بغداد والمسألة اليهودية… ملك السعودية وأرامكو

حجم الخط
0

تجري في العراق هذه الأيام مناقشات جماهيرية مثيرة لاهتمام شديد لمئات آلاف الإسرائيليين. وكل ذلك بفضل ارفين شوكر، من مواليد بغداد. فقد أجرت القناة التلفزيونية الأمريكية بالعربية «الحرة» مقابلة باللغة العربية مع شوكر الذي توجه إلى الحكومة العراقية بطلب لإعادة المواطنة العراقية لليهود. ووصلت أقواله إلى بغداد ونمت لها أجنحة. شوكر ليس عراقيًا فقط، بل يهودي وبريطاني أيضًا، ومنذ عشرات السنين وهو يسكن في لندن، حيث أنشأ عائلته. ويعمل نائبًا لرئيس مجلس أمناء يهود بريطانيا. في بداية الخمسينيات مع هجرة اليهود من العراق، وكخطوة ثأرية، سحبت المملكة العراقية منهم مواطنته، أما شوكر فيطلب أصلاح الظلم.
«أبي أعطاني هدية، هويتي، التي تلقاها هو أيضًا من أبيه»، قال في المقابلة. «هذه الهدية ورثناها منذ 2.600 سنة من الأب إلى الابن دون توقف. وأريد أن أمنحها لأبنائي». وروى بأنه قريبًا سيرفع التماسًا إلى المحكمة الفيدرالية العليا في بغداد بطلب استعادة المواطنة. «منذ 2003 في كل مرة كنا نطلب فيها ذلك يقولون لنا انتظروا قليلًا، فالشعب سيستصعب قبول ذلك. وفي هذه الأثناء تنقضي السنون، والآن حان الوقت للتوجه إلى الهيئات القضائية».
سيكون شوكر أحد المشاركين في الالتماس الذي سيشارك فيه أيضًا غير يهود يؤيدون نداءه. وتحمل هذه المسألة معاني تاريخية، وثقافية، وسياسية بل واقتصادية، ولكنها في هذه المرحلة تخلق معضلة قضائية أساسًا. فالدستور العراقي الذي وقع في عام 2005 يقضي بأن العراقي هو من ولد لأب عراقي أو لأم عراقية، وأن الأمر منصوص عليه في القانون. وكما تقول المادة 18 من الدستور أنه لا يمكن سحب المواطنة ممن ولد عراقيًا، لأي سبب كان، وكل من سحبت منه من حقه أن يستردها على أن ينص القانون على ذلك. ووفقًا لهذه المادة فإن يهود بابل جميعًا، أبناءهم وأنسالهم، يستحقون المواطنة تلقائيًا. المشكلة هي أن المادة 18 تصطدم بسجل القوانين.
يتضمن القانون العراقي سلسلة مواد مناهضة لليهود تبلورت ببطء منذ الخمسينيات وحتى عهد صدام. أحد هذه القوانين هو «قانون الرقابة والإدارة لأموال اليهود ممن سحبت مواطنتهم العراقية»، الذي عدل آخر مرة في عام 1963. ويقضي هذا القانون بأن سحب المواطنة في تلك السنوات، 1950 و 1951 لا تمنح اليهود الحق بالمواطنة. قانون آخر يقول إن اليهودي الذي حصل على مواطنة أخرى تسحب منه مواطنته العراقية.
ورغم ذلك، أثبتت بغداد هذا الأسبوع بأنها ليست لامبالية تجاه المسألة اليهودية. رائد فهمي، أحد المرشحين لرئاسة الحكومة، أعرب عن تأييده لحقهم في تلقي المواطنة. فهمي ليس شخصية هامشية، فهو خريج السوربون في باريس ومدرسة الاقتصاد في لندن. كل حياته الراشدة كان عضوًا في الحزب الشيوعي الذي لاحقه صدام، وبعد إسقاط الطاغية في 2003 انخرط في الحياة السياسية. في شهر أيار جرت هناك انتخابات، وإلى المكان الأول وصل «مواصلو الإصلاح»، كتلة من سبعة أحزاب بقيادة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. ولا تزال المحادثات لتشكيل الائتلاف متواصلة، بأعصاب متوترة. إذا نجح رؤساء «مواصلو الإصلاح» في ترجمة إنجازاتهم في الانتخابات إلى انتصار سياسي، فسيعين فهمي رئيسًا للوزراء.
في مقابلة صحافية قال فهمي إن للعراق التزامًا تجاه اليهود، ولهذا يجب دراسة الموضوع جيدًا. وأشار إلى أنه «من ناحية مبدئية وأخلاقية، نحن نؤيد منح الحقوق لكل مواطن، بمن فيهم اليهود. جيد أن يجري بحث اجتماعي في المسألة يؤدي إلى نتيجة منطقية وبعيدة عن التطرف».
تحدث فهمي بحذر شديد. فقد اجتهد للإعراب عن تأييد للفكرة ولكنه لم يتخذ صورة من يتحفز لتشجيعها، وشدد على أن «توقيت البحث في مسألة إعادة المواطنة لليهود ليس ملائمًا»، أو بتعبير آخر، لم ينضج الأمر بعد. وفي أقواله هذه، أشار فهمي إلى الفيل الذي في الغرفة: معظم يهود العراق يسكنون في إسرائيل، ومنح مواطنة عراقية لليهود الذين غادروا معناه إضافة مئات آلاف الإسرائيليين إلى السجل السكاني. خطوة كهذه ستستقبل بعين العطف من ملايين العراقيين، ولكن الجيران لن يسمحوا بالتغيير بسهولة. فإيران تجلس على دجلة، وقدماها مغروستان عميقًا في السياسة العراقية.
لا يعتقد أحد بأنه بإصلاح الظلم ستعود جموع اليهود إلى المدن التي نزحوا عنها، ولكن العراق اليوم يبني نفسه من جديد، ويعرف أبناؤه جيدًا أن اليهود مجربون في بناء الدولة، وهو يتمنى أن يأتوا للمساعدة في جهوده، على الأقل بالعلم وبالمشورة. أما اليهود من جهتهم، فيريدون للجرح الذي فتح في قلوبهم أن يلتئم في يوم من الأيام. وهناك بينهم من يتمنون استعادة الممتلكات التي تركوها وراءهم.
فما الذي ستقرره المحكمة الفيدرالية العليا إذن إذا ما طرحت المسألة أمامها؟ في العراق أيضًا ينصت القضاة لميل النخب، وهم يعرفون أن قرارًا كهذا سيحدث عاصفة في صفوف المعسكر المؤيد لإيران. وعليه فستكون مفاجأة كبرى إذا ما أمروا بإعادة مواطنة اليهود لهم فورًا. ومع ذلك، فإن المحكمة الفيدرالية هي حامية الدستور. وحسب السيناريو المعقول جدًا، فسيقبل القضاة الالتماس، ولكنهم سيأمرون السلطة التشريعية بالشروع بإجراء تعديل القوانين، ومن تلك اللحظة ستنتقل الكرة إلى البرلمان. هناك يمكن للمشرعين أن يتحكموا بالجدول الزمني لعملية التشريع وتسريعها إن شاؤوا، أو التسويف فيها. كل هذا وفقًا للتطورات السياسية.
نهرا بابل، حيث أقمنا وبكينا، سينتظران قليلاً.

تسريب نفط

ليس كل شيء، كما يتبين، يبقى في العائلة؛ فأحيانًا يتسرب بعض منه إلى الخارج. هذا ما حصل هذا الأسبوع مع الأسرة السعودية المالكة، فقد كشفت وكالة «رويترز» للأنباء النقاب عن أن ولي العهد الشاب والنشط، الأمير محمد بن سلمان، سعى إلى اكتتاب 50 في المئة من أسهم شركة النفط الوطنية أرامكو، وكان يفترض بالاكتتاب أن يتم وفقًا لقيمة الشركة 2 تريليون دولار. وحسب هذا التقدير، سيعطي الاكتتاب 100 مليار دولار (لغرض المقارنة، فإن الميزانية السنوية لإسرائيل تقترب من 130 مليار دولار). هذا مال سيدفع بدم جديد إلى الاقتصاد السعودي، وبوسعه مثلاً أن يعوض المالية السعودية عن ثلاث سنوات حرب في اليمن وعن سبع سنوات حرب في سوريا، حيث أفسدت مبالغ طائلة من أجل إعادة تصميم السياسة في هاتين الدولتين ـ وبالطبع دون نجاح.
يقود الأمير محمد (32 سنة) المشروع لتنمية السعودية الذي يسمى «رؤيا 2030»، والذي يتخذ السنة التي وضعت لاستكمال المشروع. وحسب هذه الرؤيا، ففي غضون 12 سنة ستصبح السعودية موضع جذب لملايين السياح، وستدمج النساء بجموعهن في سوق العمل، وستكون مصادر الطاقة فيها متنوعة جدًا. وسيتمتع سكانها بشبكات كهربائية واسعة، وحتى الفروع الثقافية المختلفة، من سينما ومسرح ورياضة وصحافة، وستتمتع بمناخ ليبرالي أكثر بكثير.
ولكن الرؤيا في جهة وبيضة الذهب في جهة أخرى. فالأب العجوز لمحمد، الملك سلمان ابن 83، سمع عن مبادرة الابن وأصيب بالدوار. استشار أبناء العائلة، خبراء السوق والبنوك، وقرر الاعتراض القاطع. كل جيش المستشارين هذا ذكر الأب بما يعرفه من قبل. اكتتاب أجزاء من قيمة الشركة سيتطلب الرقابة عليه، ولكن الشفافية والرقابة ليستا من قيم النظام السعودي التي لم يعتد عليها. وبوسعه أن يتبناها ولكن الأمر يتطلب وقتًا. وفي شركة مثل «أرامكو» التي تتصدر فرع النفط الدولي، فإن الشفافية معناها نشر أجر المسؤولين الكبار، كشف التقارير المالية وأصدار البيانات عن كل تغيير مهم في إجراءات الشركة. وتنضم إلى التخوف من الرقابة على المصدر رقم 1 في مداخيل المملكة النزعة الذاتية أيضًا. وروى أحد مقربي الملك يقول إن الملك يهمه «كيف سيحكم عليه التاريخ». فهل سيكون هو الذي باع أرامكوا وباع فلسطين؟».
يمكن أن يقال الكثير في هذه القصة، وفي أنها تجسد فجوة الأجيال، وأنها تكشف الاتجاه الذي تسير السعودية نحوه. وأن فيه إطلالة نادرة على البلاط البيزنطي للرياض، وكيف يحرك العامل الإنساني اللعبة الكبيرة. أما أنا فقد أثرت فيّ السهولة التي يلعبون بها بالمبالغ، ومن خلالها بمصير الرعاية: الابن يبادر إلى خطوة مغامرة، والآن يقول لا ـ وقضي الأمر، وذهبت مئة مليار دولار.

معاريف 31/8/2018

بغداد والمسألة اليهودية… ملك السعودية وأرامكو
بحث التماس يتعلق بمئات آلاف الإسرائيليين من أصل عراقي يطالبون باستعادة مواطنتهم
جاكي خوجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية