بفضل الغموض

حجم الخط
0

«قُل اشياء واضحة»، «لنعرف أخيرا ما هي حلولك». هذه بعض الادعاءات والمطالب التي توجهها جهات في المعارضة وجهات سياسية خارجية لرئيس حكومة إسرائيل. حسب رأيي هذا بالضبط ما لا يجب عمله، أي تفصيل كل شيء حول الاستراتيجية السياسية لدولة إسرائيل.
مفهوم الغموض وجد لنفسه مكانا في السياسة الإسرائيلية حول موضوع ديمونة، لكن كان يمكن بنفس القدر أن يلائم الموضوع الفلسطيني. هنري كيسنجر وآبا ايبان تحدثا في حينه عن الغموض في السياسة، أي السماح بتفسير خطوات سياسية بشكل لا يستوجب الرد الفوري، سواء كان ايجابيا أو سلبيا، كما قال في حينه المبعوث الدبلوماسي للرئيس روزفلت، جيمس كولنت، «ليس مطلوبا من السياسي أن يكون منفتحا كليا حين يخدم الامر المصلحة القومية».
«كل شيء مسموح في الحب والحرب». وخلافا لقول كلاوزفيتش إن الحرب هي استمرار للسياسة بطرق اخرى، فان السياسة ايضا تكون احيانا استمرار للحرب بطرق اخرى. وفي السياسة مثلما في الحرب لا توجد حكمة في جعل الطرف الثاني يعرف جميع نواياك.
للأسف الشديد، حول امكانية الاتفاق مع الفلسطينيين لا توجد في المرحلة الحالية اجابة مقنعة حول الحلول والنوايا. جميع الافكار التي طرحت في هذا السياق هي غير ممكنة أو غير مقبولة ـ أو كلاهما معا. اقتراح «الدولتان لشعبين»، أي انسحاب إسرائيل من جميع الضفة الغربية أو معظمها، واقامة دولة فلسطينية في المناطق التي سيتم اخلاؤها، تحول مؤخرا إلى موضة في المجتمع الدولي وفي المعارضة الإسرائيلية. ولكن رغم حقيقة أن مبدأ الانفصال عن اغلبية الفلسطينيين هو أمر جيد، فإن القلائل أو اصحاب النوايا السيئة سيوافقون في ظل الفوضى العامة التي تحيط بنا على اقامة دولة فلسطينية بالقرب من التجمعات السكانية، والاقتصاد والبنى التحتية لدولة إسرائيل. في حين أن الجهاد لداعش والقاعدة وغيرهم ينافسون الجهاد الشيعي برئاسة إيران، التي تعمل بشدة بمساعدة حزب الله وحماس على توسيع منطقة تأثيرها حتى شواطيء البحر المتوسط، ويمكن القول إن احدى تلك الجهات ستسيطر على الدولة الفلسطينية التي ستقام. اضافة إلى ذلك ليس هناك اشارة إلى أن هناك جهة فلسطينية، بما في ذلك السلطة الفلسطينية برئاسة أبو مازن، تستطيع أو مستعدة للتنازل في الامور المختلف فيها.
مقابل «الآنية» لاقتراح الدولتين، هناك «الأبدية» لـ «دولة واحدة لشعبين»، حيث إن اليمين واليسار المتطرف، لاسباب متناقضة، يؤيدونها. اليسار المتطرف يأمل أن يضع ذلك حدا للحلم الصهيوني. واليمين المتطرف يعيش بايمانه أن الامور يمكن أن تسير بالشكل الصحيح، إما يتم دمج الفلسطينيين في الدولة اليهودية أو يوافقون على ذلك رغم ارادتهم.
ما يجب أن يقلقنا أكثر من الموضوع العربي هو الموضوع اليهودي، حيث أنه لو لم يتحول العرب إلى اغلبية في هذه الدولة الواحدة، فإن حقيقة أنهم سيشكلون نصف السكان، تحول الامر إلى غير ممكن من الناحية العملية والفكرية. هناك من يتسلى بالتفكير في «الضم الابيض» أي فرض السيادة الإسرائيلية على الكتل الاستيطانية الكبيرة، معاليه ادوميم واريئيل، لكن العاصفة السياسية والمشكلات الاخرى التي ستسببها خطوة كهذه، تحول الامر إلى غير مجدي.
هناك ايضا افكار اخرى، بعضها وضعت في اعقاب اتفاق اوسلو، واخرى لم تتم تجربتها بسبب الخلافات الفلسطينية الداخلية، مثلا الخيار الاردني، التقاسم الوظيفي والاتفاقات المرحلية. ومع ذلك، يبدو انه في اعقاب التغيرات في الشرق الاوسط، يمكن العودة اليها في المستقبل. الوضع القائم ليس هدفا بحد ذاته، لكن كما اعترفت هيلاري كلينتون في حينه، يمكن أن يبقى وقتا طويلا، وهو افضل من الحل المتسرع الفاشل مسبقا. الغموض السياسي يخدم الواقع ويخدم المصلحة الإسرائيلية ولا يجب الندم على ذلك.

إسرائيل اليوم 21/10/2016

بفضل الغموض
الوضع القائم ليس هدفا بحد ذاته لكن يمكنه الاستمرار لوقت طويل وهو أفضل من حل متسرع مصيره الفشل
زلمان شوفال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية