عمان ـ «القدس العربي»: بدأت الحكومة الأردنية بحث خياراتها القانونية في مرحلة ما بعد السماح بمغادرة الحارس الإسرائيلي القاتل في الجريمة التي عرفت باسم السفارة الأردنية في عمان، وبعد ان قررت مستويات المطبخ السياسي ان تصرفات الجانب الإسرائيلي بعد عودة القاتل إلى تل أبيب استفزازية وعدائية.
ولم تعرف بعد أو تحدد تلك الخيارات الممكنة وان كان وزير الخارجية الصفدي وفي مؤتمره الصحافي الثلاثاء الماضي قد تحدث مباشرة عن اصرار الحكومة على محاكمة عادلة في قضية جريمة السفارة الإسرائيلية.
وصنف الأردن الرسمي فورا بعض الخطوات الإسرائيلية بانها عدائية وتسعى إلى تثوير واستفزاز الشارع الأردني.
والحديث هنا عن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي المتعلقة بعدم وجود علاقة بين عودة طاقم السفارة وبين قراره رفع البوابات الالكترونية وعن الاستفزاز الذي نتج عن استقبال نتنياهو للقاتل الحارس بصورة تسيئ لمشاعر الشعب الأردني.
ولا يوجد أفق محدد لما تخطط له عمان بخصوص المتابعة القضائية ولا تصور واضح عن تفاصيل المحاكمة المنصفة الذي تحدث عنها الوزير الصفدي.
لكن الأنباء تتواتر عن الرد على الاستفزازات الإسرائيلية بملفات وخيارات قانونية محتملة من بينها المطالبة بتعويضات لأهالي الضحايا واستثمار بعض النصوص في اتفاقية فينا وبصورة يمكن ان تسمح بمحاكمة القاتل في إسرائيل وهو خيار لا يبدو ان عمان في موقع تستطيع فرضه على تل أبيب.
في الأثناء ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية ان حكومة تل أبيب ستعرض على ذوي القتيل الدكتور بشار الحمارنة تعويضه ماليا لأنه قتل بالخطأ علما أنه صاحب العمارة التي استأجرها الإسرائيليون لإقامة مكاتب سفارتهم.
هدف إسرائيل واضح في رأي مراقبين خبراء من المبادرة لعرض تعويضات على عائلة الحمارنة فقط دون عائلة الشهيد الشاب محمد الجواودة الذي قتله الحارس الإسرائيلي بإصرار.
والهدف هو الاحتياط دون عبور أفكار ومقترحات لمقاضاة إسرائيل من قبل عائلة الحمارنة تحديدا والمطالبة بتعويضات بموجب قوانين دولية أو حتى بموجب قوانين إسرائيلية. وهي خطوة مقترحة عمليا على مستوى آل الحمارنة ووجهة نظر الإسرائيليين بالخصوص تتعلق بان دفع تعويضات لعائلة الحمارنة خطوة مهمة قد تحول دون تشجيع ضحايا الإسرائيليين من الفلسطينيين إلى الاندفاع بحملة مطالبة بتعويضات على طريقة تلك التعويضات التي أرهقت مؤسسة مالية ضخمة مثل البنك العربي في الولايات المتحدة الأمريكية. في كل الأحوال لم يقرر آل الحمارنة بعد موقفهم خصوصا وان ابنهم توفي بعد خمس ساعات من إصابته بعيار إسرائيلي تسبب له بنزف كمية كبيرة من الدماء. والتحقيقات لم تتضح بعد ملابساتها، حيث ان ملف القضية الجرمي والجنائي بين يدي النيابة الآن ولم تشرح السلطات بعد كيفية التصرف مع مفاصل قانونية محددة يتطلبها استكمال عملية التحقيق واغلاق الملف بمدلوله الجنائي قبل تحويله من النيابة إلى محكمة الجنايات عملا بالقانون. الحديث هنا عن غياب القاتل الذي قال الصفدي انه قدم إفادة وغادر وعن عدم استماع النيابة لإكمال ملف التحقيق لأقواله، والحديث أيضا عن سلاح الجريمة حيث لم يعرف بعد ما إذا تم ضبطه عملا بأحكام القانون وكذلك عن مسرح الجريمة التي ينص البروتوكول الجنائي على تمثيله. لا يمكن عمليا إغلاق ملف القضية في بعدها الجنائي والسلطات السياسية حسمت خياراتها مساء الاثنين الماضي عندما سمحت للحارس القاتل بالمغادرة برفقة حراسة أمنية مع بقية أفراد الطاقم الدبلوماسي في السفارة.
وفي الوقت الذي تحدثت فيه سلطات الأمن العام عن الاستماع لأقوال شاهدين هما سائق يرافق القتيل الجواودة وحارس مصري الجنسية يعمل مع سفارة إسرائيل، لم تظهر بصورة مفصلة ملامح إفادة الشاهدين فيما لا يعرف بعد مصير الشاهد السائق الذي تبحث عنه عائلته.
الأردن دخل عمليا فيما يسمى بالعطلة القضائية والتي تبدأ من منتصف شهر تموز/يوليو وتنتهي في الأول من أيلول/سبتمبر وهي فترة لا تفتح فيها المحاكم ولا ملفات القضايا بكل أصنافها وان كانت النيابة تستطيع استكمال إجراءاتها في أي قضية.
لكن ذلك لا يعني وفقا لمراجع حكومية عدم وجود خيارات قانونية، لان مرحلة استكمال التحقيق بمعناه الجنائي في الأردن تعني بداية الواجب الإسرائيلي في المقابل، حيث الجزء الثاني من المادة 31 من اتفاقية جنيف والتي تنص على ان الحصانة الدبلوماسية لا تمنع دولة الموظف الدبلوماسي من محاكمته على الجريمة التي ارتكبها في بلد آخر. الجزء الأول من المادة نفسها ضغط على الأردن بما سمح للحارس القاتل بالمغادرة، حيث لا تستطيع السلطات إلا ان تطلب من مجرم أجنبي ارتكب جرما وبموجب حصانة اتفاقية جنيف إلا المغادرة فقط وفي حال استكمال التحقيق في البلد الذي وقعت فيه الجريمة ينتقل الأمر للفقرة الرابعة من المادة 31 والتي تقول ان الحصانة لا تمنع المحاكمة في بلد الدبلوماسي المخالف.
وتتصور الحكومة الأردنية انها التزمت بالحصة التي تقع ضمن واجبها بخصوص مغادرة الحارس الإسرائيلي، لكن بما ان الضحية أردني والجريمة وقعت في الأردن فعمان تنتظر التزام حكومة إسرائيل بالجزء المتعلق فيها من واجبات نصوص المادة 31 والتي تستند إلى مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
يبدو ان الحكومة الأردنية بصدد تفعيل هذا الخيار، فعندما تستكمل ملف التحقيق سترسل به إلى الجانب الإسرائيلي على أمل ان يخضع الحارس القاتل للمحاكمة في تل أبيب وبموجب القوانين الإسرائيلية وفي حالة عدم حصول ذلك خلافا لما تفترضه سياسيا السلطات الأردنية ثمة خيارات دبلوماسية وقانونية ومسارات يمكن اللجوء إليها لإجبار إسرائيل على محاكمة القاتل وتنفيذ حصة واجبها في السياق وهو أمر مرهون في كل حال بالخيارات الدبلوماسية والسياسية وبميزان القوة الحقيقي.
بسام البدارين