لندن ـ «القدس العربي»: مع انتهاء إدارة برشلونة من الحصول على 90 في المئة من أهداف المدرب ارنستو فالفيردي الصيفية، بدأ عشاق النادي يتساءلون. هل سيستفيد الفريق من الصفقات الجديدة؟ هل الاختيارات موفقة؟ ترى كان في الإمكان أفضل مما كان؟ وغيرها من التساؤلات التي لن يُجيب عليها إلا الرباعي الجديد على أرض الملعب، ومدى قدرة كل لاعب على التكيف والانسجام سريعًا مع أفكار المدرب وأجواء البرسا بوجه عام، ليحدث التطور الذي يبحث عنه الجميع في «كامب نو» منذ عام 2015، لوقف هيمنة العدو الأزلي ريال مدريد على الأميرة الأوروبية «كأس دوري الأبطال» 4 مرات في آخر 5 سنوات.
ارتفاع سقف الطموح
صحيح لا خلاف أبدًا على أن الريال سيبقى حكاية تتوارثها الأجيال حتى يرث الله الأرض وما عليها، لكن دعونا نتفق، أن ميزان القوى بينه وبين برشلونة في الوقت الراهن، إن لم يكن اختل، فعلى الأقل تعرض لهزة عنيفة، بفقدان السلاح الرادع كريستيانو رونالدو، أمام منافس متسلح بقوى غاشمة متمثلة في ليو ميسي، وكأنك تُشاهد صراعا بين فريق السعادة بقيادة مُلهم جيل الثمانينات والتسعينات الكابتن ماجد وبين فريق الفرح بدون صاحب ضربة النمر الكابتن بسام! لذلك ارتفع سقف طموح جماهير البرسا أكثر من أي وقت مضى، لكسر ظهر الغريم العاصمي أطول فترة ممكنة في فترة الإحلال والتجديد، التي يعمل عليها جولين لوبيتيغي، لبناء فريق قادر على الاحتفاظ بهيبة الملكي بعد رونالدو. هذا من جانب، ومن جانب آخر، تحقيق الهدف الأهم لُجل المُشجعين في مختلف أنحاء العالم، وهو تقليص عدد الألقاب القارية مع الريال، خصوصًا كأس دوري أبطال أوروبا.
الليغا في الجيب
إن سألت أكثر مدريدي متفائل على سطح الأرض عن توقعه لبطل الليغا في الموسم الجديد، لن تتفاجأ بمقدمة طويلة عريضة لشرح أسباب يُمكن في النهاية أن تُرجح كفة فريقه بصعوبة بالغة، أما المشجع الواقعي، فيعرف ويُدرك جيدًا أن المهمة هذا الموسم تُعّد واحدة من مغامرات توم كروز في سلسلة Mission: Impossible، وذلك لصعوبة وصول لوبيتيغي للتوليفة السحرية في يوم وليلة، والواقع يقول أنه في مرحلة بناء مشروعه الجديد، عكس المنافس، الذي ينعم بالاستقرار الفني والإداري للعام الثاني على التوالي، وقبل أي شيء كما ذكرنا، يحتفظ بأهم لاعب في تاريخه، لذلك على الورق، تبدو فرص برشلونة في الاحتفاظ بلقب الدوري الإسباني للمرة الثانية على التوالي، أوفر حظًا من منافسه المباشر، وهذا تقريبًا أقل شيء تنتظره جماهير البرسا من الفريق، بالإضافة للقب المحلي الآخر كأس ملك إسبانيا، كحد أدنى للحُكم على نجاح موسم فالفيردي وكتيبته، وبدون مبالغة، البعض من مشجعي البرسا، قد يقفز من الفرحة إذا خرج من الموسم الجديد بالدوري والكأس، كيف لا واللقب الأول الفريق شبه مُحتكره منذ التسعينات حتى وقتنا هذا، بالاستحواذ عليه 15 مرة في 28 عامًا، أكثر من عدد ألقاب الدوري التي حققها البلوز غرانا قبل عام 1990 (10 مرات)، ناهيك عن التفوق الكاسح على كل المنافسين بدون استثناء في عدد مرات الفوز بالكأس، 30 مرة مقابل 23 لأقرب مطارد أتليتك بلباو ثم الريال بـ19 مرة.
يُمكن القول أن الخطة التي وضعها رائد نهضة برشلونة الحديثة الراحل يوهان كرويف، نجحت نجاحا ساحقا، بتقليل الفجوة الهائلة بين عدد بطولات برشلونة والريال المحلية، خصوصًا على مستوى لقب الدوري، والدليل على ذلك، أنه بعد اتساع فارق الألقاب لمصلحة الميرينغي بأكثر من 15 لقب دوري في أواخر الثمانينات، تقلص الفارق الآن لثمانية فقط. أما المعضلة الحقيقية فتكمن في لغز الكأس ذات الأذنين، بعد اتساع الفجوة من جديد لثمانية ألقاب، بفضل ثلاثية زيدان ورونالدو الأخيرة، لذلك، لا شيء يؤرق المشجع الكاتلوني الحقيقي أكثر من تفوق المشجع اللدود عليه في المجد الأوروبية. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن، هل جيل برشلونة الحالي بقيادة ميسي وهو في ذروة مسيرته كلاعب ومعه الرباعي الجديد قادر على تحقيق أحلام وتطلعات الجماهير التي تنتظر الثلاثية (الدوري، الكأس والأبطال) للمرة الثالثة في التاريخ؟ أو على الأقل الخروج بكأس دوري أبطال أوروبا السادسة، كبداية للخطة طويلة الأجل للاقتراب أكثر وأكثر من أصحاب الـ13 لقبا؟
ليس بالأمر المستحيل
واقعيًا من الصعب استبعاد برشلونة من المنافسة على أي بطولة في حضرة أينشتين كرة القدم ميسي، يبقى دائمًا تاجر السعادة والنجم القادر على صناعة الفارق في اللحظات الصعبة، بموهبته وعبقريته كلاعب يتمناه أي مدرب في تشكيلته الأساسية، لكنه الآن في أمس وأشد الحاجة لدماء ووجوه جديدة تُعاونه على تحقيق تطلعات الجماهير، ودعونا لا ننسى أن الفريق عانى الموسم الماضي، من أزمة تفاوت المستوى بين اللاعب الأساسي والاحتياطي، وهذا تسبب في الخروج المبكر من دوري أبطال أوروبا على يد روما، بجانب عدم توفيق ليو في هذه الليلة. وهذه المباراة بالذات، أثبتت بشكل عملي، أنه عندما يغيب ميسي أو يُراقب بشكل جيد، يتّحول البرسا لصيد سهل، والتفاوت الهائل بين الأساسيين والاحتياطيين، أضر بالفريق ككل، لغياب روح التفاؤل في التدريبات، بعدما يصل اللاعب الاحتياطي لمرحلة اليأس وعدم الرغبة في التدريب، هنا يكون المتضرر الأول هو اللاعب الأساسي، الذي يموت داخله الحماس تدريجيًا في غياب منافس على مكان في التشكيل الأساسية، عكس الوضع عندما يكون النجم الكبير على أطراف أصابعه لخوفه على مكانه في التشكيل، والآن يُمكن القول أن فالفيردي في طريقه للوصول لهذه المرحلة، بجلب صفقات في أكثر المراكز التي يحتاجها الفريق. أولاً باستقطاب المدافع المُعتاد على أجواء الليغا كليمنت لينغليت من إشبيلية، ليُشعل المنافسة على مركز قلب الدفاع بينه وبين الثنائي الآخر جيرار بيكيه وصامويل أوميتيتي، المُنتشي بفوزه مع فرنسا بكأس العالم، وفي الوسط، جاء بآرثر ميلو، ليُساعد سيرجيو بوسكيتس ليلتقط أنفاسه بعد المبالغة في الاعتماد عليه في السنوات الماضية، وهذا يظهر بوضوح في تراجع مستواه قليلاً في آخر عامين.
أيضًا في الوسط، جاء المحارب آرتورو فيدال، ليمنح فالفيردي الكثير من الحلول في الوسط، لتبقى له حرية اللعب إما بأسلوبه المعتاد 4 ـ 4 ـ 2 أو الطريقة الأخرى التي يلجأ إليها من حين لآخر 4 ـ 2 ـ 3 ـ 1، وهذا يرجع لكفاءة وجودة الدولي التشيلي، كلاعب وسط من الطراز العالمي، يُجيد في أدواره الدفاعية كما يقول الكتاب، وفي النواحي الهجومية، يملك بعض الحلول كالتسديد بعيد المدى، وأخذ مكان صحيح داخل منطقة الجزاء، عندما يتقدم إلى الأمام لعمل الزيادة الهجومية، وبوجه عام، هو «ستايل» جديد على قميص برشلونة، من النوادر أن تُشاهد لدى برشلونة لاعبا معروفا عنه سلوكه العدواني داخل المستطيل الأخضر، وفي بعض الأوقات يخلط بين الشعرة الفاصلة بين الخشونة والبلطجة الكروية، الأزمة التي كان يُعاني منها سيرخيو راموس، قبل أن يُدرك مؤخرًا من أين تؤكل الكتف، بتوجيه ضربات مؤذية للمنافس دون الحصول على عقوبة ولو ببطاقة صفراء، كما أجرم في حق محمد صلاح في نهائي «كييف»، وهذه بالكاد النقطة السلبية في صفقة فيدال، إلا إذا أثبت العكس، بإظهار سلوك مغاير عن الطبيعة المعروفة عنه، وبدرجة أقل، هناك مخاوف من تكرار أزمة الإصابات التي تُلاحقه بشكل واضح وضوح الشمس في يومنا هذا، استنادًا للفترة الطويلة التي قضاها في صراعه مع لعنة الإصابة في أغلب فترات مسيرته مع العملاق البافاري، لكن على المستوى الفني، فلا خلاف أبدًا على أنه خيار أفضل من باولينيو، ووجوده ولو على مقاعد البدلاء، من شأنه أن يجعل بوستيكتس وراكيتيتش وكوتينيو وكل من يلعب في وسط الملعب، يُعطي أفضل ما لديه.
وعلى المدى البعيد، والإشارة إلى فترة تلاحم المباريات في الموسم، لن يجد فالفيردي صعوبة في عمل «مداورة» بين فيدال وبوستيكتس وراكيتيتش ومعهم آرثر، كذلك، المداورة سيكون لها نصيب بين عثمان ديمبلي ومالكوم، وهذه ميزة سيجني الفريق ثمارها إذا حافظ المدرب على لياقة الثنائي أو بالمصطلح الكروي الدارج، إذا أبقى قدم الثنائي صلبة على أرض الملعب لنهاية الموسم، نتحدث عن حل قد يلجأ إليه الفريق إذا لم يكن ميسي في يومه، بجانب انتظار توهج فيليب كوتينيو، بعد بدايته الموفقة ونجاحه في تثبيت أقدامه مع الفريق، بتصاعد تدريجي في مستواه، أعطى إيحاء في نهاية الموسم، أنه أصبح جاهزًا لحمل الراية بعد الرسام أندريس إنييستا، بشغل مركز الجناح الأيسر الوهمي، الذي يكون أقرب لصانع ألعاب حقيقي يأتي من الجهة اليسرى، بحلول كثيرة، منها التسديد المقوس في المكان المستحيل على الحارس أو ضرب الدفاع بتمريرة من فوق الرؤوس أو من بين الأقدام، بنفس الطريقة التي اكتسب بها شهرته مع ليفربول في البريميرليغ، وجعلته لاعبًا أساسيًا في منتخب البرازيل، ما يعني أن مراكز حراسة المرمى قلب الدفاع والوسط والهجوم، حتى لو لعب بنفس استراتيجية بيب غوارديولا بمهاجم وهمي، تبدو في مأمن. باستثناء مركزي الظهير الأيمن والأيسر، في ظل إصرار الإدارة على جلب ظهيرين على مستوى بقية المراكز نفسه.
الحلقة الأضعف
أقل وصف لمشروع فالفيردي مع البرسا في موسمه الثاني، ففي الغالب، سيواصل قتل موهبة الإسباني سيرجي روبيرتو في مركز الظهير الأيمن، علمًا بأنه كان يلعب في مركز رقم (10) في مرحلة الناشئين، ومع الوقت، تأخر لجناح أيمن أو أيسر، ومؤخرًا أضحى الظهير الأيمن المُفضل، وسيكون البرتغالي سيميدو على أهبة الاستعداد، وهذا الثنائي مقارنة بثنائي الريال، سنجد أن الكفة تميل أكثر لمصلحة داني كاربخال والصاروخ القادم من ريال سوسييداد الفارو اودريوزولا، على الأقل في النواحي الدفاعية، وهناك في الجانب الأيسر ألبا مع وضع ملك الإصابات توماس فيرمايلين كبديل في مركز الظهير الأيسر، لذا من الضروري أن يُراجع فالفيردي حساباته جيدًا في هذين المركزين قبل غلق الميركاتو الصيفي، إلا إذا كان يُخطط للعب بثلاثة مدافعين وظهيرين أشبه بالأجنحة في وسط الملعب. لا ندري، لكن بوجه عام، يُمكن القول أن برشلونة قام بعمل جيد في الميركاتو الصيفي، رغم تنازله عن أهدافه الأساسية مثل أدريان رايبو وويليان، مع ذلك، أحسن أبيدال وبقية المسؤولين عن ملف التعاقدات في جلب بدائل تقريبًا على المستوى نفسه، لتدعيم فالفيردي بوجوه ودماء جديدة بدلاً من أنصاف النجوم الذين سيتخلص منهم النادي للاستفادة منهم ماديًا قبل غلق الميركاتو في إسبانيا، وهذا بالكاد ما كان ينقص الفريق لاستكمال موسمه الأوروبي بالقوة نفسها التي يكون عليها في بداية الموسم، وهو وفرة البدائل التي تُصنف على أنها في مستوى الأساسيين نفسه، لتفادي السيناريوهات المرعبة التي كانت تعيشها الجماهير كلما ضاقت الدنيا على ميسي كما حدث في ليلة كابوس ثلاثية «الأولمبيكو»، فهل سيحدث التطور وتسير الأمور كما يُخطط لها جوسيب ماريا بارتوميو ومجلس إدارة والمدرب فالفيردي؟ أم لكرة القدم رأي آخر؟ دعونا ننتظر في المرحلة الآتية.
عادل منصور