بعد خطة الحرب الأوروبية ـ التركية على الهجرة: هل سيتمكن اللاجئون من الوصول إلى أوروبا؟

حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»:على الرغم من الإعلان الرسمي عن النقاط الأساسية في الخطة الأوروبية ـ التركية للحرب على الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، إلا أن الكثير من التفاصيل الإجرائية التي لم تتضح بعض ستحدد مدى إمكانية استمرار الهجرة عبر الخطوط والطرق القديمة التقليدية. في حين بدأ الحديث مبكراً عن خطوط وطرق بديلة سيلجأ لها المهربون والمهاجرون من أجل مواصلة سعيهم في الوصول إلى القارة العجوز.
وخلال القمة الأوروبية التركية الأولى التي انعقدت في العاصمة البلجيكية بروكسل، يوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، اتفق الجانبان على خطة عمل تتضمن جملة من القرارات، أبرزها تطبيق إعادة قبول المهاجرين بين تركيا ودول الاتحاد في حزيران/يونيو 2016.
وفي القمة الثانية التي عقدت قبل أيام في بروكسل اقترح رئيس الوزراء التركي أحمد داود على القادة الأوروبيين «إلغاء التأشيرة المفروضة على مواطنيه اعتبارًا من حزيران/يونيو المقبل، وتقديم 3 مليارات يورو إضافية، لصالح اللاجئين السوريين (علاوة على ثلاثة مليارات مماثلة مقررة سابقًا) واستقبال الاتحاد لاجئا واحدا من تركيا، مقابل كل مهاجر غير قانوني يعاد إليها من دول الاتحاد». 
وفي إطار البنود الرئيسية المعلنة، تبرز عدة تساؤلات هامة أبرزها، هل ستشمل اتفاقية إعادة القبول اللاجئين السوريين أم لا؟ وهل سيتم إعادة اللاجئين الموجودين حالياً في الجزر اليونانية؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتمكن سفن الناتو التي بدأت الانتشار في بحر إيجه من مراقبة ومنع جميع سفن الهجرة التي تنطلق من السواحل التركية باتجاه الجزر اليونانية؟ والأهم: هل سيتمكن المهربون والمهاجرون من التحايل على الخطة وابتداع طرق جديدة تقودهم إلى هدفهم المنشود في الوصول إلى أوروبا؟

اتفاقية إعادة القبول

تركيا ومنذ بداية الحديث عن اتفاقية «إعادة القبول» أكدت على لسان كبار مسؤوليها أن هذه الاتفاقية لا تشمل اللاجئين السوريين. وتوقع مراقبون أن المهاجر الذي ستعيده أوروبا لتركيا سيكون على الأغلب من الدول غير المصنفة في الاتحاد على أنها مناطق غير آمنة ولا سيما دول المغرب العربي.
وعلى الرغم من إعلان السفير التركي في باريس «حقي عقل» الأربعاء، أنه لا يمكن تطبيق اتفاقية «قبول إعادة المهاجرين» بين تركيا والاتحاد الأوروبي، ما لم تلغ تأشيرة الدخول المفروضة على المواطنين الأتراك من دول الاتحاد، إلا أن عمليتي إرجاع للاجئين حصلت بين تركيا واليونان خلال الأيام الماضية.
فالخميس، أعادت السلطات اليونانية، عدداً من المهاجرين غير القانونيين، من جنسيات مختلفة، إلى تركيا، حيث تم تسليمهم وفقاً لاتفاقية «إعادة القبول» حسب البيان التركي الرسمي الذي أوضح أن أغلبهم يحملون جنسيات أفغانية، ومغربية وباكستانية، وسبق ذلك استقبال تركيا من اليونان قرابة 300 لاجئ أغلبهم من جنسيات جزائرية ومغربية وتونسية.
وتواجه اتفاقية إعادة القبول التي سيقرها الاتحاد خلال قمته المقبلة في الثامن عشر من الشهر الجاري انتقادات حقوقية ودولية واسعة، وهو ما أعرب عنه مفوض الأمم المتحدة الأعلى لحقوق الإنسان الذي أعتبر عمليات الترحيل الجماعية للمهاجرين الواردة في مشروع الاتفاق بين أنقرة والاتحاد الأوروبي وإعادتهم إلى تركيا، بأنها «غير شرعية» وقال: «تثير قلقا شديدا. أنا قلق خصوصا إزاء احتمال الترحيل الجماعي والتعسفي الذي يعتبر غير شرعي».

الجزر اليونانية

الوزير التركي المكلف الشؤون الأوروبية فولكان بوزكير، قال الخميس، إن بلاده لن تعيد المهاجرين المتواجدين في الجزر اليونانية إلى أراضيها في إطار الاتفاق مع أوروبا، موضحاً أن «الاقتراح الذي قدمته تركيا لا يشمل المهاجرين المتواجدين في الجزر اليونانية» وأن مجمل من سيشملهم قرار الإعادة يقدرون «بعشرات الآلاف» وليس بـ»الملايين».
وفي قرار يعتبر الأصعب على طالبي الهجرة، أعلن الوزير اليوناني لشؤون الهجرة «يانيس موزالاس» الخميس، أن بلاده تعتبر تركيا «بلداً ثالثاً آمناً» فاتحاً بذلك طريقاً شرعياً لإعادة طالبي اللجوء إلى هذا البلد المجاور، تنفيذاً لخطة الاتحاد الأوروبي وتركيا.
ونقل عن الوزير قوله: «في إطار أن تركيا تستقبل أصلاً 2،5 مليون لاجئ، وبما أن الاتحاد الأوروبي والمفوضية العليا للاجئين يتدخلان هناك لمراقبة المخيمات واحترام حقوق الإنسان، فإن تركيا هي في الواقع بلد آمن».
وبموجب القانون الدولي، فإن اليونان قادرة على اتخاذ هذا القرار الأحادي «ولكن عملياً يجب أن تتعاون تركيا» بقبولها استعادة طالبي اللجوء، الذين انطلقوا من أراضيها، في حين قال المفوض الأوروبي لشوؤن الهجرة ديمتريس افراموبولوس، خلال مؤتمر صحافي في بروكسل، إن «وصف تركيا بالبلد الآمن هو قرار أوروبي، ولكن يجب أن تكون هناك توضيحات إضافية». بينما أكد قانونيون يونانيون، على أن الحكومة ليست ملزمة برفع هذا القرار إلى البرلمان للموافقة عليه.
وما زالت قوارب الهجرة الصغيرة تنطلق يومياً من السواحل التركية إلى الجزر اليونانية، فبعد مصرع 24 مهاجراً قبل أيام في بحر إيجه، لقي، الخميس، خمسة أشخاص بينهم طفلة رضيعة، مصرعهم نتيجة غرق قارب يقل مهاجرين غير شرعيين، في بحر إيجة بالقرب من السواحل التركية.

إغلاق طريق البلقان

بعد تصريح رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، الاثنين الماضي، حول «إغلاق حدود دول البلقان في وجه اللاجئين» جاء الإجراء الفعلي الأقوى من قبل سلوفينيا التي قررت حكومتها اشتراط حيازة الراغبين في الدخول إلى أراضيها، لتأشيرة دخول أوروبية، الأمر الذي يعني منع آلاف اللاجئين العالقين في مخيم إدومني في اليونان من إكمال طريقهم لأوروبا.
وحسب وكالة «الأناضول» اقترب عدد اللاجئين في مخيم إدومني من 15 ألفا، وقال بابار بالوج، المنسق الأممي لشؤون اللاجئين في المخيم، أنّ الأوضاع السائدة في المخيم لم تتحسن، بل تتراجع نحو الأسوأ مع مرور الزمن، معتبراً أن إغلاق الحدود لن يكون حلاً لأزمة اللاجئين.
وتطرق بالوج إلى قرار سلوفينيا الأخير، الذي طالبت فيه اللاجئين بالحصول على تأشيرة دخول أوروبية، كي تسمح لهم بدخول أراضيها، قائلاً: «علينا أن ندرك أنّ هؤلاء لاجئون وليسوا سائحين، فهؤلاء يتوجهون إلى القارة الأوروبية، استناداً إلى قانون الحماية الدولية، وعلى الدول الأوروبية تحمل مسؤولياتها تجاه اللاجئين، وفق القوانين الدولية في هذا الخصوص».
وتغلق السلطات الصربية منذ أيام حدودها مع مقدونيا، إذ أعلنت الداخلية الصربية، الثلاثاء الماضي، أنها ستفرض تأشيرة دخول إلى أراضيها على اللاجئين والمهاجرين القادمين من الحدود البلغارية والمقدونية، لافتة إلى أنها ستحذو بهذه الخطوة حذو سلوفينا، وقال رئيس الوزراء الصربي، ألكسندر فوتشيتش، تعليقاً على أزمة اللاجئين، إنّهم لن يسمحوا بأن تكون صربياً مرتعاً للاجئين، وإنهم سيعاملون من تبقى من اللاجئين داخل أراضي صربيا، معاملة إنسانية لائقة.
من جانب آخر أعلن وزير الدفاع البلغاري، نيكولاي نينجيف، زيادة التدابير الأمنية على حدودها، توخياً لحدوث موجه لجوء تجاه أراضيها، بعد إعلان دول البلقان، إغلاق حدودهم بوجه اللاجئين، موضحاً أن بلاده تستعد لإرسال قوات عسكرية إلى المناطق المتاخمة لإدومني اليونانية، وأنّ هذه القوات ستكون مسلحة، لكنها لن تستخدم السلاح إلا في حالات الضرورة القصوى 
من جهتها أعلنت الحكومة المجرية، المعروفة بمواقفها المناهضة لاستقبال اللاجئين منذ اليوم الأول من تدفقهم، رفع مستوى التدابير الأمنية في المناطق الحدودية، نتيجة تفاقم أزمة اللاجئين التي اعتبرتها بمثابة أزمة حقيقية في البلاد. وقال وزير الداخلية المجري، ساندرو بينتر، أنّ حكومة بلاده ستعزز وجود الجيش والشرطة في المناطق الحدودية، وإنها ستتخذ كافة الإجراءات اللازمة للحيلولة دون وصول اللاجئين إلى أراضيها.
وعلى غرار المجر، بدأت الحكومة النمساوية بمد أسلاك شائكة على عدد من معابرها الحدودية.

(ألبانيا ـ الأدرياتيكي) الطريق البديل المحتمل

ومن غير المعروف مدى قدرة الإجراءات الجديدة على القضاء بشكل تام على طرق الهجرة التقليدية، لكن المخاوف تتزايد من لجوء المهربين واللاجئين لطرق جديدة تمكنهم من الوصول إلى أوروبا وتجاوز الإجراءات الجديدة.
أول هذه الطرق التي بدأ الحديث عنها هو طريق «ألبانيا ـ الأدرياتيكي» الذي ربما يلجأ إليه المهاجرون في الوصول أوروبا عبر إيطاليا من خلال سواحل الأدرياتيكي انطلاقاً من ألبانيا. لكن وزير الداخلية الإيطالي أنجلينو ألفانو، قال إنه لا يوجد ما يدل على تدفق هائل للمهاجرين عبر هذا الطريق بعد، مشيراً إلى أن التعاون مع تركيا يهدف للحيلولة دون ذلك.
ونقل التلفزيون الحكومي الإيطالي عن ألفانو، الخميس، قوله: «حتى الآن ليس لدينا أي دليل على تدفق هائل للمهاجرين من ألبانيا عبر البحر الأدرياتيكي نحو سواحلنا»، مضيفاً: «لقد اعتدنا على تقديم تنبؤات ولكن أيضا مراقبة الواقع والمنطق يوحي أنه مع إغلاق طريق البلقان فإن طريق البحر سوف يفتح بدلاً عنه وهذا لم يتم حتى اللحظة». وقال: «كل ما قمنا به من جهد بالتعاون مع تركيا في الأيام الماضية يهدف بدقة لتجنب فتح الطريق إلى شمال أوروبا من ألبانيا مروراً عبر إيطاليا، بدلاً من اللجوء إلى السبيل البري من خلال مقدونيا وصربيا وكرواتيا وسلوفينيا والنمسا»، مستدركاً: «نحن ننسق مع ألبانيا على هذا الصعيد على مستوى رئاسة الحكومة ووزارتي الداخلية في البلدين».

مهاجرون: سنصل بطرق أخرى

وبينما عبر لاجئون متواجدون في تركيا عن إحباطهم من القرارات الأوروبية التركية الأخيرة، رأى آخرون أن لا شيء يمنعهم من مواصلة طريقهم إلى أوروبا وأنهم سيبحثون في طرق جديدة من أجل الوصول إلى هدفهم المنشود، معتبرين أنه «لا يوجد شيء نخسره».
وأكد آخرون أن طريقهم في الأصل غير شرعي والقرارات القانونية لا تغير في قراراهم ووضعهم بشيء، بينما قال البعض إنهم سيعملون على استصدار وثائق مزورة تتطابق مع الشروط القانونية الجديدة ومواصلة طريقهم لليونان للجوء إلى أوروبا.
ويتوقع مراقبون أن تنشط خلال الفترة المقبلة مساعي الهجرة من خلال طريق ليبيا ـ إيطاليا حيث تتركز عمليات المراقبة العسكرية في بحر إيجه في الفترة الأخيرة، كما ستنشط الهجرة عبر طريق تركيا ـ ليبيا وهو الطريق الذي كان نادراً ما يستخدم خلال الفترة الماضية لطوله وارتفاع سعره، وبسبب قرب الجزر اليونانية.
كما يتحدث البعض عن الرحلة البرية عبر الحدود مع بلغاريا والرحلة البحرية إلى أوكرانيا شرق البلقان عن طريق البحر الأسود، ومن غير المعروف مدى جدوى هذه الطرق وقدرتها على تجاوز الإجراءات والقوانين الأوروبية الجديدة.

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية