بعد مقتل المرتزقة الروس ما الهدف فعلا من الوجود الأمريكي في سوريا؟

حجم الخط
1

«فاغنر» هو اسم شركة حماية روسية تجند وتوظف مئات المقاتلين الروس والأوكرانيين وغيرهم للمحاربة في ساحات القتال في سوريا. «فاغنر» خاضعة لوزارة الدفاع الروسية وتحصل منها على الخدمات والتمويل. هي الموازي الروسي لشركة الحماية الأمريكية «بلاك ووتر» سيئة الصيت في نشاطاتها غير القانونية في العراق. يتركز أساس نشاطها في منطقة دير الزور التي طهرت من مسلحي الدولة الإسلامية داعش، وتحولت إلى منطقة مواجهة بين نظام الأسد والقوات الروسية والمليشيات الكردية و«المستشارين الأمريكيين».
في 7 شباط كان يبدو أن هذه الساحة الثانوية من شأنها إشعال حرب حقيقية بين الولايات المتحدة والجيش السوري، بل وأن تتوسع إلى حرب بين موسكو وواشنطن. هاجمت مدافع ودبابات الجيش السوري ومرتزقة «فاغنر» بالنار الثقيلة قيادة المليشيا الكردية المجاورة لدير الزور بهدف السيطرة على أجزاء من المدينة ونقلها إلى سيطرة جيش النظام. ردت الولايات المتحدة بقصف ثقيل من الجو، وفي نهاية يوم المعارك تم إحصاء 200 قتيل (هناك من يقدرون أن العدد 300) وبضع مئات من المصابين، من بينهم مقاتلون روس وأوكرانيون كثيرون. تركت قوات النظام بسرعة الساحة، وأدانت روسيا بشدة العملية «غير القانونية» ووصفها الأسد بجريمة حرب، أما المليشيات الكردية، كما هو متوقع، فقد باركت الهجوم. ولكن منعت حربا بين الدول.
يبدو أن الولايات المتحدة تعمل في دير الزور في إطار حربها ضد داعش. كما أوضح وزير الخارجية تلرسون في محاضرة ألقاها في جامعة ستانفورد. ستواصل القوات الأمريكية البقاء في سوريا «من أجل ألا يظهر داعش من جديد». ولكن تلرسون لم يحدد فترة زمنية، وقبل بضعة أسابيع قالت شخصيات رفيعة في واشنطن إن الولايات المتحدة تنوي البقاء في سوريا إلى حين إيجاد حل سياسي للأزمة.
داعش، حسب هذه الرؤية، لم يعد العامل الذي يملي سياسة الولايات المتحدة في سوريا، وهذا بعدما أعلن رئيس الحكومة العراقي والإدارة الأمريكية «رسميا» عن هزيمة داعش في العراق وسوريا.
بناء على ذلك، ليس واضحا سبب الهجوم الأمريكي الكثيف على القوات السورية وحلفائهم الروس، وخاصة طالما أن موقف الولايات المتحدة ـ التي تدعم سوريا موحدة تحت نظام حكم واحد ـ ما زال ساريا. إضافة إلى ذلك، تحتاج مهاجمة القوات السورية، على الأقل حسب رأي عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين، إلى مصادقة الكونغرس. يوجد بينهم من يهددون بخطوات قانونية لمنع توسيع القتال الأمريكي في سوريا.
يكمن السبب في الهجوم كما يبدو في الاستراتيجية الجديدة الآخذة في التبلور خلال الحركة في الإدارة الأمريكية. هدفها وقف تمركز إيران في سوريا واحباط الجهود الدبلوماسية الروسية من أجل تحقيق حل سياسي، بدون القدرة على طرح بديل أمريكي.
تبنت واشنطن تهديد إنشاء «الهلال الشيعي» الذي يربط بين طهران ودمشق مرورا بالعراق، وذريعة استراتيجية لنشاطها في المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق، بعدما تبين لها أنه لا يمكنها التأثير على انتشار القوات الإيرانية في جنوب سوريا وفي هضبة الجولان ومنطقة إدلب. ولكن دير الزور ليست فقط منطقة حدود جغرافية، يمكن للسيطرة عليها أن تصد التواصل الجغرافي الإيراني، هذه أيضا منطقة غنية بالنفط الذي يحتاجه نظام الأسد لتمويل حكمه. على هذه المنطقة وضعت إيران عينها، التي ترى فيها إمكانية كامنة كي تعيد لنفسها جزء معتبرا من التمويل الكبير الذي قدمته لسوريا.
قبل بضعة أيام أوضح يحيى رحيم سوفي، المستشار العسكري لعلي خامنئي، الزعيم الروحي لإيران، بأن على سوريا أن تسدد ديونها لإيران. وقال إنه «يوجد في سوريا نفط وغاز ومناجم فوسفات يمكن استخدامها لتسديد الديون». أقوال سوفي التي قيلت في مؤتمر عقده «معهد الأبحاث المستقبلية للعالم الإسلامي» تعبر عن المزاج في أوساط الإدارة الإيرانية الذي يقضي بأن النضال السياسي القادم سيكون على السيطرة الاقتصادية على الموارد في سوريا.
يبدو أن إيران تسعى للحصول على اتفاقات طويلة المدى مثل الاتفاقات التي وقعت بين موسكو ودمشق والتي تتضمن حقوقا لاستخراج النفط وإنشاء ميناء وقواعد عسكرية، التي أشار إليها سوفي بصورة صريحة. ليس واضحا ماذا تتضمن الاتفاقات التي وقعت مع موسكو، وإذا كانت آبار النفط في دير الزور مشمولة فيها، لكن لا شك أن المنافسة بين إيران وروسيا حول الثمار الاقتصادية للحرب تملي بدرجة كبيرة السلوك العسكري في سوريا.
في المقابل، لا يوجد للولايات المتحدة مصالح اقتصادية واستراتيجية في سوريا. وهي أيضا ليست شريكة في العملية السياسية التي تدار حصريا من قبل روسيا وبالتعاون مع إيران وتركيا. الولايات المتحدة تستطيع في هذه الأثناء فقط محاولة التشويش على القوات الروسية وأن تعيد سيطرة الجيش السوري على مناطق كانت تحت سيطرة داعش في شرق الدولة ومواصلة تهديد إيران بفرض عقوبات من شأنها أن تفكك الاتفاق النووي. ولكن هذا لا يمكنه أن يعتبر استراتيجية سياسية ذات أهداف واضحة.
إضافة إلى ذلك، من أجل تحقيق سياسة كبح إيران وروسيا، فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى قوات الأكراد لتستخدم كقوة برية تصد تمركز القوات السورية والروسية أو الإيرانية في منطقة الحدود الشرقية. ولكن هذا التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة والأكراد، وحتى التحذيرات الشديدة التي أطلقها الرئيس ترامب ضد تركيا، لم تنجح حتى في إقناع أو كبح استمرار الغزو التركي لعفرين، التي ما زالت تحت سيطرة الأكراد. لا يثق الأكراد أيضا إلى أي درجة يمكنهم الاعتماد على ترامب، على خلفية المحادثات التي جرت الأسبوع الماضي بين تلرسون وأردوغان حول تنسيق العمليات العسكرية في سوريا.
في موازاة ذلك، هناك تقارير من جهات معارضة في سوريا حول اتفاق تم التوصل إليه بين الأكراد ونظام الأسد بشأن نقل عفرين إليه لكبح استمرار سيطرة الأكراد على المدينة والمحافظة. هذه الخطوة إذا تم تطبيقها حقا ستسحب من واشنطن رافعة التأثير الأهم الموجودة لديها في هذه الأثناء في سوريا. وإذا قرر ترامب «معاقبة الأكراد» وأن يسحب منهم التمويل الذي تمنحه الإدارة لهم، فإن روسيا ستكون مسرورة بأن تحل محلها، هذا في الوقت الذي تطرح فيه الآن الأكراد كشركاء مرغوب فيهم في العملية السياسية. يبدو أن مواصلة الوجود الأمريكي في سوريا تتحول لتصبح مظاهرة ترف فارغة من دون أن يكون لها هدف محدد، تنتظر أن يعترف ترامب بفشله في بعث الحياة السياسية في سوريا.

تسفي برئيل
هآرتس 19/2/2018

بعد مقتل المرتزقة الروس ما الهدف فعلا من الوجود الأمريكي في سوريا؟

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية