بعد 12 عاما على حادثة اغتصابه في «دار الأيتام الإسلامية» في لبنان.. الضحية يؤكد إضطراب ميوله الجنسية ويقاضي وزارة الشؤون الاجتماعية والوزير يصرح لـ «القدس العربي»: القضية عفا عليها الزمن واستغلت للنجومية

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: مضى أكثر من أثني عشر عاماً على تعرّض طارق ملاح للاغتصاب في «دار الأيتام الإسلامية». مر زمن طويل، وتغيرت معالم المكان، حتى أن بعض مشرفي الدار الذين عاصروا الواقعة، أو تستروا عليها، رحلوا هم أيضاً. إلا أن شيئاً لم يتغير في ذاكرة طارق التي احتفظت بالمشهد كاملا، تستحضره كما لو أنه يحدث الآن. لا يجهد طارق الذي أصبح الآن في الثانية والعشرين من عمره، كي يتذكر وهو يروي لـ «القدس العربي» تفاصيل ما جرى. كان يبلغ من العمر تسع سنوات عندما اغتصبه ثلاثة شبّان في الدار تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عاماً. حصل ذلك على مرّ خمس سنوات. «لم أقاوم، كنت اختنق ولم استطع إطلاق الصراخ، تكرر ذلك إلى أن تعودت»، يقول طارق، مضيفاً أن سكوته عن ما تعرض له حينها كان سببه تجاهل المشرفات، وتهديد مغتصبيه له. على مر خمس سنوات، كان رادع طارق لأي محاولة للشكوى تهديده بالضرب، إضافة إلى إستغلال الشبان لواقع نظام الرعاية في المؤسسة: «المشرفة بتضربك وما حدا رح يصدقك»، يقول الضحية عن لسان مغتصبيه آنذاك. ويضيف أنه وبعد كل هذه السنوات، لم يتمكن من التغلب على ماضيه الذي يفرض نفسه على حاضره. «أنا اليوم لست كأي شاب عادي وأخضع لعلاج نفسي، وبكل صراحة، صار عندي إضطراب في ميولي الجنسي، وأتابع هذا الموضوع مع اخصائيين نفسيين».

وقائع الحادثة وخروجها إلى الضوء

لم يدم صمت طارق طويلاً، فعندما أتم عامه الرابع عشر، خرج من الدار إلى العلن وتوجه للإعلام، دون أن يكشف وجهه، ليفصح عن الكابوس الذي رافق سنوات طفولته كاشفاً عن الإهمال الذي واجهه من قبل المشرفين والقيمين على المؤسسة. وبعد زمن قصير، اتصلت به إحدى المرشدات لتؤكد له أن ما حدث معه لا يزال يحدث حتى الآن، وكان آخر حادث تعرض طفل آخر للإغتصاب من قبل أحد الشبان وتم «لفلفة الموضوع». كانت تلك هي اللحظة الفاصلة التي حولت قضية طارق من مسألة فردية إلى قضية رأي عام. فعندها، ظهر مجدداً على الإعلام في برنامج «حكي جالس» الذي يعرض على قناة «أم تي في» ويقدمه الإعلامي جو معلوف، ولكن هذه المرة كاشفا عن وجهه. كشف طارق حينها عن الإنتهاكات التي يتعرض لها الأطفال في الدار موضحاً كيف أن بعض المشرفات غير مؤهلات لرعايتهم، وداعياً القضاء والنيابة العامة للتحرك ومحاسبة المذنبين. إلا أن شجاعته وجرأته لم تحركا ساكنا في مؤسسة دار الأيتام التي لم تظهر أي تجاوب لتفسير أو توضيح موقفها.
وبعد أن اثيرت المسألة في وسائل الإعلام، صرح محامي المؤسسة أن الدار لا تنكر الواقعة وأن الإجراءات والتدابير اللازمة «يجري حلها داخليا وبشفافية». وتحولت القضية، بفعل إصرار الدار على عدم كشف أو توضيح مجرياتها إلى العلن إلى قضية عامة، إضافة إلى تلقي طارق ومقدم البرنامج تهديدات نصحتهما بعدم اللجوء إلى الإعلام لأنهما يحاولان العبث مع «ناس كبار في الدولة لا بل ومع دول عربية أخرى». وإستدعى هذا التجاهل والإهمال عرض القضية على وزارة الشؤون الإجتماعية لمطالبتها بفتح تحقيق حول استمرار الانتهاكات في الدار. لكن الوزارة لم تفعل، مبررة ذلك بأن الواقعة حدثت منذ وقت طويل وأنه ليس هناك أي إثباتات على صحتها، علما أن الدار نفسها لم تنكر وقوعها.
كان لا بد حينها أن تنتقل القضية إلى القضاء، وفي 17 نيسان/ابريل أعلنت المفكرة القانونية، بدء إجراءات التقاضي ضدّ وزارة الشؤون الاجتماعية و»دار الأيتام الإسلامية» بالنيابة عن طارق لضمان حقوقه ومطالبه، إضافة إلى «نقل قضية الرعاية البديلة الى منبر القضاء»، في محاولة لفرض «ضوابط قانونية في مواجهة منزلقات النظام السياسي السائد».

في مواجهة الوزير

وفيما ينتظر المعنيون الجلسة التي أجلت مؤخرا إلى 14 شباط/فبراير 2016 لا يجد طارق جوابا للسؤال الذي وجهه لوزير الشؤون الإجتماعية رشيد درباس في أكثر من مناسبة: لماذا يصر درباس، كل هذا الإصرار، على عدم فتح تحقيق؟ وفي إتصال أجرته «القدس العربي» مع الوزير درباس للحصول على إجابة عن سؤال طارق: «الحادثة وقعت منذ أكثر من اثني عشر عاماً، لا أستطيع أن أنكر لكن ليس لدي ما يثبت أنها حدثت أو أنها مستمرة وأنا ما بشتغل إلا بالمضمون». وأضاف: «ما حدا بيقدر ينكر إنو ممكن يصير في «شذوذ» ولكن لا إثباتات، ثم أن لماذا إنتظر طارق 12 عاما كي يفصح عن ما جرى؟ خليه يحل عني، شو على دوري يعني». وعند سؤاله عن إمكانية فتح تحقيق لقطع الشك باليقين، الذي بدوره يخدم مصلحة الدار ودور الوزارة الرقابي، قال درباس أنه لا يفهم المنطق وراء كل هذه الضجة حول الموضوع، معللا أن البلد يعاني من مشاكل إجتماعية وأمنية، كأزمة الكهرباء مثلا، وغيرها من الأمور الملحة التي يجب معالجتها.
وبالحديث عن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة حول قضية طارق، قال الوزير أن من مسؤليته كوزير التيقن من الحادثة وأنه قام بكل التدابير اللازمة من خلال تواصله مع مدير الدار محمد بركات الذي أكد بدوره أن المؤسسة ملتزمة بكل التوجيهات وأنه تم وضع كاميرات مراقبة في جميع الغرف. إلا أن هذا الإجراء واجهه إنتقاد حاد من مديرة جمعية «بدائل» زينة علوش التي قالت أن «الأمر لا يتعلق بوجود كاميرات في غرف النوم، وان وجدت فهي تمثل انتهاكا للمعايير الدولية لحقوق الأطفال الخاضعين للرعاية البديلة». وبدروه علق درباس على مساعي المفكرة القانونية بالقول أنها حولت موكلها إلى «جثة تأكل منها».
وأضاف درباس أن القضية ليست طائفية كما يروج البعض وأنه لا ينتمي إلى أي منحى طائفي مستدركاً: «الإساءة إلى أي طائفة تخلق» قلقا وإرتباكا إجتماعيا.» وفي سؤاله عن إصراره على عدم الظهور على وسائل الإعلام للحديث عن الموضوع قال درباس أنه لن يخضغ لأي ضغوطات وروايات غير مثبتة يتم تداولها وإثارتها على وسائل إعلام «غير محترمة»، ملخصا موقفه بالقول أنه يشفق على طارق لأنه «يتاجر في مستقبله».
أما طارق فيرجح في تعليقه على سبب تجاهل الوزارة ودار الأيتام فتح تحقيق حول قضيته أن الوزارة خضعت لضغوطات وأنها والقيمون على الدار، يستفيدون، مضيفا: «بيقبضوا (أي الدار) على الولد، كلها مصالح شخصية» .
وبحسب طارق، وهو ما وثقته أحدى الصحف في وقت سابق، فإن درباس كان قد دعاه في إحدى المرات «لستر عورته» كي لا يتعرض للاغتصاب. لكن درباس قال لـ «القدس العربي» أنه كان يتكلم عن نفسه قائلاً حينها: «أنا بستر عورتي.» (دون أن يعلل مناسبة الإفصاح عن ذلك التصريح)، وأضاف أن وسائل الإعلام حرفت كلامه لصالح قضية ملاح.

واقع النظام المؤسساتي والرعاية البديلة:
«المشرفة تجاهلت الدم على الشرشف»

يقول طارق أن النمط العام لنظام الرعاية المؤسساتية في لبنان يمثل خطرا كبيرا على الأطفال ذلك أن حوالي 20 طفلا يوضعون في غرفة واحدة بخلاف أعمارهم. «في شغلات جوا ما منيحة عم تصير.» ويقول أنه حين كان يتعرض للإغتصاب كانت إحدى المشرفات «تتجاهل وجود دم على الشرشف» وسرعان ما كانت تخفيه، كأنها تحاول إخفاء آثار الجريمة. كما أشارت علوش إلى توثيق نحو 15 شهادة لانتهاكات حصلت في هذه الدار وبقية الدور.
وفي شهر تموز/يوليو من هذا العام، خرج فيديو يوثّق تعرّض أطفال في «دار الأيتام الإسلامية» للضرب والتعنيف، وفق ما أعلنت «المفكرة القانونية» وجمعية «بدائل» في مؤتمر صحافي. وقالت المفكرة القانونية: «لا تقتصر حوادث الانتهاكات التي يتعرّض لها الأطفال في دور الرعاية في لبنان على مؤسسة أو طائفة محددة. حوادث اغتصاب، ضرب، تعنيف، واستغلال، وُثّقت في مؤسسات متنوعة طائفياً ومناطقياً». وأشارت علوش، خلال المؤتمر الصحافي، إلى أن حوادث الاتجار بالأطفال وبيعهم والاعتداءات الجنسية بحقّهم تتكاثر. وتعتبر أنه ربما بدأ ظهور الأخبار بشكل علني لأننا «في عصر الصحافة الصفراء والفضائح في ظل فراغ سياسي وصمت مطبق لدولتنا التي يبدو أنها تنازلت عن العديد من واجباتها التي من أجلها تتقاضى الضرائب وتتلقى الرواتب، بحسب ما جاء على موقع المفكرة.
اللافت في هذا كله أن المسألة لم تعد محصورة بقضية الملاح ودار «الأيتام الإسلامية» بل خلقت معها علامات إستفهام حول خطر النظام المؤسساتي الذي يحكم دور الرعاية البديلة في لبنان. وعلى اثر هذه التطورات أطلقت «المفكرة القانونية» بالتعاون مع جمعية «بدائل» مبادرة لدعم جميع الأشخاص المودعين بمؤسسات رعاية بديلة في ظل غياب أي قانون مدني يرعى هذه المسألة. والهدف من هذه المبادرة مواجهة «نظام الرعاية المؤسساتي الذي يسمح ويتيح هذا النوع من الانتهاكات وغيرها». تقول علّوش في حوار صحافي إن مؤسسات الرعاية «تعتمد نظام رعاية مؤسساتياً، هو الأخطر من ناحية النوعية والحماية، وفق المعايير الدولية للرعاية البديلة الصادرة عن الأمم المتحدة عام 2009». وبحسب تقرير «هيئة الأمم المتحدة» الصادر عام 2006 المتعلّق بأوضاع الأطفال، فإن هناك حوالي 28 ألف طفل مودعين في مؤسسات رعاية. «نتكلم عن أكثر من 2٪ من أطفال لبنان متروكين لمؤسسات ترسم مصير حياتهم بأموال مدفوعة من قبل الدولة متمثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية، ومتروكين من جهة أخرى لسماسرة بيع الأطفال»، تعلّق علّوش في حوار مع صحيفة الأخبار.

ما تبقى من أمل

يناشد طارق فيما ينتظر حكم القضاء أصحاب الضمير والمنظمات الحقوقية والعالمية لضمان حقه ودعم جميع الضحايا. وبرغم كل ما حدث، يقول طارق أن لديه أمل وثقة في القضاء وأنه في حال لم ينصفه فسيكون هذا وصمة عار على الدولة. «ربما سيكون الحل الوحيد حينها الهجرة واللجوء السياسي.» يختم طارق قائلا: «بدي فل من هون».

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية