيد على ضرورة رحيل الرئيس الأسد.
وفي مقابلة مع قناة تلفزيونية امريكية أشار الجبير إلى أن التحركات الروسية تجعل من الصعب بشكل أكبر حل الأزمة السورية، معتبرا أن الاستراتيجية الروسية اما أنها تعقد الأزمة أو تقوض القتال ضد تنظيم الدولة.
والاستياء السعودي الأشد جاء بعد ان تبين ان الغارات الروسية الجوية في سوريا استهدفت مواقع لقوات للمعارضة السورية التي تدعمها السعودية مثل الجيش السوري الحر، الأمر الذي جعل وزير الخارجية السعودي يؤكد خلال لقاء تلفزيوني على «الخيار العسكري « بعملية اسقاط الرئيس الأسد وهدد الجبير بالخيار العسكري لرحيل الأسد قائلا «يجب على الرئيس السوري بشار الأسد الرحيل أو أن يواجه خياراً عسكرياً».
وحين سئل الوزير السعودي هل يعني هذا تدخلا عسكريا سعوديا في الحرب الدائرة في سوريا أجاب باقتضاب «بكره بتشوفوا».
هذه التصريحات السعودية الغاضبة والملوحة بالحل العسكري لاسقاط الرئيس الأسد لا تعني ان السعودية ستتدخل مباشرة في الحرب الدائرة في سوريا، ولكن لاشك ان الرياض ستزيد من حجم دعمها العسكري لفصائل المعارضة المقاتلة ضد النظام السوري بشكل يجعلها قادرة على شن هجمات أوسع وأقوى على قوات النظام السوري، وستعمل الرياض بذلك على التنسيق بشكل أكبر مع تركيا التي لها نفوذ واسع في مناطق القتال بشمال سوريا، بالإضافة إلى قطر التي لها نفوذ عند بعض التنظيمات المقاتلة في سوريا.
لذا يتوقع مراقبون ان تشهد الحرب السورية خلال الأسابيع المقبلة تصعيدا كبيرا على الأرض مقابل التصعيد العسكري الروسي في الجو.
ويتوقع محللون عسكريون ان تبدأ قوات المعارضة المحيطة بدمشق خلال الأيام القليلة المقبلة (مثل جيش الإسلام المدعوم سعوديا) بتوسيع هجماتها على العاصمة السورية ومحاولة التقدم نحو بعض ضواحيها لاسيما في المناطق الشرقية والجنوبية.
سليمان نمر