«القدس العربي»: قبيل ساعات من اجتماع الهيئة العليا للمفاوضات بالمبعوث الأممي إلى سوريا في قصر الأمم المتحدة في جنيف، وجهت روسيا والنظام السوري صفعة قوية للمعارضة بوصولها إلى بلدتي نبل والزهراء في ريف حلب الشمالي، بعد تمهيد جوي روسي بأكثر من 300 غارة جوية وآلاف صواريخ الراجمات والمدفعية، تقدمت بعدها قوات النظام والميليشيات متعددة الجنسيات المرافقة له.
وهذا التطور هدد بانهيار «مباحثات السلام» بعد ضغوط من المعارضة العسكرية على وفد الهيئة العليا، مطالبة إياه بالانسحاب أمام الخسارة العسكرية الكبيرة التي حدثت بغطاء جوي روسي، ما دفع دي ميستورا لتعليق المفاوضات حتى الخامس والعشرين من الشهر الجاري.
وعزا الباحث الاستراتيجي، عبد الناصر العايد، الخسارة الكبيرة التي منيت بها فصائل الثوار إلى «الكثافة النارية التي استخدمتها القوات الروسية، والخطط التكتيكية الملائمة التي وضعها الخبراء الروس للميليشيات المقاتلة إلى جانب النظام، بعد أن أعادوا تنظيمها وهيكلتها».
وقال العايد، في تصريح لـ«القدس العربي»: «إن العمليات الروسية اتبعت سياسة التركيز وحشد القوى على منطقة محددة والاستمرار بالضغط عليها حتى انتزاعها».
وحاولت الميليشيات الحليفة للنظام، صباح يوم الجمعة الماضي، توسيع الطريق الذي فتحته بين تل جبين ونبل والزهراء. لكن فصائل الثوار صدت التقدم وأوقعت عشرات القتلى في صفوف الميليشيات «الشيعية» المتقدمة، ومن المتوقع أن تكون وجهة الميليشيات القادمة كفرية والفوعة لأن «إيران تحرص بشكل كبير على إشعار الشيعة في سوريا والمنطقة العربية بأنها الحامية لهم» حسب تعبير العايد.
وشكلت فصائل ريف حلب الشمالي الثورية مجلساً عسكرياً ضم كل فصائل الجيش الحر، ولم تدخل النصرة فيه كونها أصبحت معزولة جنوب الطريق الذي تقدمت منه الميليشيات «الشيعية» ليتركز عملها جنوب باشكوي.
وأشار الخبير العسكري، العقيد أديب عليوي، في حديث لـ «القدس العربي»، إلى أن «على الفصائل إنشاء غرفة عمليات مركزية، وأن تتجمع تحت غرفة العمليات، وإفساح المجال للضباط العسكريين من ذوي الخبرة، دون انتقاص من القادة الميدانيين». ودعا إلى العودة إلى أسلوب المعارك الأول في الثورة وهو حرب العصابات، وخصوصاً في جبلي التركمان والأكراد، كون المنطقة تساعد على خوض حرب المجموعات الصغيرة، وشدد على «استخدام الأرض بشكل جيد وخصوصا التحصين الهندسي وحفر الخنادق».
من جهته، وبسبب غياب الصواريخ المضادة للطيران لدى المعارضة، علق العايد على طريقة التعامل اللازمة، قائلاً: «لا مفر من التواري وتحاشي ضرباته، وفتح جبهات سريعة في المحاور التي لا يعمل عليها، لأن الطيارين الروس يعملون وفق خطط محضرة مسبقاً، وإعادة تحضير عمل جديد يحتاج إلى الوقت، يمكن للثوار الانسحاب خلاله إلى مناطق أخرى، وهكذا تصبح العمليات الجوية عملية مطاردة دائمة لهم، وليس قصفا مركزا باردا كالذي يحدث الآن».
وعن الدور الروسي، قال الباحث الإستراتيجي في مركز الشرق للسياسات، مصعب الحمادي، لــ«القدس العربي»: «إن هدف روسيا في سوريا واضح منذ اليوم في الأزمة. وهي لم تكذب لا على النظام ولا على المعارضة، ولم تخف نواياها عن أحد. فروسيا تعارض تغيير النظام السوري وتسعى للحفاظ عليه بكل بنياته القمعية العسكرية والأمنية، وهي ترى في الثورة السورية مجرد مؤامرة غربية للإضرار بمصالح موسكو في هذا البلد الذي كان وما زال عنصراً مهماً في المنظومة الجيوبوليتيكية السوفييتية الروسية».
وبعد كل التطورات العسكرية التي حصلت وخسارة النظام لمعظم أنحاء البلاد، «تسعى روسيا لتأمين مناطق السيطرة الأهم في الساحل السوري ومنطقة اللاذقية الكبرى بما يؤمّن موطئ القدم الروسية شرق المتوسط، والتي ستلعب دوراً حاسماً في التحكم بخطوط نقل الغاز والطاقة في المستقبل»، حسب الحمادي.
وعن دور الأسد في المرحلة المقبلة، ومسار العملية السياسة القائمة في جنيف، يرى الحمادي أن «روسيا تريد إشراك شخصيات من المعارضة في حكومة وحدة وطنية تحت سقف النظام الحالي، وقد لا تمانع بتغيير رأس النظام بالأثناء، لكنها لن تتنازل دون ما هو أقلّ من ذلك أبداً، وخصوصاً في ظل التفاهمات الضمنية التي عقدتها مع واشنطن، التي تركت الملعب والنزال في سوريا وخذلت المعارضة إلى أبعد حد».
ويرى مراقبون ومعارضون أن تعليق المفاوضات حتى الخامس والعشرين من شباط/فبراير الجاري ليس إلا فرصة أعطاها دي ميستورا لروسيا بموافقة أمريكية، من أجل الضغط العسكري على المعارضة، فاستمرار القصف الروسي بدون رادع قد يحرج المعارضة بشكل كبير، مع الخشية من الحصار الكامل لمدينة حلب، أو التقدم للسيطرة على مناطق جديدة في تل رفعت، وصولا إلى الحدود التركية في اعزاز.
منهل باريش