بيروت ـ «القدس العربي»: في العشرين من تموز/ يوليو الحالي، ومن ضمن فعاليات «أسبوع النقّاد» الذي تشهده بيروت، ثمة لقاء مع فيلم «موج 98» الحائز السعفة الذهبية لفئة الأفلام القصيرة في مهرجان كان السينمائي. احتفال استثنائي تقيمه جمعية متروبوليس بالتعاون مع المعهد الثقافي الفرنسي في بيروت، للفائز بهذه الجائزة المميزة الشاب إيلي داغر. وهو السينمائي اللبناني الثاني الذي يفوز بمثل تلك الجائزة من مهرجان كان، بعد فوز الراحل مارون بغدادي بجائزة لجنة التحكيم الخاصة عن فيلمه «خارج الحياة» سنة 1991. كما أنها الجائزة الأولى عربياً.
«موج 98» فيلم تحريك يخوض في جدلية علاقة الشاب عمر مع مدينته بيروت. شريط من 15 دقيقة ضمّنه إيلي داغر كمية فائضة من المشاعر. مشاعر وأسئلة تتصارع داخل ذلك الشاب، فهو في بحث عن سؤال يؤرقه عن أسباب ارتباطه بمدينته الملبدة بغيوم ما تبثه السيارات من عوادمها. وتتالي فيها الأيام على الإيقاع عينه، بدون أدنى تغير. شاب من ضاحية بيروت الشمالية، يفشل في نسج صلة مع محيطه. وضمنياً يعبر عن الرفض المطلق للمسار التي تخوضه المدينة مع ناسها والإشكاليات الواقعة بين الطرفين، وهو من يمثل هؤلاء الناس.
يبدأ الفيلم مع شاب يتقدم نحو الأمام مترافقاً مع صوت القطار وهو يستعد للانطلاق، كموسيقى مرافقة. يغيب الشاب سريعاً، لتحتل الشاشة كمية كبيرة من الخطوط المنطلقة تباعاً من نقطة مركزية. إنه عمر «تلميذ المدرسة» يفكر وحيداً وهو مستلق على سريره بما يدور حوله. هو روتين نشرات الأخبار والتعاسة التي تبثها. يسأل نفسه ويجيب: «ما في شي بيتغير.. ما بدي انتهي متلن»! عمر يعتلي سطح مبنى مرتفع يراقب المدينة من فوق برفقة سيجارة، ربما من بعد تكون الرؤية أكثر وضوحاً مع تلك المدينة التي تحمل اسم بيروت! نور يشق طريقه من وسط الأبنية المتلاصقة. وكان الظهور المفاجئ لغراندايزر. صرير الحديد وضجيجه يغطيان على ضجيج السيارات المزدحمة في الشوارع.. أشياء جميلة تسبح في فضاء نجومه متلألئة والشباب يتأملون WOW. هي حياة المدينة يحاول المخرج أن يجعلها جميلة أو واقعية في لحظة ما. مشروع قبلة فموية لا يكتمل بين شاب وصبية. صور تتوإلى بما يشبه الحلم الجميل، تخترقها نشرة أخبار مؤرقة. يصرخ عمر وهو على الشاطئ «نوررررا غديييييييي». لا جواب. هو الخبر نفسه يومياً. الأمور تعيد ذاتها، والشاشة تعود إلى لحظة الفيلم الأولى، حيث الدوامة أو المتاهة، نقطة مركزية تُطلق سهاماً تتسع لتزيد من الإرباك الذي يعانيه عمر، لم يتمكن من حياكة علاقة توثّق صلته بمدينته، ولم يجد جواباً على أسئلته.
فيلم تحريك من 15 دقيقة يبعث على الشعور بأنه زمن فائض عن المعلن، قد يكون حافز ذاك الإحساس أن المخرج ضمّن شريطه حشداً من المشاعر والأسئلة، لا تَشغل عمر وحده بل كافة ابناء جيله كذلك. بأسلوب فيه رومنسية طاغية، حاول المخرج معالجة تلك الإشكالية المحيرة، الواقعة بين جيل الشباب اللبناني، ومدينة أزماتها البسيطة تتضاعف يوماً بعد يوم، ناهيك عن أزماتها السياسية المقيمة أبداً، ففي لجوء المخرج إلى نشرات الأخبار للدلالة على روتين الأزمات، حاول بث روح واقعية على شريطه التحريكي والسيريالي جداً في أماكن كثيرة. صور سيريالية من غرانديزر إلى الكائنات السابحة في الفضاء، تخترقها شخصية بطل الفيلم عمر، فتعيد الأمور إلى حيزها الواقعي. ربما اختار المخرج شخصية غراندايزر ليدل بشكل غير مباشر على ذلك الوحش الذي ينهش المدينة من سيارات، ومبان ومشاريع استثمارية، ولا يترك لها حيزاً إنسانياً يوثق صلتها بناسها.
إيلي داغر المخرج الشاب الذي درس الإخراج في جامعة الألبا في لبنان وابن الثلاثين ربيعاً، حمّل بطله عمر كل الأسئلة التي في خاطره. وترك لغراندايزر أن يقول بأن أحلامه تسبح بين اليقظة والخيال. فهو ضاق ذرعاً بالحال الطائفي المقيم أبداً.. وضاق ذرعاً من فشله في نسج علاقات مع محيطه الاجتماعي. إيلي داغر المهاجر إلى بلجيكا أنجز فيلمه بين لبنان وبروكسل. استغرق عمله سنتين من الاجتهاد، وحصد نتيجة مهارته وعينه الخارقة لكل التفاصيل، لكنه أكد ما نرفض تصديقه أو الإقرار به: الأمل مفقود بلبنان حتى اللحظة.
إيلي داغر يؤكد من جديد قدرتنا على صناعة سينما عربية منافسة، وهو أضاف اسمه إلى اسماء العديد من المخرجين المتميزين جداً كما إيلي سليمان، عبد اللطيف كشيش، عبد الرحمن سيساكو، والراحلين يوسف شاهين ومارون بغدادي.
زهرة مرعي