بروكسل – ستوكهولم «القدس العربي»: أصدرت القمة الأوروبية الطارئة في بروكسل حول الهجرة غير الشرعية والتي انعقدت ليوم واحد فقط الخميس الماضي، حزمة قرارات سبقتها مقدمة من بندين ورد فيهما أن الوضع في البحر الأبيض المتوسط بلغ حالة تراجيدية، وأن الاتحاد الأوروبي سيعمل على تحريك كل جهوده للحد من أي خسائر أرواح في عرض البحر، ومعالجة جذور المشكلة الإنسانية التي تواجه القارة الأوروبية بالتعاون مع الدول التي تصدر المهاجرين والناقلة لهم. وأكد البيان أن الأولوية هي في تجنب مزيد من خسارة الأرواح في البحر.
ويستطرد البيان الأوروبي بقوله، أنه وعلى كل ما سبق ذكره قرر الاتحاد العمل على تعزيز الحضور في البحر، لمواجهة النقل غير الشرعي ومنع الهجرة غير الشرعية، مؤكدين أن عدم الاستقرار في ليبيا يخلق ظروفا ملائمة للسلوك الجرمي للمهربين، وأن الاتحاد سيدعم كل الجهود الأممية لتعزيز سلطة الدولة في ليبيا.
وفي إشارة خجولة عن سوريا يكمل البيان قوله أن الاتحاد أيضا سيعمل على تعزيز الجهود لتوضيح أن عدم الاستقرار والنزاعات هي العامل الرئيسي للهجرة غير الشرعية بما في ذلك في سوريا.
هذه الإشارة الخجولة التي وردت في مقدمة البيان الأوروبي الرسمي، تكشف هشاشة ما يلي من قرارات، والتي وردت على شكل التزامات كان أولها تعزيز الوجود البحري في المتوسط، من خلال مضاعفة تمويل خطة «تريتون» ماليا.
كما التزم الاتحاد حسب بيانه بمحاربة المهربين غير الشرعيين لكن من خلال القانون الدولي وهو ما يرى فيه مراقبون اختباء خلف تفسيرات قانونية فضفاضة تجعل الوضع يسير على ما هو عليه دون تغيير.
كما التزم الاتحاد بمنع الهجرة غير الشرعية من خلال دعم كل من تونس ومصر والسودان ومالي والنيجر مع دول أخرى لم يوردها البيان بالاسم، لمراقبة والسيطرة على الحدود والطرق الدولية والمعابر حولها، مع التأكيد على مناقشة موضوع محاربة الهجرة غير الشرعية مع الاتحاد الأفريقي في اجتماع يتم عقده في مالطا بعد شهور.
كما أشار البيان الأوروبي إلى التعاون مع تركيا فيما يتعلق بالجانبين السوري والعراقي.
البيان أشار أيضا إلى عزم الاتحاد الأوروبي إرسال مندوبي سلطات الهجرة في دول الاتحاد إلى الدول المعنية والمصدرة للهجرة غير الشرعية للتعاون مع السلطات هناك وتبادل المعلومات لتعزيز الحرب ضد الهجرة غير الشرعية.
أما فيما يخص بالإجراءات الداخلية لدى دول الاتحاد، فقد كانت القرارات حذرة تجاه سيادة الدول وعكست حجم الخلافات بين الدول الأوروبية في رؤيتها للأزمة، وعدالة توزيعها على الدول الأعضاء، بحيث قرر المؤتمرون ضرورة الاستعجال بإعادة النظر في قوانين الهجرة واللجوء الإنساني ضمن المعايير الأوروبية.
الاتحاد الأوروبي الذي كان على موعد مع نوبل للسلام عام 2012 والتي حازها لجهوده في تحقيق الأمن والسلم الدوليين، يجد نفسه اليوم وعلى أبواب العام الخامس للربيع العربي، والأزمة السورية تحديدا.. أمام معضلة ضمير أخلاقية لا تقل تعقيدا عن المعضلة السياسية التي يتحمل مسؤوليتها بأعضائه الفاعلين في المجتمع الدولي إضافة إلى جيرته القدرية للمتوسط الذي يشاركه به بلدان الأزمات التي تصدر إليه حاليا البشر عبر قوارب الموت كما درجت التسمية، خصوصا بعد حادثة الغرق في المتوسط لسفينة تهريب راح ضحيتها أكثر من 750 هاربا ومهاجرا عبر المتوسط.
بروكسل التي شهدت الخميس اجتماع قمة طارئا كما وصفته أوروبا الرسمية، لمناقشة قضية الهجرة غير الشرعية إليها، وتداعيات تلك الهجرة والمسؤوليات المطلوب توافرها.
وكما تمخض الجبل فولد فأرا، كان مخاض القمة تمهيدا لقرارات رأى فيها مراقبون ومحللون أقل من المطلوب، خصوصا أنها كانت قرارات عائمة بهدوء على سكون مياه الأزمات السياسية الحزبية في الدول الأوروبية.
وعلى الرغم من المبادرات الأوروبية المعلنة في هذا الصدد إلى الآن، وتوافق الدول الأعضاء على ضرورة التحرك لوقف الموت على بوابات أوروبا، إلا أن تلك الدول تتردد كثيراً في إيواء مزيد من اللاجئين بحجة أن قدرتها الاستيعابية لم تعد تحتمل المزيد.
ولا يخفى في هذا السياق، أن السبب الرئيسي يكمن في تخوف الحكومات الأوروبية من معارضة شعوبها لتنامي أعداد المهاجرين، لما يفرضه ذلك من انعكاسات ديموغرافية واقتصادية واجتماعية.
ولطالما قاوم السياسيون القوميون جميع محاولات تسليم زمام الأمور للاتحاد الأوروبي بشأن توطين وتوزيع طالبي اللجوء في الدول الأعضاء. وكما جوبهت بالرفض مبادرات إصلاح النظام القائم، الذي يلزم بلدان «الخطوط الأمامية» كاليونان وايطاليا واسبانيا بمعالجة طلبات اللجوء.
وبالتالي، فإن الإطار الحالي يضع عبئاً ثقيلاً على كاهل الدول الأوروبية الجنوبية لأوروبا، فيما يريح الدول الأبعد ذات الحدود المغلقة، على الرغم من أنها قد تملك طاقات استيعابية أكبر من نظيراتها الجنوبية.
حادثة المتوسط، والتي جعلت من هؤلاء البشر الهاربين من أوطانهم المنكوبة ضحايا أكبر كارثة بحرية معاصرة، أجبرت الضمير الأوروبي على التزحزح قليلا للتنادي لتلك القمة، لكن تبقى النتائج دون تطلعات الأطراف المعنية، وأهمها طرف الباحثين عن ملاذ آمن في أوروبا والتي يرى فيها هؤلاء، أنها مسؤولة بسياساتها الخارجية إلى ما آلت إليه أوضاع بلدانهم.
أم وطفلان وسط العاصفة ورحمة البحر
«القدس العربي» التقت في السويد أحدى الناجيات قبل ثلاثة شهور من رحلة على ضفاف الموت في المتوسط، حيث قضت نسرين صوفي، السورية الهاربة من آتون الحرب في بلادها سبعة أيام بلياليها في مياه المتوسط، برفقة طفليها وقد حملت نفسها مسؤولية جريمة إصطحابهما إلى تلك التجربة المفزعة كما تقول وهي تورد قصتها ..
من تركيا كانت الإنطلاقة، كما تقول نسرين، والتي التقت عشرات من مهربي البشر في تركيا، وأغلبهم سوريون كما التقت مهربين من جنسيات عربية أخرى، وتؤكد السيدة الناجية من الغرق أن هؤلاء متواجدون في تركيا ولا مهنة لهم إلا تهريب البشر بأموال طائلة عبر المتوسط إلى أوروبا.
وبعد اتفاقها مع مهرب سوري، على مبلغ 6000 دولار لتهريبها وطفليها الاثنين، تقول أن هذا المبلغ غير قابل للتفاوض، وتسرد بعدها لـ «القدس العربي» قصة الرحلة، حيث بعد الاتفاق تم اصطحابها مع طفليها إلى سفينة صغيرة بالكاد تتسع لسبعين راكبا لكنها كانت ممتلئة بما يزيد على مئتي راكب، وهي السفينة التي ستقلهم إلى الباخرة التي يفترض أن تمخر عباب الأبيض المتوسط وتنقلهم إلى بر الأمان الأوروبي.
تقول نسرين أن الصدمة الحقيقية بدأت لحظة وصولها تلك الباخرة الضخمة التي يبلغ طولها 120 مترا، حيث تغيرت فجأة معاملة المهربين إلى الأسوأ، فبدأوا يكيلون للركاب أقذع الشتائم المصحوبة بالأوامر للتحرك نحو العنبر الكبير في قاع السفينة المتهالكة حسب وصفها.
العنبر كما وصفته نسرين كان من أبشع ما يمكن رؤيته من أماكن متخمة بأكداس اللحم البشري دون مراعاة لأي إنسانية، وهو عنبر بالكاد يتسع لـ 300 شخص لكنه كان متخما بما يقارب الـ700 إنسان من بينهم ما يقارب الـ 200 من الأطفال.
لحظة رؤيتها العنبر وهي تمسك بيديها طفليها، رفضت نسرين الدخول إليه، ومع تعالي صراخها بهستيرية وتهديدها للمهربين أنها ستلقي بنفسها في البحر إن أجبروها على الدخول فقد اضطروا إلى وضعها في غرفة متهالكة على سطح السفينة. وتكمل الأم لطفلين والهاربة من جحيم الموت السوري بقولها أن هذا العنبر كان الناس محتجزين فيه لأسابيع حتى يمتلئ بما يكفي حسب المهربين لتحرك الباخرة، وأن سيدات حوامل وضعن مواليدهن في العنبر ضمن ظروف صحية سيئة ناهيك عن ان المياه تملأ أرضيته المفرودة بأكملها بمشمعات «نايلون» لا تكاد تقي الموجودين من غمر المياه لأجسادهم.
في اليوم الثالث، حسب نسرين، واجهت الباخرة عاصفة قوية ورأت بعينيها ارتفاع الموج غلى ما يقارب التسعة أمتار، مع تمايل السفينة الشديد وجنوحها الوشيك نحو الغرق في كثير من الأحيان..طبعا مع تخيل كمية الماء التي دخلت العنبر في القاع حيث يتكوم 700 إنسان بلا حول ولا قوة مغلق عليهم باب حديدي ثقيل لا يتسع بالكاد لشخص.
وفي ظروف تقارب حد الهلاك، تمضي نسرين في حكايتها نحو الثلاثة أيام الأخيرة والتي صادفت رأس السنة حيث إنقطع مياه الشرب عن الجميع، فعمل المهربون على تزويد الموجودين بحصص محدودة من مياه المحركات غير الصالحة للشرب، مع استخدام مقنن وتحت رحمة القائمين على الباخرة لدورة المياه الوحيدة الموجودة في الباخرة.
عند الوصول إلى الشواطئ الإيطالية بدأ الجزء الأخير والأصعب من المعاناة، حيث رست الباخرة على أحد الشواطئ، ليهرع إليها رجال الإنقاذ والأمن الإيطاليين، مرتدين أقنعة تمنع عنهم عدوى الجراثيم والبكتيريا في مشهد من أقسى المشاهد الإنسانية على حد وصف نسرين، والتي اصطحبها الأمن الإيطالي مع أطفالها إلى أحد المراكز الرسمية، لتعمل على وضع بصمتها هناك.
ولأن لنسرين أقارب في انتظارها مقيمين في السويد، فقد رفضت إعطاء بصمتها على الأراضي الإيطالية، وهو ما يجبرها في حال فعلت على الإقامة في إيطاليا. وتسرد السيدة اللاجئة إلى قارة حقوق الإنسان حجم انتهاكات حقوق الإنسان في ما واجهته على يد البوليس الإيطالي، الذي واجه مقاومتها عملية «التبصيم» بشراسة وصلت إلى أن قامت شرطية إيطالية بأخذ طفليها عنوة منها، وتهديدها بوضعهما في مراكز إيواء بعيدة لأنها لا تملك ما يثبت أنهم أطفالها..وتحت وطأة التهديد غير المعقول تقول نسرين أنها اضطرت إلى وضع بصمتها مما يجعلها حبيسة اللجوء الإيطالي.
بعد إطلاق سراحها وأطفالها، توجهت السيدة عبر رحلة قطارات طويلة إلى السويد لتقديم أوراق لجوئها التي تم رفضها لأنها قدمت بصماتها في إيطاليا، ولا تزال نسرين مع أطفالها في السويد تحت وطأة الانتظار عل وعسى يحدث ما يغير من واقعهم الصعب هناك.
شاهد عيان على قمع البوليس الإيطالي
وانتهاكات حقوق الإنسان
قصة نسرين، تشابه قصة مواطنها ربيع، السوري المتعلم ابن العائلة ميسورة الحال والذي اضطرته الحرب في سوريا إلى الهروب والبحث عن ملجأ في قارة حقوق الإنسان، ليصطدم بواقع مشابه في الرحلة البحرية التي تشبه تفاصيلها ما وصفته نسرين، لكن الرجل وعند وصوله الأراضي الإيطالية، وأمام رفضه وضع بصمته هناك، تعرض للضرب بالهراوات من الأمن الإيطالي إلى حد كسر قدمه، وأمام وطأة الوجع الشديد، ورفض السلطات علاجه إلا بعد أن يقوم بوضع بصمته اضطر الرجل إلى الرضوخ ليتم تحويله إلى عملية جراحية في إيطاليا كانت مليئة بالأخطاء ضاعفت من حالته الحرجة، وتسببت في عاهة دائمة في قدمه.
وكما مواطنته، فهو موجود في السويد، ويقول لـ «القدس العربي» أن أوروبا مسؤولة سياسيا وأخلاقيا عن تداعيات الأزمة السورية، فهي طرف سياسي مؤثر، وعليها تحمل النتائج، وأن فتح ممرات آمنة وقانونية للاجئين وضمن إجراءات قانونية ممنهجة يقضي على كل عمليات التهريب بدون عناء.
ربيع، قال أنه توجه إلى بيروت من سوريا أول رحلته، وقصد السفارة السويدية طلبا للجوء، وأخبروه هناك أن اللجوء لا يكون إلا على الأرض السويدية، مما جعله يتساءل أمام طاقم السفارة عن هذه التعليمات الغريبة التي تجبر الناس على التهريب غير الشرعي إلى اوروبا.
ربيع الذي يخوض نزاعا قانونيا في اوروبا حول ما سببته «الإنسانية الأوروبية» له من عاهة مستديمة يتساءل عن الفرق بين سلطات البوليس والأمن في بلده وإيطاليا، خصوصا بعد تعرضه لهذا الاضطهاد الجسدي وهو اللاجئ إلى الأمان.
قمة بروكسل رفع عتب عن ضمير أوروبي
مستتر خلف المصالح
وعودة لقمة بروكسل التي رأى فيها مراقبون أنها ليست أكثر من رفع عتب يحاول مجاملة الذات الأوروبية أكثر من معالجة الأزمة من جذورها، فإن البيان الصادر عنها لم يكن يقدم حلولا بقدر ما عكس أول طبقة من الجليد الظاهر على السطح لخلافات في العمق بين دول الاتحاد الأوروبي. حتى في الإجراءات العملية فإن القمة التي فكرت في إتخاذ بعض القرارات التي تخص التعامل مع المهربين، حيث درس الزعماء الأوروبيون فكرة توجيه ضربات عسكرية لعصابات التهريب التي تتخذ من سواحل شمال أفريقيا منطلقا لإرسال المهاجرين إلى أوروبا عبر المتوسط. لكن الخبراء يعتقدون أن مثل هذه الخطوة ستحتاج إلى تفويض أممي. كما ينتقدون قدرة أجهزة المخابرات على التعرف على عصابات المهربين وقد يؤدي ذلك إلى إلحاق الضرر بمدنيين أو صيادي السمك في المنطقة.
ومن الخلافات أيضا الإنقسام الأوروبي – الأوروبي حول التوزيع العادل للمسوؤلية في تحمل أعباء اللاجئين، ولعل هذا كان جليا من تصريحات الرئيس الفرنس فرانسوا أولاند التي قوبلت بالسخرية عموما حين أعلن أن فرنسا (من أكبر دول الاتحاد مساحة وقدرات) قادرة على استيعاب ما يقارب 700 لاجئ!! محصلة القول، فبين قمة أوروبية تحاول إرضاء الحد الأدنى من ضميرها الجمعي المختلف مع رأيها العام المنقسم على نفسه بين يمين و يسار، ودفق لجوء إنساني هربا من ويلات الحروب والأزمات التي تضطلع أوروبا فيها أدوارا مهمة، يتحول المتوسط يوما بعد يوما بأزرقه الصافي إلى مقبرة مفتوحة ويفصل بين شماله وجنوبه بقسوة الإنسان..
مالك العثامنة