بلاد داعش أوطاني العرب وموحدوهم الجدد

قبل ايام طرحت صحيفة « لوفيغارو» الفرنسية على عينة من الفرنسيين السؤال الآتي:»انتم تعلمون ان هناك مسيحيين موجودين بالعراق منذ ما يقرب من الالفي عام، وهؤلاء اضطهدوا وطردوا الان على ايدي الاسلاميين الذين سيطروا على جزء من التراب العراقي. امام هذا الوضع هل ترون انه يتعين على فرنسا مدهم بالمزيد من المساعدات مقارنة مع غيرهم من الاقليات المضطهدة الاخرى، اخذا بعين الاعتبار الروابط القديمة بين فرنسا ومسيحيي الشرق؟. في عدد الثاني من اب/اغسطس الحالي، وعلى صدر الصفحة الاولى للجريدة ظهر الجواب، وكان بعنوان بارز وهو ان» الفرنسيين يؤيدون تقديم مساعدة لمسيحيي العراق»، بعد ان عبر اكثر من اربعين بالمئة من المستجوبين عن موافقتهم على ذلك. اما في العاشر من الشهر نفسه، فقد حل وزير الخارجية لوران فابوس ببغداد ثم انتقل على وجه السرعة الى اربيل عاصمة كردستان للاشراف على تقديم شحنة من الاسعافات الاولية للمدنيين الفارين من الموصل وباقي المدن العراقية، التي استولت عليها قوات داعش. بين استطلاعات الرأي وصور وشهادات الهاربين من الجحيم في المدن والبلدات «المحتلة»، يتشابك الانساني بالسياسي وتختلط المصالح بالمبادئ بالشكل والاسلوب الفرنسي القديم نفسيهما. تغمض فرنسا عينيها قليلا عن غزة، بل تمنع حتى التظاهر من اجلها، لتفتحهما بالمقابل في الوقت والمكان المناسبين لها، سواء بالعراق او في غيره من دول العالم الاخرى. ويرسل قائد اوركسترا النظام العالمي باراك اوباما نحوها اشارة رمزية لا تخلو من دلالات، بعد ان يكسر صمتا طويلا ومريبا، ويؤكد بشيء من الصرامة، هذه المرة، انه لن يسمح ابدا لداعش بان تقيم خلافة اسلامية في سوريا والعراق، معطيا في الوقت نفسه ضوءا اخضر لاقوى جيش في العالم لان يوجه ضربات جوية محدودة لمنع ما يصفه بابادة جماعية محتملة لاقلية دينية بالعراق. بريطانيا تلقي بدورها ايضا، وبحسب ما تورده الانباء، شحنات من المساعدات من الجو على عراقيين حولتهم الايام الى لاجئين جددا داخل بلدهم.
هل اختار الغرب اذن ان يدخل في مواجهة حاسمة ومصيرية مع داعش، أم ان الامر لا يعدو ان يكون مجرد القيام بعملية جراحية محدودة التكاليف والاثار؟
قد لا يكون كل ذلك مهماً، مادامت النتائج على الارض هي نفسها في كلتا الحالتين تقريبا، فكلمات كيري منذ التقدم المباغت لتلك المجموعات واكتساحها لاجزاء واسعة من العراق، مطلع يونيو/حزيران الماضي، بان ما يحدث هو «خطر وجودي على العراق»، تبقى صالحة، بل متطابقة تماما مع ما يحصل اليوم في المشرق والمغرب العربي، وداخل انظمة الاستبداد القديمة او في الديمقراطيات الهشة الجديدة على حد سواء. فالكل يعيش رعبا وقلقا وخوفا وجوديا من هذا الغول الذي لا يفرق بين حاكم تقليدي او ديمقراطي، او بين اسلامي وعلماني، بعد ان وضع على رأس قائمة اولوياته، وفقا لما تقوله الروايات، محاربة من سماهم بالمنافقين قبل التفرغ في عصر اخر ربما للكفار والاعداء.
التعرف على هؤلاء المنافقين وحصر اعدادهم قبل اعلان الجهاد ضدهم يبقى بعد ذلك بالطبع من صميم الصلاحيات المطلقة والحصرية للخليفة الحاكم بأمره، لكن اللافت في الموضوع هو ان هذه الظاهرة، اي ظاهرة داعش واخواتها، مليئة بالتناقضات، فهي سبب اضافي لتقسيم دول وشعوب عربية مقسمة بالاصل ومخربة الاوصال والروابط منذ عهود طويلة، وهي ايضا سبب غير مباشر في اعادة الشعور المغيب بوحدة الامة وترابط المصير بين مختلف اجزائها ومفاصلها. كيف يحصل ان يزيد طيش داعش في تقسيم الامة ووحدتها في الوقت نفسه؟
هناك بيان لم ينتبه له الكثيرون في تونس، في زحمة الانشغال المحموم بالانتخابات، صدر عن حركة النهضة الاسلامية، وفيه تنديد واضح بما تعرض له المسيحيون في العراق من اضطهاد واعمال عدائية، بعد ان فرضت عليهم داعش شروطها الثلاثة المعروفة، الاسلام او الجزية او المغادرة. اهمية البيان انه صدر عن حزب اسلامي ولم يصدر عن احزاب حداثية، ترفع شعارات الدولة المدنية وتدعي باستمرار وقوفها مع الديمقراطية والتعددية الثقافية والحضارية، واهميته ايضا هي انه يرسل اشارات واضحة لهذا الغرب الذي انزعج من ابادة المسيحيين في العراق ولم يتحرك له جفن في الابادة المستمرة للبشر والحجرعلى ارض غزة، بان هناك نموذجا اخر غير النسخة المزيفة والمحرفة للاسلام التي يرتكب بها هؤلاء جرائمهم في اكثر من مكان، وهي التي بامكانها متى سمح لها بالوجود ان تستوعب الديمقراطية الغربية داخل الفضاء العربي والاسلامي. اما وقت صدور البيان فقد كانت الصحف التونسية تنقل انباء القبض على امرأة مسنة تقطن باحدى المناطق الجبلية وثبت في التحقيقات انها قامت بمد الجماعات المسلحة التي هاجمت قوات الجيش بالمؤونة والدعم اللوجستي، بل قدمت لهم حتى خدمات جنسية لقاء مبالغ مالية خيالية. قصة المرأة الريفية المسنة وقصص اخرى كالسطو على بعض البنوك تحت مسمى الاحتطاب من اجل جمع الاموال اللازمة للجهاد في العراق وسوريا، تلتقي مع ما يبث كل يوم على مواقع التواصل الاجتماعي من مقاطع فيديوهات تظهر عربا من مختلف الجنسيات وهم بصدد هدم مواقع اثرية او حضارية، او اعدام اشخاص بدم بارد وبلا ادنى حس او رأفة آدمية. تلك المشاهد الصادمة والعنيفة تجعل الانظمة العربية بفعل حالة الهلع التي تنتابها تتناسى ولو بشكل مؤقت كل الخلافات المزمنة والقديمة بينها، فالعراق وسوريا الان هما التهديد الاول للشرق، وليبيا هي الوجه الاخر لذلك التهديد غربا، اي في المغرب العربي وكامل الشمال الافريقي والساحل والصحراء. بالنسبة للانظمة ومثلما يظهره الوضع الضبابي والمجهول في ليبيا، فان خطرا كالذي تمثله داعش قد يكون فرصة نادرة لازالة البرود بين نظام تونسي لا يرتاح له الجيران، وانظمة عسكرية معادية للديمقراطية ومناوئة لها، وهو ما يحصل في مؤتمر اصدقاء ليبيا الذي يستعد لعقد جولة جديدة بالقاهرة في وقت لاحق من هذا الشهر. قد لا يختلف الامر كثيرا في الشرق مع حالة التأهب الامني والتنسيق المتواصل بين الدول الواقعة على مرمى نيران داعش، سواء في العراق او في سوريا. ومن الواضح ان الدعوة لقمة عربية لمواجهة تلك الجماعات قد تلقى موافقة سريعة وفورية، عكس بعض الدعوات الاخرى التي ظهرت ثم سريعا ما تم اجهاضها لعقد قمة عاجلة للنظر في موقف عربي مما يحدث من عدوان على غزة. اما الشعوب التي فقدت الاحساس بوحدة المصير ولم يعد نشيد «بلاد العرب اوطاني» يعني لها شيئا، فمن المؤكد ان التركيز الاعلامي المتواصل على داعش، بعد ان انجزت ما عجزت عنه كل مؤتمرات القمم العربية من تكوين ما يشبه الجيش العربي الموحد الذي يضم كل الجنسيات العربية، سوف يجعلها تنظر بصورة مختلفة لما يجرى حولها فهولاء الذين انخرطوا في صفوف داعش واخواتها يمثلون قلقا امنيا للانظمة، وحيرة ووجعا انسانيا لاهاليهم، وهم ايضا من يجعلون الفيديوهات المسربة من العراق او سوريا حول ما يرتكبونه من جرائم تلقى اثرا نفسيا مباشرا وفوريا في اماكن اخرى بعيدة، كتونس او المغرب والجزائر مثلا. يستشعر الناس ربما بفعل الاعلام او لاسباب اخرى ان هناك خيطا واحدا رابطا بين ما يجري في كامل ارجاء المنطقة العربية، وانه لم يعد ممكنا الان ان ينزوي كل واحد داخل قطره او حتى داخل منزله، ويترك النيران تلتهم منازل الجيران ليواصل حياته الطبيعية وكأن شيئا لم يحصل. حالة التقارب العربي على المستوى الشعبي والرسمي قد تكون علامة صحية على بدء التعافي، لكن حصر اسبابها وافاقها في الغول الداعشي فقط قد يحولها الى وحدة اصطناعية صورية ومغشوشة تماما، مثل الجهاد المغشوش والمقاومة المغشوشة لداعش.
المستفيد الاكبر في تلك الحالة هم بالطبع كل الاعداء الاصليين والحقيقيين للامة، واوله الكيان الاسرائيلي الغاصب ومن يقف بجانبه او من خلفه، ومن يتستر بداعش وسواها للتغطية عليه وعلى ما يرتكبه من جرائم. اما الخاسرون فهم ما تبقى من عرب في عصر الوحدة الداعشية المزعومة.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية