ليست بنا حاجة للتوكيد أن الترجمة، أو النقل، بلغة جدّنا الجاحظ (159 ـ 255هـ/776 ـ 868م) هي مسألة ثقافية بالدرجة الأولى. فالناقل يجب أن تتيسر له معرفة دقيقة باللغة المنقول منها والمنقول إليها، نحواً وصرفاً واشتقاقاً وتاريخاً وثقافة، إلى جانب معرفة طيبة بلغة أو لغات أخرى تتصل باللغتين تاريخاً وثقافة. ولا تفيد عند ضعف أو عدم تيسر هذه المعرفة أو الثقافة أية «نظرية» في الترجمة، مما صرنا نسمع بها في العقود الأخيرة. فلم تكن ثمة من نظرية للترجمة لدى قسطا بن لوقا البعلبكي ولا عند تراجمة «بيت الحكمة» التي كان يرعاها الخليفة المأمون العباسي، أولئك الأفذاذ الذين نقلوا إلى العربية أمهات الكتب عن الإغريقية أو الفارسية أو الهندية، ولو بتوسط لغة أخرى. كما لم يكن ثمة من «نظرية» في الترجمة لدى تراجمة الملك الفونسو العاشر ـ الحكيم (1221 ـ 1284) ملك قشتالة وليون، الذي كان يقلد نشاط المأمون في «بيت الحكمة» فنقل من التراث العربي الأندلسي ما أغنى ثقافة قومه من اللاحقين. في هاتين الحالتين كان الناقل يعتمد على معرفته اللغوية وعلى ثقافته في ما ينقل من لغة إلى أخرى.
وفي بلادنا العربية ظهرت بواكير الترجمة في العصور الحديثة قبل قرن من الزمان تقريبا، بجهود فردية في بلاد الشام وفي مصر. ومن الطبيعي أن نجد ثقافة الناقل من هذين البلدين متأثرة بلفظه بالدرجة الأولى، إلى جانب معرفته اللغوية والثقافية. وكان النقل عن الفرنسية أولاً، وجاءت الإنكليزية ثانياً، وفي ستينات القرن الماضي ظهر نشاط ملحوظ في سوريا من النقل عن الروسية، فأتاح ذلك النشاط المبارك أمام المتأدب العربي عدداً طيباً من الروايات الروسية، كانت جديدة على القارئ العربي. لكن ذلك النشاط لم يتواصل مع الأسف الشديد.
واختلاف النطق بالحروف في شرق البلاد العربية وغربها تسبب في أختلاف رسم الحروف «الأعجمية» وهذا ما يعنيني هنا. فثمة أربعة حروف أعجمية هي P ـ V G- و CH ترسم بأشكال مختلفة في المشرق العربي وفي مغربه وأحيانا بشكل ثالث في بلاد الشمال الأفريقي العربية.
وقد تسبب هذا بكثير من البلبلة، فالحرف P هو ابن عم الحرف B حسب قانون Grimm في الصوتيات، والحرف V هو ابن عم الحرف F، وكذلك علاقة الحرف G بالحرف K، وعلاقة CH بالحرف ج بالصوت العربي. وقد أدى ذلك، ربما لا شعورياً، أن يكتب الناقل العربي اسم Paul بحرف الباء العربي ، مما قد يسبب بعض الإحراج، ويكتب إنكلترا، فكتوريا، وصارت CH ترسم «تش» مثل «تشرشل» ولا أدري لماذا ليس «تشرتشل» مثل «تاتشر». أما حرف G فقد ورد على رسم غ قياساً على Granada غرناطة. و»غريغوري» و»غرينتش» ومن هذا كثير.
أحسب أن للسريانية بعض الآثر في نطق أهل الشام، من سوريا ولبنان، ويتضح هذا الأثر في الزجل اللبناني والأغاني في البلدين. ينقلب لفظ التاء إلى طاء، مثل: تراب/طراب. فصارت «ايتاليا» إيطاليا، و»توماتو» طماطة، طماطم، و»توباكو» طباق. أما حرف G فينطق ج في مصر، ونقلته عنهم دول الخليج منذ بداية التعليم فيها على ايدي مدرسين مصريين في أربعينات القرن الماضي. صار الشائع: الانجليزية، وجرجوري، جرنتش، فأين يقف القارئ العربي من هذه الاختلافات في نطق الاسماء الأعجمية؟
لقد حل «الأعاجم» هذه المشكلة منذ اعتنق الإسلام أقوام من الفرس والهنود والأتراك. فقد وضعوا ثلاث نقاط تحت حرف الباء لتقابل حرف p الإعجمي، وثلاث نقاط تحت حرف الجيم لتقابل لفظ CH، وثلاث نقاط فوق حرف الفاء لتقابل لفظ V وخطاً فوق حرف الكاف ليقابل حرف G. ونجد هذا إلى اليوم في الخط الفارسي والأردو كما في الخط التركي العثماني.
أما من جهة المعرفة اللغوية أو الثقافية فقد تسبب ضعف الناقل فيها إلى اختلافات في المفهوم، هو أشد ضرراً من الإختلاف في رسم الحروف الأعجمية فكلمة «تراجيديا، كوميديا» من الإغريقية نقلت إلى «مأساة» وهي كلمة قريبة ولو غير دقيقة تماماً، وإلى «ملهاة» وهي خطأ، فبعض «الكوميديات» تعبّر عن حزن أو أسى، أو نقد وسخرية. لذا يكون الأصوب الإبقاء على «كوميديا». قصيدة «دانته» الكبرى «الكوميديا الإلهية» ليست ملهاة على الإطلاق، لأن كلمة «كوميديا» في أصلها الإيطالي تفيد «قصيدة عن موضوع جاد بلغة عامية» وهي «لاتينية العوام» بلغة «دانته» أي الإيطالية، تلك العامية الأولى التي أنسلخت عن اللاتينية.
ويكون ضعف الثقافة لدى الناقل، أو تقصيره في بعض جوانبها، مدعاة للسخرية أحيانا، أو سبباً يؤدي إلى سوء الفهم أحياناً أخرى. أذكر أنني حاولت مرة قراءة التعليمات حول تشغيل ماكنة غسيل ملابس من صناعة المانيا (الشرقية) وكانت التعليمات مكتوبة بالألمانية والروسية وأمثالها، وبلغة عربية عجيبة، أدركتُ للتوّ أنها ترجمة كمبيوتر أو ما شابه. تتحدث التعليمات عن «الطبخة» الأولى و»الطبخة الثانية». فقلت ربما هذا خطأ غير مقصود فقد وضعت تعليمات «فرن الطبخ» في علبة غسالة الملابس. ولكن العبارة الالمانية تقول Kuche، من الفعل Kuchen التي تفيد «الغليان» مثل غليان الماء أو فورته، قبل أن تفيد «الطبخ». والماكنة غير البشرية، أو القاموس إنما تعطي مقابل الكلمة، وعلى الإنسان الناقل أن يستعمل العقل والثقافة، لكي ينعم «بغسيل» نظيف، لا «طبخة» محروقة!
وفي فيلم أمريكي عرض مشهداً لولدين يلعبان الكرة في حديقة دار مفتوح بابها. صادف أن قذف أحد الولدين الكرة، فدخلت من الباب المفتوح، فركض لاستعادتها، فوجد والده مع ضيف، فاعتذر قائلاً «عفواً يا أبي، ما كنت أعرف أن عندك شركة». هكذا ورد في الترجمة الكمبيوترية. Company في الدارجة الأمريكية، خاصة، تعني ضيوف. لكن جهاز الترجمة اختار أول معنى: شركة، قد تكون مساهِمة، أو محدودة الأسهم.. أو شركة بناء… أو طبيخ، مثلاً.
مثل هذا الضعف في الثقافة العامة، أو الخاصة، أو الكسل في التدقيق عند ورود مفردة أو عبارة غير مالوفة للناقل، قد يتسبب في سوء فهم المنقول، بشكل يقلب المعنى أحياناً. أخطر هذه الأمثلة نجدها في ترجمة النصوص الدينية، و»ترجمة معاني القرآن الكريم» مثال على ذلك. يحضرني مثال عمل عبد الله يوسف علي، الهندي المسلم، الذي نشر في 1934 كتابه الذي اشتغل عليه «وحده» لثلاث سنوات»، لو عرضه على ناطق العربية، مسلم، يُحسن الانكليزية، لتجنّب كثيراً من الأخطاء التي أساءت إلى هذا العمل الكبير. اعتماداً على أحدث نسخة «محققة» وجدت عدداً كبيراً من الأخطاء القائمة على المعنى الحرفي المعجمي هو ترجمة كلمة «أمر» بمعناها الحرفي الذي يفيد اعطاء الأوامر للتنفيذ. لكن «قل الروح من أمر ربّي» تعني شأن يخص الله ولا تعني ان الله «يأمر الروح» فتأتي اليه. ثم «الروح» هنا تفيد soul وليس spirit. كلمات: صلاة، حج، عبادة يجب الابقاء على لفظها العربي لأنها لا تفيد prayer، pilgrimage، slavery. كلمة عبد الله لا تفيد slave of Allah بل worshipper بمعنى العبادة وليس العبودية. فكلمة عبد، عباد ترد اكثر من 350 مرة في القرآن الكريم بمعنى العبادة «واذا سألك عبادي عني…» و»عباد الرحمن الذين يمشون في الأرض هونا…» ولا ترد كلمة «عبد» و»عبيد» بمعنى العبودية الا مرتين اثنتين. ثم «صبغة الله التي فطر الناس عليها» لا تفيد «اللون الأحمر الذي يضعه المسلمون القدامى في ماء العماد» بل تفيد «الفطرة» التي فُطر الناس عليها. أما معمودية الماء فلم يعرفها الإسلام، فما الذي ذكّر المسلم الهندي بيوحنا المعمدان؟
د. عبد الواحد لؤلؤة