أحمد‭ ‬عبد‭ ‬المعطي‭ ‬حجازي‭: ‬شعراء‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬يستخدمون‭ ‬اللغة‭ ‬المجازية‭ ‬بتفوق‭ ‬ويقدمون‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬كثيرون‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الشعر‭ ‬الموزون‭ ‬تقديمه‭ ‬

حجم الخط
0

يعد‭ ‬الشاعر‭ ‬أحمد‭ ‬عبد‭ ‬المعطي‭ ‬حجازي‭ ‬من‭ ‬المؤسسين‭ ‬الرواد‭ ‬لحركة‭ ‬الشعر‭ ‬الحر‭ ‬الذي‭ ‬ظهرت‭ ‬بعد‭ ‬نكبة‭ ‬فلسطين‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نازك‭ ‬الملائكة،‭ ‬وشاكر‭ ‬السياب،‭ ‬وبلند‭ ‬الحيدري،‭ ‬وعبد‭ ‬الوهاب‭ ‬البياتي،‭ ‬وصلاح‭ ‬عبد‭ ‬الصبور،‭ ‬وخليل‭ ‬حاوي،‭ ‬ويوسف‭ ‬الخال،‭ ‬وأدونيس؛‭ ‬إذ‭ ‬شكل‭ ‬ديوانه‭ ‬‮«‬مدينة‭ ‬بلا‭ ‬قلب‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1958‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرواد‭ ‬نسيجا‭ ‬شعريا‭ ‬أدخل‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬بنية‭ ‬تاريخية‭ ‬جديدة،‭ ‬ومن‭ ‬المثقفين‭ ‬البارزين‭ ‬الذين‭ ‬ينتصرون‭ ‬إلى‭ ‬أسئلة‭ ‬التنوير‭ ‬والتحرر‭ ‬الفكر‭. ‬

ولد‭ ‬أحمد‭ ‬عبد‭ ‬المعطي‭ ‬حجازي‭ ‬عام‭ ‬1935‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تلا‭ ‬المصرية،‭ ‬حاصل‭ ‬على‭ ‬ليسانس‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬السوربون‭ ‬الجديدة‭ ‬عام‭ ‬1978،‭ ‬وشهادة‭ ‬الدراسات‭ ‬المعمقة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬عام‭ ‬1980‭. ‬عمل‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المنابر‭ ‬الصحافية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1956‭ ‬سواء‭ ‬أفي‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬روز‭ ‬اليوسف‮»‬‭ ‬أم‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬الأهرام‮»‬،‭ ‬أم‭ ‬رئاسته‭ ‬تحرير‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬إبداع‮»‬‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬الهيئة‭ ‬المصرية‭ ‬للكتاب‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬عام‭ ‬2014‭. ‬وتقلد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناصب‭ ‬أهمها‭: ‬عضوية‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للثقافة‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬ورئاسة‭ ‬لجنة‭ ‬الشعر،‭ ‬ورئاسة‭ ‬مجلس‭ ‬أمناء‭ ‬‮«‬بيت‭ ‬الشعر‮»‬‭. ‬صدرت‭ ‬له‭ ‬الأعمال‭ ‬الشعرية‭ ‬الآتية‭: ‬‮«‬مدينة‭ ‬بلا‭ ‬قلب‮»‬‭ (‬1958‭)‬،‭ ‬و»أوراس‮»‬‭(‬1959‭)‬،‭ ‬و‮»‬لم‭ ‬يبق‭ ‬إلا‭ ‬الاعتراف‭ (‬1956‭)‬،‭ ‬و»مرثية‭ ‬الزمن‭ ‬الجميل‮»‬‭ (‬1972‭)‬،‭ ‬و»كائنات‭ ‬مملكة‭ ‬الليل‮»‬‭ (‬1978‭)‬،‭ ‬و»أشجار‭ ‬الإسمنت‮»‬‭ (‬1989‭)‬،‭ ‬و‮»‬طلل‭ ‬الوقت‮»‬‭ (‬2011‭)‬،‭ ‬وأيضا‭ ‬مؤلفات‭ ‬أخرى‭ ‬تتوزع‭ ‬بين‭ ‬النقد‭ ‬والصحافة‭ ‬والسياسة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الأمر‭ ‬مع‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬وهؤلاء‮»‬‭ ‬و»إبراهيم‭ ‬ناجي‮»‬،‭ ‬و»خليل‭ ‬مطران‮»‬،‭ ‬و»حديث‭ ‬الثلاثاء‮»‬،‭ ‬و»الشعر‭ ‬رفيقي‮»‬،‭ ‬و‮»‬مدن‭ ‬الآخرين‮»‬،‭ ‬و»عروبة‭ ‬مصر‮»‬،‭ ‬و»أحفاد‭ ‬شوقي‮»‬،‭ ‬و»سارق‭ ‬النار‮»‬،‭ ‬و»القصيدة‭ ‬الخرساء‮»‬‭. ‬حصل‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬كفافيس‭ ‬اليونانية‭ ‬المصرية‭ ‬عام‭ ‬1989،‭ ‬وجائزة‭ ‬الشعر‭ ‬الإفريقي‭ ‬عام‭ ‬1996،‭ ‬وجائزة‭ ‬الدولة‭ ‬التقديرية‭ ‬في‭ ‬الآداب‭ ‬من‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للثقافة‭ ‬عام‭ ‬1997،‭ ‬وجائزة‭ ‬النيل‭ ‬عام‭ ‬2013‭. ‬

وتمت‭ ‬ترجمت‭ ‬مختاراته‭ ‬الشعرية‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬عديدة‭ ‬أهمها‭: ‬الفرنسية،‭ ‬والإنكليزية،‭ ‬والروسية،‭ ‬والإسبانية،‭ ‬والإيطالية،‭ ‬والألمانية‭.‬

*أين‭ ‬اختفى‭ ‬حجازي؟

ـ‭ ‬هل‭ ‬اختفى‭ ‬حجازي؟‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تطرحي‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬انصرافي،‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬للكتابة‭ ‬النثرية‭ ‬وقلة‭ ‬إنتاجي‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬مع‭ ‬ظني‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أضيف‭ ‬ديواناً‭ ‬جديداً‭ ‬عل‭ ‬الأقل‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الرواية‭ ‬السابقة،‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬قد‭ ‬انصرفت‭ ‬هذه‭ ‬الانصرافة‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬النثرية‭. ‬ولكن‭ ‬مصر‭ ‬تمر‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬سنوات‭ ‬بظروف‭ ‬صعبة،‭ ‬وتواجه‭ ‬تحديات‭ ‬خطيرة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬والثقافة‭ ‬والمثقف‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬ومن‭ ‬تلك‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬أشرت‭ ‬إليها،‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمثله‭ ‬المثقف‭ ‬المصري‭ ‬تراجع‭. ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتحدّث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬محمد‭ ‬عبده‭ ‬بدوره‭ ‬المهم،‭ ‬وهو‭ ‬المجدد‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬حرّر‭ ‬دستور‭ ‬الحزب‭ ‬الوطني‭ ‬القديم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يدعو‭ ‬لدولة‭ ‬مدنية‭ ‬علانية،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ديمقراطية‭ ‬دولة‭ ‬الأمة‭ ‬هي‭ ‬مصدر‭ ‬السلطات،‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬المواطنة‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬الدين،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬ثورة‭ ‬عرابي‭ ‬وسجن‭ ‬ونفي‭. ‬ومنه‭ ‬ننتقل‭ ‬الى‭ ‬دور‭ ‬أمثال‭ ‬طه‭ ‬حسين،‭ ‬وعلي‭ ‬عبد‭ ‬الرازق،‭ ‬وقبلهما‭ ‬أحمد‭ ‬لطفي‭ ‬السيد‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬اليسارين‭ ‬الفنانين،‭ ‬والكتاب‭ ‬والشعراء،‭ ‬هؤلاء‭ ‬اختفت‭ ‬أدوارهم‭ ‬لأنهم‭ ‬قاموا‭ ‬بعمليات‭ ‬استيلاء‭ ‬السلطة‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬ومنابرها‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬وبتحويل‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الى‭ ‬أدوات‭ ‬للرعاية‭. ‬كانت‭ ‬النتيجة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬الفراغ‭ ‬السياسي‭ ‬طوال‭ ‬العقود‭ ‬الستة‭ ‬الماضية،‭ ‬أنّه‭ ‬أدّى‭ ‬بالمواطن‭ ‬المصري‭ ‬لأن‭ ‬يعيش‭ ‬بدون‭ ‬حرية،‭ ‬ويفتقر‭ ‬إلى‭ ‬صاحب‭ ‬الكلمة‭ ‬المضيئة،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬أنه‭ ‬صاحب‭ ‬الرأي‭. ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬استشعرته‭ ‬وخصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عشت‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬مدة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل،‭ ‬ثم‭ ‬عشت‭ ‬فيها‭ ‬مفرّقًا‭ ‬راجعت‭ ‬آرائي‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أعشقها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬رأيت‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬المثقف‭ ‬أن‭ ‬يقدمه‭ ‬لمواطنيه‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬وقد‭ ‬تصاحب‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬أيضًا‭ ‬مع‭ ‬عودتي‭ ‬من‭ ‬فرنسا،‭ ‬لأنه‭ ‬عرض‭ ‬عليّ‭ ‬وأنا‭ ‬ما‭ ‬أزال‭ ‬هناك‭ ‬أن‭ ‬أدرّس‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬باريس‭ (‬3‭) ‬و‭(‬8‭) ‬وأن‭ ‬أكتب‭ ‬لـ‮»‬الأهرام‮»‬‭ ‬1987‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقدت‭ ‬‮«‬الأهرام‮»‬‭ ‬توفيق‭ ‬الحكيم‭ ‬وإلى‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬فقدت‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬الشرقاوي،‭ ‬وزكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود،‭ ‬ولويس‭ ‬عوض،‭ ‬ويوسف‭ ‬إدريس‭. ‬وعرض‭ ‬عليّ‭ ‬إبراهيم‭ ‬نافع‭ ‬الكتابة‭ ‬لأنّ‭ ‬‮«‬الأهرام‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬تستكتب‭ ‬كتاباً‭ ‬لهم‭ ‬أسماء‭. ‬بدأت‭ ‬أكتب‭ ‬لـ»الأهرام‮»‬‭ ‬مقالة‭ ‬أسبوعية‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬والشعر‭ ‬وجمعت‭ ‬مختارات‭ ‬ممّا‭ ‬كتبته‭ ‬من‭ ‬مقالاتي‭ ‬حول‭ ‬الشعر‭ ‬والرواية،‭ ‬وما‭ ‬كتبته‭ ‬في‭ ‬‮«‬حديث‭ ‬الثلاثاء‮»‬،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬صرت‭ ‬أكتب‭ ‬حول‭ ‬القضايا‭ ‬الراهنة‭ ‬المطروحة‭ ‬بعنف،‭ ‬كموضوع‭ ‬التطرف‭ ‬والديكتاتورية،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬بصراحة‭ ‬بدافع‭ ‬أخلاقي‭ ‬بحت،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الوطنية‭ ‬إنسانية‭ ‬والإنسانية‭ ‬أخلاق‭ ‬واجتماع‭ ‬وانتماء،‭ ‬وبهذا‭ ‬أديت‭ ‬واجباً‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يؤدى‭. ‬هل‭ ‬أخطأت‭ ‬لأنني‭ ‬انصرفت‭ ‬بكامل‭ ‬طاقتي‭ ‬للكتابة‭ ‬النثرية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الموضوعات؟‭ ‬وهل‭ ‬كنت‭ ‬أستطيع‭ ‬ان‭ ‬أزاوج‭ ‬بين‭ ‬الكتابة‭ ‬النثرية‭ ‬والشعر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬مقلًّا‭ ‬بها‭ ‬جدًّا؟‭ ‬هذه‭ ‬كلها‭ ‬أسئلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تطرح،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬القليل‭ ‬الذي‭ ‬كتبته،‭ ‬يعني‭ ‬مثلاً‭ ‬في‭ ‬ديواني‭ ‬الأخير‭ ‬‮«‬طلل‭ ‬الوقت‮»‬،‭ ‬حاولت‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬أقدم‭ ‬أشياء،‭ ‬والشعر‭ ‬لا‭ ‬يوزن‭ ‬بحجمه‭ ‬بل‭ ‬بقيمته‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬القصيدة‭ ‬إضافة‭ ‬فهذا‭ ‬يكفي‭ ‬لصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬القصائد،‭ ‬لأن‭ ‬أكثر‭ ‬الشعراء‭ ‬عندما‭ ‬تحصى‭ ‬عدد‭ ‬القصائد‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬قدموها،‭ ‬لا‭ ‬أظن‭ ‬أنها‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬عشرة‭ ‬قصيدة‭. ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬أعتبر‭ ‬أنّه‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬أخصّص‭ ‬وقتاً‭ ‬للشعر‭ ‬لا‭ ‬يعتدي‭ ‬عليه‭ ‬النثر‭. ‬

*هل‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬لك‭ ‬قلب‭ ‬وسط‭ ‬هذه‭ ‬المدن‭ ‬الإسمنتية‭ ‬المتفحمة‭ ‬بالنار،‭ ‬والدم،‭ ‬والتطرف؟

ـ‭ ‬ربما‭ ‬كل‭ ‬إسمنت‭ ‬المدينة‭ ‬وتطرفها‭ ‬وهذه‭ ‬الأخطار‭ ‬والتهديدات‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الإنسان‭ ‬توقظ‭ ‬ضميره‭. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أنها‭ ‬أيضاً‭ ‬توقظ‭ ‬قلبه‭ ‬والعلاقة‭ ‬وثيقة‭ ‬بين‭ ‬الاثنين،‭ ‬لأننا‭ ‬أصحاب‭ ‬ضمائر،‭ ‬بيد‭ ‬أننا‭ ‬أصحاب‭ ‬عواطف‭ ‬نتأثر‭. ‬والقلب‭ ‬في‭ ‬ديواني‭ ‬الأول‭ ‬كان‭ ‬المقصود‭ ‬به‭ ‬المودة‭ ‬والعطف‭ ‬والرعاية،‭ ‬التي‭ ‬ينتظرها‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭. ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬هذه‭ ‬المحبة،‭ ‬لأن‭ ‬المدينة‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬كانت‭ ‬مهتمة‭ ‬بنفسها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اهتمامها‭ ‬بمن‭ ‬يدخلها‭ ‬ويصبح‭ ‬ضيفًا‭ ‬عليها،‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬أنا‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الخمسينيات،‭ ‬جئت‭ ‬من‭ ‬الرّيف‭ ‬لأعيش‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬القاهرة‭ ‬فوجدت‭ ‬مدينة‭ ‬شديدة‭ ‬الإعجاب‭ ‬بنفسها‭ ‬ممتلئة‭ ‬ومكتفية‭ ‬بنفسها‭ ‬لم‭ ‬تنظر‭ ‬إليّ،‭ ‬لذلك‭ ‬اتهمتها‭ ‬بأنها‭ ‬بلا‭ ‬قلب‭. ‬هل‭ ‬أنا‭ ‬الآن‭ ‬لي‭ ‬قلب؟‭ ‬طبعاً‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أزعم‭ ‬أن‭ ‬لي‭ ‬قلباً‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أبادل‭ ‬به‭ ‬المدينة‭ ‬حباً‭ ‬بحب‭ ‬فاتهمتها‭. ‬هل‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬المدينة‭ ‬بلا‭ ‬قلب‭ ‬نعم،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ليست‭ ‬لأنها‭ ‬ظلت‭ ‬مهتمة‭ ‬بنفسها‭ ‬الآن،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬فقدت‭ ‬جمالها‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬تهتم‭ ‬بالآخرين،‭ ‬ليس‭ ‬لأنها‭ ‬بلا‭ ‬قلب،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬تقدمه،‭ ‬ونحن‭ ‬لنا‭ ‬قلوب‭. ‬نعم‭ ‬إننا‭ ‬ننتظر‭ ‬الحب‭ ‬دائمًا‭ ‬الذي‭ ‬نأمن‭ ‬به‭ ‬مما‭ ‬نخاف،‭ ‬ولأننا‭ ‬بحاجة‭ ‬إليه‭ ‬دائماً‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬جميعاً‭ ‬إلا‭ ‬بهذه‭ ‬المودة‭ ‬والحب،‭ ‬وقدرتنا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬جمالًا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬بدونه،‭ ‬والحياة‭ ‬بدون‭ ‬الجمال‭ ‬والمودة‭ ‬لا‭ ‬تعاش‭. ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬إذا‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬حظي‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬سوئه‭ ‬أنني‭ ‬عشت‭ ‬الحياة‭ ‬والعالم،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬فضائل‭ ‬فالحياة‭ ‬التي‭ ‬عشتها‭ ‬أكّدت‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬فضائلي‭ ‬وقلّلت‭ ‬من‭ ‬رذائلي‭.‬

*‭ ‬تحكي‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬كان‭ ‬لي‭ ‬قلب‮»‬‭ ‬في‭ ‬ديوان‭ ‬‮«‬مدينة‭ ‬بلا‭ ‬قلب‮»‬‭ ‬عن‭ ‬القُبلة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بلاغة‭ ‬الاستعادة‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬مساحات‭ ‬التخييل‭ ‬الشعري؛‭ ‬حيث‭ ‬نتلصص‭ ‬على‭ ‬الحديث‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬الأنا‭ ‬الغنائية،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مهموسا‭ ‬ومجهولا‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أننا‭ ‬نتعاطف‭ ‬مع‭ ‬بطل‭ ‬قصيدتك‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬يقرأها‭ ‬الصوت‭ ‬الشعري‭ ‬داخل‭ ‬القصيدة،‭ ‬بوصفه‭ ‬بطلا‭ ‬مهزوما‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالمرأة‭ ‬ككائن‭ ‬معشوق‭. ‬ما‭ ‬علاقتك‭ ‬بهذه‭ ‬المرأة‭ ‬المتخيلة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬تحديدا؟‭ ‬وكيف‭ ‬تقربنا‭ ‬من‭ ‬رؤيتك‭ ‬للمرأة‭ ‬في‭ ‬واقعك‭ ‬المادي‭ ‬الملموس،‭ ‬سواء‭ ‬أفي‭ ‬المدينة‭ ‬العربية‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬الأوروبية؟

ـ‭ ‬علاقتي‭ ‬بالمرأة‭ ‬كما‭ ‬عبرت‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬شعري‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬الرجل‭ ‬بالمرأة‭ ‬في‭ ‬بلادنا،‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬ملتبسة‭ ‬ومعقدة،‭ ‬لأن‭ ‬الحاجة‭ ‬العضوية‭ ‬فيها‭ ‬والحاجة‭ ‬العاطفية‭ ‬الإنسانية‭ ‬دائماً‭ ‬مرفوضة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة،‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬فلا‭ ‬تستطيع‭ ‬إلا‭ ‬متخفية،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تزيف‭ ‬نفسها‭ ‬وأن‭ ‬تدعي‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬تريد،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬تريد‭. ‬ومع‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬قد‭ ‬تحررت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬المتجذرة،‭ ‬أولاً‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬تربية‭ ‬ننشأ‭ ‬عليها‭ ‬ونستجيب‭ ‬لها‭ ‬دوماً‭ ‬ونعيها‭ ‬أو‭ ‬نتأملها‭. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أنني‭ ‬استطعت‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬حيث‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬الثامنة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمري،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أنني‭ ‬تحررت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ظلت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬علاقتي‭ ‬بالمرأة‭. ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬السعيد‭ ‬الذي‭ ‬أتحدث‭ ‬عنه،‭ ‬وأنا‭ ‬لم‭ ‬أعش‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬ضيقة،‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬واسعة‭ ‬لأنني‭ ‬منذ‭ ‬بدأت‭ ‬أنشر‭ ‬شعري‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬علاقاتي‭ ‬كانت‭ ‬مفتوحة،‭ ‬واسعة‭ ‬ثم‭ ‬لأني‭ ‬اشتغلت‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬1956‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬عالم‭ ‬واسع‭ ‬الصدر‭ ‬والفهم‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الاتصال‭ ‬والتواصل‭ ‬موجود‭ ‬دائماً،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬المرأة‭ ‬مجرد‭ ‬موضوع،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬طرفًا‭ ‬فاعلًا‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يحتاج‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬نظري‭ ‬إلى‭ ‬كلام‭ ‬طويل،‭ ‬لأنه‭ ‬يلزمه‭ ‬تفكير‭ ‬وتذكر‭ ‬واستحضار‭ ‬مواقف،‭ ‬حتى‭ ‬يمكن‭ ‬للإنسان‭ ‬أن‭ ‬يعطي‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬حقه‭.‬

*‭ ‬لديك‭ ‬علاقة‭ ‬ملتبسة‭ ‬بالشعر‭ ‬بوصفه‭ ‬توسطا‭ ‬جماليا‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬حدين‭: ‬حد‭ ‬الحب‭ ‬المخملي‭ ‬الملهم‭ ‬والآسر،‭ ‬وحد‭ ‬القسوة‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬سطوة‭ ‬الموت‭ ‬كما‭ ‬صرحت‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬حواراتك‭. ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الشعر‭ ‬حبا‭ ‬رائعا،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬موتا‭ ‬قاسيا؟‭ ‬ألا‭ ‬يحيل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬هوة‭ ‬بين‭ ‬واقع‭ ‬المدينة‭ ‬حملتها‭ ‬في‭ ‬قلبك،‭ ‬وصورتها‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الخراب‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬عربيا؟‭ ‬

ـ‭ ‬الشعر‭ ‬احتياج‭ ‬إنساني‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬لأنه‭ ‬أكمل‭ ‬تفسير‭ ‬عن‭ ‬إنسانية‭ ‬الإنسان‭ ‬ومن‭ ‬حاجته‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين،‭ ‬وأكمل‭ ‬تعبير‭ ‬في‭ ‬اللغة،‭ ‬وهي‭ ‬وسيلة‭ ‬الإنسان‭ ‬بالاتصال‭ ‬بالآخرين‭. ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬تعني‭ ‬المدينة‭ ‬والحضارة‭. ‬الشعر‭ ‬كأنه‭ ‬وسيلتنا‭ ‬لأن‭ ‬نعيش‭ ‬معًا،‭ ‬ولكننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نتصل‭ ‬بهذه‭ ‬الوسيلة‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كنا‭ ‬نتمتع‭ ‬بأقصى‭ ‬الإخلاص‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الصدق‭. ‬إنّ‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الإخلاص‭ ‬والصدق‭ ‬مليء‭ ‬بالقسوة‭ ‬عنيف،‭ ‬لأننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نتعرض‭ ‬إلى‭ ‬القسوة،‭ ‬وحين‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬الحدّين‭: ‬المودة‭ ‬والموت،‭ ‬أي‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬والموت‭ ‬في‭ ‬قسوته،‭ ‬وأنا‭ ‬اعتبره‭ ‬انقطاعاً‭ ‬وعدمًا‭. ‬وربما‭ ‬تعتبر‭ ‬أيضاً‭ ‬حركة‭ ‬الشاعر‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬الحدّين‭ ‬ملهمة‭. ‬

*‭ ‬تصور‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬صبي‭ ‬من‭ ‬بيروت‮»‬‭ ‬في‭ ‬ديوان‭ ‬‮«‬مدينة‭ ‬بلا‭ ‬قلب‮»‬‭ ‬طفلا‭ ‬في‭ ‬العشرين‭ ‬‮«‬يملك‭ ‬قلب‭ ‬شاعر‭ ‬حزين‭/ ‬يحمل‭ ‬حزن‭ ‬اللاجئين‭/ ‬يملك‭ ‬روح‭ ‬شاعر‭ ‬ثائر‭/ ‬يداه‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭/ ‬في‭ ‬النار‭/ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الدم‭ ‬الهادر‭/ ‬عيناه‭ ‬في‭ ‬الآتي‭/ ‬يستشرفان‭ ‬النصر‭ ‬موقوتا‭ ‬بميقات‮»‬‭. ‬ترى‭ ‬من‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الطفل؟‭ ‬وهل‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬بيروت‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الشاعر‭ ‬أحمد‭ ‬عبد‭ ‬المعطي‭ ‬حجازي‭ ‬تملك‭ ‬قلبا‭ ‬للشعر‭ ‬والجمال‭ ‬والحياة؟‭ ‬ما‭ ‬رأيك‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬لبنان؟

ـ‭ ‬طبعاً‭ ‬بيروت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بيروت‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬تمثله‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬ليس‭ ‬بدعة،‭ ‬بل‭ ‬تراثًا‭ ‬قديمًا‭ ‬ضاربة‭ ‬جذوره‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬ثم‭ ‬هو‭ ‬تراث‭ ‬إنساني‭ ‬بيروت‭ ‬أي‭ ‬فينيقية‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬بشواطئه‭ ‬كلها‭. ‬التعدد‭ ‬الذي‭ ‬يملكه‭ ‬لبنان‭ ‬أيضاً‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬كبير‭. ‬كثيرون‭ ‬وللأسف‭ ‬الشديد،‭ ‬يتطرقون‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬نقيصة‭. ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬إنه‭ ‬غنى،‭ ‬وهم‭ ‬يجعلونه‭ ‬مرادفاً‭ ‬للتمزّق‭ ‬والواقع‭. ‬إن‭ ‬التعدد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬متاحاً‭ ‬للحوار‭ ‬والتبادل،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬ليست‭ ‬كتلك‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬أو‭ ‬خارجه،‭ ‬فخارجه‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬داخله‭ ‬ويحول‭ ‬التعدد‭ ‬إلى‭ ‬تمزّق‭ ‬ويفقده‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬منتظر‭ ‬منه‭. ‬لبنان‭ ‬يؤدي‭ ‬دوره‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬النهضة‭. ‬عندما‭ ‬نقرأ‭ ‬بين‭ ‬كتب‭ ‬حسين‭ ‬العطار‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وتقولا‭ ‬التركي‭ ‬مرورًا‭ ‬بما‭ ‬قدّمه‭ ‬أحمد‭ ‬فارس‭ ‬الشدياق‭ ‬وكبار‭ ‬الفنانين‭ ‬اللبنانيين‭ … ‬هذا‭ ‬الطفل‭ ‬الّذي‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬هو‭ ‬وجه‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬لبنان‭. ‬أساس‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬لبنان‭ ‬ومصر‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬القصة‭ ‬الحديثة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬العصور‭ ‬القديمة،‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بحثت‭ ‬إيزيس‭ ‬عن‭ ‬أدونيس‭ ‬فوجدته‭ ‬تحت‭ ‬شجرة‭ ‬أرز‭ ‬وعادت‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭. ‬يمكنني‭ ‬القول‭: ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يراه‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬هو‭ ‬اللبناني‭ ‬الذي‭ ‬يحول‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭ ‬إلى‭ ‬متعة‭ ‬وجمال‭ ‬ومحبة‭ ‬وعرس‭.‬

*‭ ‬هل‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬داع‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬طلل‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قراءات‭ ‬أيديولوجية‭ ‬للتراث،‭ ‬وفهم‭ ‬مستغلق‭ ‬له،‭ ‬ونكوص‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تأويل‭ ‬حداثة‭ ‬الأسلاف؟‭ ‬هل‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬التراث‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتجاوزه‭ ‬بعد‭ ‬استيعابه‭ ‬جيدا؟‭ ‬أم‭ ‬نعمل‭ ‬على‭ ‬الإقامة‭ ‬فيه‭ ‬برؤية‭ ‬تراثية‭ ‬ضيقة؟

ـ‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نستوعب‭ ‬التراث‭ ‬ونتحرر‭ ‬منه،‭ ‬لأن‭ ‬التراث‭ ‬أساسه‭ ‬الخبرة‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬لنا‭ ‬لكي‭ ‬نضيف‭ ‬إليه،‭ ‬وإلا‭ ‬سيصبح‭ ‬شكلًا‭ ‬ولو‭ ‬أننا‭ ‬أقمنا‭ ‬فيه،‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬سجن‭. ‬أما‭ ‬التراث‭ ‬الذي‭ ‬يعطي‭ ‬نفسه‭ ‬فيزودك‭ ‬بالطاقة‭ ‬يجعلك‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تجاوزه‭ ‬بالقبول‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الآباء‭ ‬المحترمين‭ ‬الّذين‭ ‬يتمنّون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أبناؤهم‭ ‬أفضل‭ ‬منهم‭. ‬فلكي‭ ‬يكون‭ ‬تراثاً‭ ‬وحتى‭ ‬وخلوقاً‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يدفعنا‭ ‬لتجاوزه‭ ‬والإضافة‭ ‬إليه‭.‬

*‭ ‬تقول‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬طلل‭ ‬الوقت‮»‬‭: ‬‮«‬شجر‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬المكان‭/ ‬وجوه‭ ‬غريقه‭ ‬في‭ ‬المرايا‭/ ‬وأسيرات‭ ‬يستغثن‭ ‬بنا‭/ ‬شجر‭ ‬راحل‭/ ‬ووقت‭ ‬شظايا‭/..‬‮»‬‭ ‬هو‭ ‬الطوفان،‭ ‬هل‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سفينة‭ ‬نوح‭ ‬أخرى‭ ‬لكي‭ ‬ننقذ‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬اليابسة‭ ‬التي‭ ‬تفتت‭ ‬عظامنا‭ ‬بتعبير‭ ‬أمل‭ ‬دنقل؟

ـ‭ ‬نقول‭ ‬في‭ ‬طلل‭ ‬الوقت‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سفن‭ ‬كثيرة‭. ‬إن‭ ‬سفينة‭ ‬نوح‭ ‬لم‭ ‬تنقذ‭ ‬إلا‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جنس‭ ‬ممثل،‭ ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تنقذ‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬بل‭ ‬تركت‭ ‬معظم‭ ‬الأشياء‭ ‬لتلقى‭ ‬مصيرها‭. ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إنقاذ‭ ‬البشرية‭ ‬كلها‭ ‬والحياة‭ ‬والطبيعة‭. ‬الطبيعة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬تتراجع‭. ‬الكائنات‭ ‬تتعرض‭ ‬الأخطار‭ ‬والتحديات‭. ‬أصبحنا‭ ‬نعيش‭ ‬متعبين‭ ‬من‭ ‬جنون‭ ‬يحدث،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬النتيجة‭ ‬الفناء‭ ‬بوساطة‭ ‬هذه‭ ‬الأسلحة‭ ‬الفتّاكة‭ ‬الحديثة،‭ ‬أظن‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الأخطار‭ ‬هناك‭ ‬مؤسسات‭ ‬ومنظّمات‭ ‬قامت‭ ‬لترعى‭ ‬السلام،‭ ‬وتحقق‭ ‬التواصل‭ ‬والتبادل‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬البشر،‭ ‬وتقيم‭ ‬الحق‭ ‬وتضع‭ ‬لكل‭ ‬شيء‭ ‬قانوناً،‭ ‬البشرية‭ ‬تقدمت‭ ‬لكن‭ ‬الأخطار‭ ‬تتزايد،‭ ‬نحن‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬لكي‭ ‬ننقذ‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬شيئًا‭ ‬ونترك‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى‭. ‬مثلاً‭ ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الحضارة‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬أعمال‭ ‬كبرى‭ ‬وتراث‭ ‬أساسي‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه،‭ ‬لكن‭ ‬أيضاً‭ ‬هناك‭ ‬أعمال‭ ‬مجهولة‭ ‬محدودة‭ ‬القيمة‭ ‬تخص‭ ‬جماعات‭ ‬صغيرة،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬العولمة‭ ‬تنسى‭ ‬وتفنى‭. ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للبشرية‭ ‬أن‭ ‬تنفذ‭ ‬هذا‭ ‬كله؟‭ ‬وفي‭ ‬ظني‭ ‬ـ‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نرفع‭ ‬أصواتنا‭ ‬ضد‭ ‬آثار‭ ‬التوحش،‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬معمولاً‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬والدول،‭ ‬وأن‭ ‬نخرج‭ ‬من‭ ‬التفرد‭ ‬ونطهر‭ ‬البشرية‭ ‬وننقذ‭ ‬ما‭ ‬تضحي‭ ‬به‭ ‬للفناء‭ ‬والرماد‭. ‬ما‭ ‬نعانيه‭ ‬الآن‭ ‬الإرهاب‭ ‬باسم‭ ‬الدين‭ ‬والعنف‭ ‬الشديد‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬التوحش‭ ‬يستحيل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حضارة‭ ‬وإنسانية،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يتصور‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬فجأة‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬قنبلة‭ ‬يفجر‭ ‬نفسه‭ ‬والآخر‭. ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الثقافة‭ ‬ان‭ ‬تبقى‭ ‬وتغني‭ ‬الثقافات‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يراها؟‭ ‬

*‭ ‬هل‭ ‬استطعت‭ ‬أن‭ ‬تقتل‭ ‬‮«‬مدينة‭ ‬بلا‭ ‬قلب‮»‬‭ ‬وهيمنتها‭ ‬على‭ ‬صوتك‭ ‬الشعري؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬مدينة‭ ‬بلا‭ ‬قلب‮»‬‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬قصيدة‭ ‬خرساء‮»‬‭ ‬بتحديداتك‭ ‬النظرية‭ ‬جراء‭ ‬تنميطها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعتماد‭ ‬معيار‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬العالمية؛‭ ‬إذ‭ ‬حققت‭ ‬الشرط‭ ‬الحداثي‭ ‬الذي‭ ‬وضعته‭ ‬سوزان‭ ‬برنار‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمجانية،‭ ‬والعضوية،‭ ‬والتكثيف‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬قصيدة‭ ‬حرة؟‭ ‬ألا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬النصوص‭ ‬الجميلة‭ ‬تبدع‭ ‬شكلها‭ ‬الخاص،‭ ‬ولغتها‭ ‬الخاصة‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬جمالية‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الأمر‭ ‬مع‭ ‬تجربة‭ ‬بودلير؟

ـ‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬أطلعني‭ ‬على‭ ‬أشياء‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬منتبهاً‭ ‬إليها،‭ ‬وهي‭ ‬استمرار‭ ‬مدينة‭ ‬بلا‭ ‬قلب‭ ‬في‭ ‬المجموعات‭ ‬التالية‭ ‬لها،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬القرابة‭ ‬التي‭ ‬وجدتها‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬الشعر‭ ‬الحر‭ ‬وقصيدة‭ ‬النثر،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هذه‭ ‬السمات‭ ‬التي‭ ‬حددتها‭ ‬سوزان‭ ‬برنار‭. ‬مؤكد‭ ‬إنّ‭ ‬العالم‭ ‬هو‭ ‬نفسه،‭ ‬وهو‭ ‬استمرار‭ ‬له‭ ‬ولكن‭ ‬أحياناً‭ ‬القصيدة‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬واقعة،‭ ‬والتالية‭ ‬تدور‭ ‬حول‭  ‬الواقعة‭ ‬ذاتها،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬ذكرى‭ ‬عندئذٍ‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬بين‭ ‬التجربة‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬تستغرق‭ ‬الشاعر‭ ‬وتنطقه‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحنين‭ ‬والتذكر،‭ ‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفسر‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬نتنقل‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الديوان‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬الديوان‭ ‬الأخير،‭ ‬لأنّ‭ ‬طلل‭ ‬الوقت‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬تذكراً‭ ‬للخبرة‭ ‬التي‭ ‬نظمت‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬الديوان‭ ‬الأول‭ ‬حاولت‭ ‬من‭ ‬الأخير‭ ‬أن‭ ‬أصنع‭ ‬من‭ ‬الذكريات‭ ‬أطلالًا‭ ‬للوقت،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬القديم‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬الطلل‭ ‬المتكرر‭ ‬فأنا‭ ‬جعلت‭ ‬طللاً‭ ‬للزمان،‭ ‬وعندما‭ ‬تنجح‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬الزمن‭ ‬طللاً‭ ‬تستطيع‭ ‬التحرك‭ ‬بين‭ ‬الزمن‭ ‬الواقع‭ ‬والزمن‭ ‬المستعاد‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭.‬

*كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬شعرا‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬شعرا‭ ‬ناقصا‭ ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬حواراتك؟‭ ‬هل‭ ‬تزعجك‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر؟

ـ‭ ‬أحياناً‭ ‬تسعدني‭ ‬جداً‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر،‭ ‬ولكنني‭ ‬قد‭ ‬أقع‭ ‬في‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬مواقفي‭ ‬هذا‭ ‬عندما‭ ‬أقول‭ ‬إنها‭ ‬تسعدني،‭ ‬وكنت‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬تكتمل‭ ‬بالإيقاع‭ ‬الظاهر‭ ‬لأنني‭ ‬لا‭ ‬أشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬الجيّدة‭ ‬فيها‭ ‬إيقاع‭ ‬مؤكّد‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬منظم،‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬إيقاع‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬الإيقاع‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬العروض‭ ‬والوزن‭. ‬قد‭ ‬أقع‭ ‬في‭ ‬خطأ‭ ‬لأنني‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬أشعر‭ ‬بالمتعة‭ ‬وأنا‭ ‬أقرأ‭ ‬قصيدة‭ ‬وأدعي‭ ‬أنها‭ ‬ناقصة؟‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬أمتعتني‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬ناقصة‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭. ‬أنا‭ ‬أقرأ‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬أجد‭ ‬إنتاجاً‭ ‬جيداً‭ ‬وأستطيع‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إنه‭ ‬شعر‭ ‬حقيقي،‭ ‬ولكنني‭ ‬دائماً‭ ‬أفتقد‭ ‬الوزن‭ ‬وأقول‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬أنّ‭ ‬الشاعر‭ ‬المجيد‭ ‬التزم‭ ‬بهذه‭ ‬الأداة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعطله‭ ‬أو‭ ‬تنقص‭ ‬من‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر،‭ ‬بل‭ ‬تضيف‭ ‬إلى‭ ‬موهبته‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬علاقات‭ ‬بين‭ ‬المفردات‭ ‬غير‭ ‬معتادة،‭ ‬واستخدام‭ ‬مجاز‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يعطينا‭ ‬شعراً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬لأنه‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬لغة‭ ‬أخرى‭. ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬أضيف‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬الوزن،‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬متأثراً‭ ‬بثقافتي‭ ‬ولكن‭ ‬أعتقد‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬محدودة‭ ‬بثقافة‭ ‬جيل،‭ ‬بل‭ ‬لها‭ ‬قيمة‭ ‬موضوعية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأجيال،‭ ‬هنا‭ ‬أقصد‭ ‬الوزن‭ ‬كما‭ ‬تحدّثت‭ ‬عن‭ ‬لغة‭ ‬الشعر‭ ‬والمجاز،‭ ‬فهذه‭ ‬اللغة‭ ‬المجازية‭ ‬أصبح‭ ‬شعراء‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭ ‬يستخدمونها‭ ‬بتفوق‭ ‬ويقدمون‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬كثيرون‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الشعر‭ ‬الموزون‭ ‬أن‭ ‬يقدموه،‭ ‬لأنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يستخدمون‭ ‬لغة‭ ‬التقرير‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يستخدمون‭ ‬لغة‭ ‬المجاز‭. ‬أنا‭ ‬أحب‭ ‬القصيدة‭ ‬الجيدة‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر،‭ ‬كما‭ ‬أحب‭ ‬القصيدة‭ ‬الجيدة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الموزون‭.‬

*هل‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬تحلم‭ ‬بكتابة‭ ‬مسرحية‭ ‬شعرية؟‭ ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬سيرتك‭ ‬الذاتية‭ ‬المؤجلة؟

ـ‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬أحلم‭ ‬بكتابة‭ ‬مسرحية‭ ‬شعرية‭ ‬وهناك‭ ‬مشروع‭ ‬بدأت‭ ‬به‭. ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬المؤجل‭ ‬هو‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬نظرت‭ ‬فيه‭ ‬أمس‭. ‬فأنا‭ ‬مشغول‭ ‬وأتمنى‭ ‬لو‭ ‬أني‭ ‬استطعت‭ ‬أن‭ ‬أنجز‭ ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬سيسمح‭ ‬لي‭ ‬الوقت‭ ‬أم‭ ‬لا‭. ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬المؤجلة،‭ ‬عشت‭ ‬حياة‭ ‬واسعة‭ ‬وتجارب‭ ‬مختلفة‭ ‬وخبرات‭ ‬وأستطيع‭ ‬أن‭ ‬أقدم‭ ‬شهادة‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬إنسان‭ ‬مثلي‭ ‬أكيد‭ ‬له‭ ‬خبرة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬خبرات‭ ‬الآخرين‭ ‬ويستطيع‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بذلك‭ ‬اذا‭ ‬تحلى‭ ‬بقدر‭ ‬كاف‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬والصدق‭..‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية