بعد عام على إحراق العائلة… نصر الدوابشة ومحاميه لـ «القدس العربي»: نرفض أن تُحرق عائلة يهودية وهي نائمة ونحن شعب يعشق الحياة

حجم الخط
0

ريما شري
إسطنبول – بيروت -«القدس العربي»: مر عام وأحمد يحاول أن يتذكر. في الشهور الأولى، قالوا له أن والديه وشقيقه ذهبوا إلى الجنة. لكن وفي كل مرة يقف فيها أمام صورة عائلته المعلقة على الحائط، كان يكرر السؤال نفسه: «أين ذهبوا ومتى سألتقي بهم؟». يسرد عمه، نصر الدوابشة، هذه التفاصيل في لقاء مع «القدس العربي»: «لقد اجتزنا أخيرا الامتحان الكبير وأخبرنا أحمد أنه لن يلتقي بسعد وريهام وعلي بعد الآن.»
وتقبل أحمد الواقع الجديد، لكن وحسب نصر، فإنه يدرك ويتذكر ما الذي حل بأسرته. فهو يروي دائما، بما يملكه من مصطلحات وباسلوبه البريء، رواية كان الشاهد الوحيد عليها. الطفل الذي بلغ الآن عامه السادس يروي كيف ألقى مستوطنون إسرائيليون قنابل حارقة على منزله في قرية دوما شمال الضفة الغربية الصيف الماضي وكيف أطلق أحد الرجال النار على رجله. ثم يقول في كل مرة يختم فيها روايته أنه خرج من الحادثة منتصرا: «لقد خدعت المستوطنين باختبائي وراء الكنبة. ما شافونيش فأنا ضحكت عليهم». الآن أصبح وجود أحمد دافعا لصمود العائلة لأن القضية ستبقى حية بوجوده، يقول نصر، مضيفا كل ما سئل إن كان يخشى ضياع قضية الدوابشة: «لا، طالما أن أحمد موجود وشاهد حي ومباشر أمام العالم.»
بسبب حروقه البالغة، خضع أحمد طوال هذا العام للعلاج بواسطة الليزر في مستشفى كان يغادرها لوقت قصير لزيارة أضرحة أسرته، إلا أنه استطاع، بعد مرور أشهر، العودة إلى منزله في دوما بعد إصرار الأطباء على أن وجوده مع عمه وجده وباقي أفراد الأسرة سيسرع في شفائه جسديا ونفسيا. إلا أن حالته الصحية، وحسب المصادر الطبية، تدهورت مؤخرا، وتم نقله إلى المستشفى من جديد بسبب معاناته من جفاف حاد والتهابات في الأمعاء، هو الذي كان يستعد للعودة إلى المدرسة في الشهر المقبل. وبالرغم من أن إجراءات القضية القانونية في المحاكم الإسرائيلية تقتصرعلى جلسات صورية، فلم يتخذ القضاء أي إجراء عقابي بحق الجناة منذ اقترافهم جريمتهم، فإن نصر يؤكد أنه ومحامي العائلة والموكل قانونيا بالمرافعة والمتابعة لملف الدوابشة بأبعاده القانونية المحلية والدولية، عمر خمايسة، يعملان على إعداد ملف مدروس بالأدلة والإفادات المضمنة ورفعه إلى محكمة الجنايات الدولية لمحاولة الكشف عن كيفية عمل المجموعات المتطرفة في الضفة الغربية والتحريض الذي يمارسه رجال الدين ضد الفلسطينيين والذي، بحسب المحامي ونصر، ساهم بشكل غير مباشر في تنفيذ المستوطنين هذه الجريمة. ويقول محامي العائلة لـ «القدس العربي» أن التصريحات موثقة وهي لرجال دين يهود حرضوا على حرق كل من هو غير يهودي. ويضيف: «هناك أعضاء كنيست وأشخاص من الوزارات المختلفة ورجال دين وقيادات إسرائيلية كانت تقوم بالتحريض بشكل مباشر على الفلسطينيين، وقد جمعنا جميع تصريحاتهم لإثبات أنها من الممكن أن تكون قد أدت إلى التحريض على هذه الجريمة، وبالتالي هناك مسؤولية غير مباشرة أو مباشرة على هذه الجهات وهذا ما نعتمد عليه. بل أكثر من ذلك، نقول أن هناك جمعيات أوروبية وأمريكية تقوم بدعم المستوطنات ودعم جمعيات موجودة فيها. هؤلاء أيضا تقع عليهم المسؤولية، وإن لم تكن قانونية، فهي أخلاقية وإنسانية».

الإجراءات القانونية

حسب النيابة الإسرائيلية، فإن أربعة مستوطنين، من ضمنهم شخص يدعى عميرام بن أوليئيل وقاصر كان يبلغ من العمر17 عاما وقت تنفيذ الجريمة اتهموا بحرق العائلة ومهاجمة منزلين في قرية دوما جنوب مدينة نابلس وحرقهما.
وقد وجّهت 3 تهم بحق بن أوليئيل بالتسبّب عمدا في قتل عائلة الدوابشة حرقا، فيما وجّهت تهم المساعدة على القتل إلى المستوطن القاصر الذي يحمل الجنسيّة الأمريكيّة. وفي 8 تموز/يوليو أفرجت المحكمة العليا عن المستوطن القاصر بدعوى عدم بلوغه سن الرشد وقت تنفيذ الجريمة. وتمسكت بالإبقاء على المتهمين في الحبس حتى نهاية الإجراءات القانونية. إلا أن المحكمة المركزية الإسرائيلية أنهت منذ شهرين جلسة دون التوصل إلى قرارات، وأرجأت النظر في القضية إلى جلسة لم تحدد موعدها. وحسب محامي العائلة ونصر، فإن القضية تحمل ما يكفي من الأدلة لإدانة المتهمين خاصة بعد زلة اللسان التي صدرت من وزير جيش الاحتلال حين قال إن الأمن الإسرائيلي يعرف هوية القتلة، وأن أحدهم يعمل في جهاز «الشاباك».
وأساس القضية التي يبني عليها المحامي ملفه والذي سترفعه السلطة الفلسطينية لمحكمة الجنايات الدولية هو إثبات أن «من الممكن أن يكون مرتكب الجريمة قام بالفعل بالحرق والقتل متأثرا بشركاء غير مباشرين خاصة أن هناك مدارس إسرائيلية تغذي العنصرية ورجال دين يحرضون بفتاوى إرهابية ضد كل من هو غير يهودي». وبحسب المحامي فقد تم إعداد ملف عن الجمعيات الأمريكية خصوصا والأوروبية التي تدعم المستوطنات بهدف ملاحقتها دوليا على أنها الراعي لهذا العمل الإرهابي.

رسالة نصر

يحمل نصر قضية أخيه على عاتقه ويحاول إستثمارها في تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني والظلم الذي يمارس ضده على يد إسرائيل. ويقول «نمثل كل فلسطين التي تتعرض إلى إنقسام منذ أكثر من عشر سنوات ونأمل أن تكون قضيتنا دافعة إلى الأمام لمقاومة هذا التقسيم، كما نتمنى من السلطة الفلسطينية والأمة العربية والإعلاميين أن يكون هناك إهتمام كبير جدا بقضية أحمد وعائلة الدوابشة.»
وعن رأيه في مدى تعاطف وتعاون السلطة الفلسطينية مع قضيته، يعبر عن عتب خجول: «لا أقول أن هناك تقصيرا إنما أقول أن هناك، ربما، إهتمامات أخرى». وهو يحاول تمثيل قضية الدوابشة في المؤتمرات الدولية وقد شارك في مؤتمر أقيم في إسطنبول عن دور «الإعلام في القضية الفلسطينية» واصطحب أحمد معه وعرضه على المستشفيات التركية حيث تم استقبال الأسرة لعدة أيام وتكفل السفير بعلاجه طوال عشر سنوات على نفقة الحكومة التركية. وتعهدت السلطة الفلسطينية بإنشاء متحف يتم تصميمه بالتعاون مع «نقابة المهندسين» في مكان الجريمة التي نفذها المستوطنون بهدف تخليد ذكرى المجزرة. ويشدد نصر: أن المتحف سيكون بوابة فلسطين لأن أي شخص يزوره يجب أن يمر ببيت عائلة الدوابشة ليكون شاهدا على ما جرى». ويضيف بحسرة: «سيتوقف التاريخ عندما تشاهد البيت. سوف تشاهد رائحة الموت. كل يوم أدخل بيت أخي وأعيش المأساة كلها من جديد. لكني أقاوم مشاعري، لأنها قضية كبيرة جدا ويجب أن أحافظ عليها» ثم يتابع بحماس: «سنبني هذا المتحف الذي يشبه الأقصى ويجسد الوحدة الفلسطينية والتسامح الديني وسيكون فيه جزء من فصل الجدار العنصري ومهد الطفل علي وخيمة تمثل اللجوء الفلسطيني وأخرى تمثل إحتضان أهل الداخل الفلسطيني لعائلة الدوابشة وقضيتنا». ويقول نصر أن إسرائيل حاولت تقديم فواتير بأكثر من 2 مليون شيكل للأسرة عندما خرج إلى الإعلام إلا أن العائلة رفضت ذلك لأنها «ترفض أن يخترق الشعب الفلسطيني من خلالها وترفض أن يكون المال أداة ضغط عليها».
ويعمل نصر الآن على قضيتين أساسيتين: علاج أحمد وملاحقة القتلى في جميع المحافل الدولية. ويشدد على أنه سيرفع قضايا على الحكومة الإسرائيلية ونتنياهو شخصيا وعلى كل سياسي ومحامي يحرض على الشعب الفلسطيني. ويضيف: «نعد ملفا ضخما وسنذهب به، حتى لو كنا وحدنا، إلى محكمة الجنايات الدولية لإدانة الإحتلال وكل أدواته».

السلاح الأقوى

المقاومة لها عدة أشكال، يقول نصر في رده على كيفية تصوره لتعامل أحمد مع الجريمة التي حلت بأسرته عندما يكبر. «حمل السلاح هو أحد أشكال هذه المقاومة لكننا سنسلح أحمد بالعلم وبإيمانه بقضيته ليكون سفير الألم والأمل الفلسطيني. سنجول العالم حتى ننقل، من خلال أحمد، معاناتنا وجرحنا ووجعنا كشعب فلسطيني. ويكفي اننا فقدنا ثلاثة من الأسرة وما زال الخطر يتهددنا، هناك تهديدات مباشرة من المستوطنين بقتل وذبح أفراد العائلة. سنسعى إلى الإرتقاء بأحمد بالعلم، وفي إعتقادي، أن هذا هو السلاح الأقوى.

الحقد العنصرية

كيف يرى نصر قضيته من خلال القضية الفلسطينية؟ يقول: نحن خط الدفاع الأول عن كل العرب. أرادو أن يخرجوا فلسطين من بعدها الإسلامي والعربي حتى يضعفوها. نرفض أن يحدث لأي شعب ما حدث لأسرتنا حتى أعدائنا، حتى اليهود، نرفض أن تحرق عائلة وهي نائمة. ونحن ضد قتل أي إنسان مهما كانت جنسيته دون ذنب.
الطريقة التي استشهدت بها عائلتنا بشعة. حرقوا المنزل ثم التفوا حول أفراد الأسرة ورقصوا وأسقطوا عليهم مواد مشتعلة، وهذه قمة الإنحطاط والحقد والعنصرية. يعتقد البعض اننا شعب يعشق الموت لكننا شعب يعشق الحياة كباقي شعوب العالم. في يوم من الأيام سنحصل على حقوقنا مهما كان الثمن.

أهمية قرية دوما

يعتبر نصر أن إسرائيل تتعمد إرهاب الفلسطينيين الذين يقيمون في قرية دوما نظرا لأهميتها. ودوما قرية فلسطينية تقع على شفا الغور وتطل على الأغوار وتصل أراضيها إلى نهر الأردن وتقابل مدينة السلط الأردنية والبحر الميت. وتقوم إسرائيل بزراعة كميات كبيرة من أشجار النخيل فيها وتنتج آلاف الأطنان من أجود أنواع التمور في العالم، ويريد نتنياهو ضم الأغوار التي تشكل ثلث مساحة الضفه الغربية. «الأغوار مهمة لدولة الاحتلال من الناحيه الأمنية إذ تعتبر خط الدفاع الأول عن هذه الدويلة الهشة التي يخشاها العرب ولكننا نعتبرها أوهن من بيت العنكبوت».

إنحياز القضاء الإسرائيلي

يقول محامي العائلة عمر خمايسة، إن النيابة والمحكمة الإسرائيلية، في هذا الملف خصوصا، أمام إمتحان. ويضيف: ننتظر لنرى، هل ستكيل المحكمة بمكيالين وتميز بين الدم العربي والدم اليهودي وبين الجاني والضحية وتقول كلمة حق أم أنها ستنظر إلى الجاني كأنه ضحية وتعامله بكفوف حريرية؟
ويشرح خمايسة كيف سبق وكانت هناك قضايا ليست بالضرورة مماثلة لقضية سعد من حيث الحيثيات والتفاصيل الدقيقة ولكن على سبيل المثال قضية راشيل خوري التي تعد «أكبر دليل على كيفية تعامل القضاء الإسرائيلي في مثل هذه الملفات.» ويقول: «لم تقتصر القضية على إغلاقهم للملف الجنائي بل عندما تم تقديم ملف لكشف زيف القضاء الإسرائيلي تم إعفاء الدولة، أو تم بالأحرى الدفاع عن الدولة بأنها قامت بعملها الصحيح دفاعا عن أمنها». ويختم خمايسة توقعاته بالقول: لن يفاجئني أي قرار يصدر من المحاكم الإسرائيلية التي أجازت الاغتيالات والحصار على غزة ومنعت عنها الكهرباء والماء خلال الحرب. فإذا قامت بالسماح بكل هذه الإنتهاكات لا نعول عليها الكثير وبالتالي أي قرار يتخذ لن يفاجئنا ولكن هو إمتحان ستكون نتيجته الرسوب لمفهوم الإنسانية والديمقراطية لدولة تدعي أنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط وهي أبعد ما تكون عن ذلك.»

بعد عام على إحراق العائلة… نصر الدوابشة ومحاميه لـ «القدس العربي»: نرفض أن تُحرق عائلة يهودية وهي نائمة ونحن شعب يعشق الحياة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية