تستيقظ من فراشك فزعاً، تصرخ بحرقة: أريد اليابسة!
ترتدي ثيابك، تمشط شعرك، تنظر بنزق إلى الربطة الأنيقة التي تشعر بها أنشوطة حول عنقك، تشرب فنجاناً من القهوة، تسمع الأخبار، تعدّل مزاجَكَ نسماتُ الصباح الجميل وأغنية فيروز: «سنرجعُ خبَّرني العندليبُ.. غداةَ التقينا على مُنحنى»، فتنطلق إلى الجامعة التي التهمت من عمرك سنوات: تسلّم على أصدقائك، ثم تدخل إلى طلابك، تشرح لهم المحاضرة المقررة، تستمع إلى أسئلتهم القلقة، تتابع بحوثهم المرتبكة، تجلس في مكتبك قليلاً، ثم تعود إلى البيت.
تجلس إلى طعام الغداء، تشرب كأساً من الشاي، تسمع الأخبار، ثمّ تنطلق إلى طاولتك وحاسوبك، تتابع عملك المضني في موسوعة الرواية الفلسطينية، تقرأ، تكتب ملاحظات، تمرُّ عدة ساعات، تشعر بالألم ينخر عظام ظهرك، فترتاح في سريرك، تفتح رواية «السفينة» لجبرا إبراهيم جبرا، يدهمك سطرها الأول: «البحر جسر الخلاص»، تقرأ عدة مقاطع منها، ثم تقوم إلى أسرتك: تلاعب البنتين، تسأل الجميع عن دراستهم، تمتدح طعام العشاء: مكدوس وجبن وزيتون وزيت وزعتر ومربى وشاي بالميريمية، تسمع الأخبار، تعود للحاسوب، تبحث عن عزاء الروح في فضاء أزرق يمتد بعيداً، ثم تغط في نوم عميق.
ترى في ما يرى النائم أطفالاً صغاراً، ورجالاً ونساءً، يركضون مذعورين في شوارع حيفا، تلاحقهم أمواج اللهب من كل مكان، وتدفعهم نحو الشاطئ. تركض مع الراكضين، تشعر مثلهم بالهلع، ترى عائلتك الصغيرة في الزّحام، يصل الجميع إلى الشاطئ حيث تفتح السفينة شدقيها مثل غول، تنظر خلفك: ما تزال أمواج اللهب تماماً مثل أمواج البحر عالية عاتية، وليس ثمة إلا السفينة: هل البحر جسر الخلاص؟ تصعد أسرتك الصغيرة مع حشود العائمين، وتبدأ رحلة المنفى والألم.
ترى في ما يرى النائم أنك ترتجف من البرد، تضربك حبَّات المطر والبرَد بقسوة، يحاصرك البرق والرعد والبرد، تبحث عن أي شيء يدفئ جسمك الجليدي، تنظر في عيون إخوتك، فتراهم يبتسمون، يشجعونك أن تنضم إليهم.. تقترب منهم أكثر، تتوضّأ بالثلج، مثلما يفعلون، فتشعر بدفء يتسرب إلى عروقك.
ترى في ما يرى النائم أنك تأخذ أطفالك إلى ساحة العيد، يشجعونك على الصعود معهم إلى إحدى الألعاب الكهربائية التي تدور بدون توقف، وإذ ذاك تشعر بالفرح الصغير الذي يتحوّل بسرعة إلى خوف، وأنت تريد أن يتوقف هذا الدوران، أن تخرج من هذا المنفى، لتستقرّ على الأرض.
ترى في ما يرى النائم أنك تركب وحيداً في إحدى عربات قطار بعد أن نزل جميع الركاب، والقطار لا يريد أن يتوقف. ترى نفسك في غرفة فندق، حيث لا زبائن ولا أصدقاء، ترى نفسك وحيداً على جسرٍ في مواجهة لوحات مرورية تشير إلى أن السير ممنوع في كل الاتجاهات.
تستيقظ من فراشك فزعاً، تصرخ بحرقة: أريد اليابسة..
يوسف حطّيني