بلاغة الخط في السياق الغربي ومظاهر التأثر بالنقاد المغاربة: الكتابة والصورة كمعادل أيقوني

حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي» ـ محمد البندوري: إن خاصية التنوع الثقافي والفني التي ميزت الحضارة الغربية على مستوى الشكل والمضمون، شكلت بؤرة كي يستفيد الشعراء الغربيون من تجربة النقاد المغاربة في مجال القصيدة الخطية خلال القرنين السادس والسابع وما تلا ذلك من عوالم أثرت بشكل كبير على مسار الخط. ولعل كيفية رؤيتهم للأشياء والظواهر من خلال تصورات موضوعية متنوعة، قد أدت إلى محاولة الكشف عن التداخل بين مختلف الفنون العربية والغربية في منطقة الغرب الإسلامي وأوروبا لاحقا، ثم الكشف عن القواسم المشتركة في بعض الفنون من رقص ورسم وموسيقى وقصة ورواية ومسرح وفنون بصرية وفن العمارة والعلوم الإنسانية.
وقد تم التفريق في ما بعد بين الرؤية الجمالية العادية والرؤية الجمالية الموضوعية طبقا لاختلاف المنحى المعرفي والثقافي. وإذا كان الفن الإغريقي والروماني قد خلف مداخل قديمة تدل على الفنية الغربية، فإن الفن العربي كان له تأثير مباشر في الذهنية الأوروبية، فقد تم توظيف الأشكال البسيطة، من خطوط ومنحنيات ومسطحات، وزخرفة وأشكال متعددة، تنم عن التوظيف العفوي لمجالات الرؤية البصرية؛ وبهذا التأثير، فقد تميزت العمارة الغربية بالتنوع، ما ساهم في تطور وإثراء طروحاتها على كل المستويات، حيث تطور لاحقا فن الرسم وفن النحت والفن الواقعي. لقد ظلت الأفكار العربية والغربية القديمة بهذا الخصوص حاضرة في أشكال متعددة وفي مختلف الفنون البصرية، حيث وقع التحول في قدرات الإنسان الغربي المتعددة، وحيث تحول معرفيا وفنيا على غرار ما أنتجه التطور الحضاري، إلى اعتماد الرؤية البصرية بوعي تام باعتباره خيارا يحدد الواقع ويتفاعل معه، ليدرك أن للأشياء أبعادا أخرى ومعاني جديدة. وقد عمقت هذه الإرهاصات في كثير من مواقعها الفنية والثقافية وفي وعي الإنسان الغربي من حدة الصلة بين عمل المبدع وما يجسده في الفن والواقع، في نطاق سلسلة من الحركات الفنية البصرية، والقارئ وما يشغله من حيز تفاعلي. بعدما ظل الصراع قائما لردح من الزمن، بين الوهم الذي يعتمد سحرية الأشياء وإيقاع الألوان، والرؤية البصرية.

فن الكاليكرام

في بدايات القرن العشرين ظهر ما يسمى بفن الكاليكرام، وهو عبارة عن نصوص شعرية يتم ترتيبها لتشكل رسما أو ما يسمى نمط الآليات، وبطبيعة الحال فإن النص والرسم والخط والرمز على حد سواء، تتفاعل مع الموضوع نفسه، فنص على شكل قلب يتحدث عن قلب، ونص على شكل حصان يتحدث عن حصان، وقس على ذلك. وهي التجربة نفسها التي رسخها النقاد المغاربة خلال القرنين السادس والسابع وما تلاهما:

(أنموذجان لتجربتين عربية
قديمة وغربية حديثة)

والخط بهذا المعنى هو فن تشكيل أحرف الكتابة. وتتكون الكلمة من كالي التي تعني «الجمال» كما في callipyge) ولاحقة graphy والتي تعني «الكتابة». فالخط بذلك هو الكتابة الجميلة. وكلمة «calligramme» تثير جمال الكتابة، الكتابة الشعرية والرسم والخط على حد سواء. وبعودتنا إلى التراث العربي الإسلامي، فإننا نعثر على العديد من هذه التشكيلات ولعل أروعها ما اختص به النقاد المغاربة في القرنين: السادس والسابع من خلال قصائدهم التي رامت المختمات والمشجرات، مع كل من أبي البقاء الرندي وحمدون بلحاج وغيرهما، ممن أبدع في المستطيلات والمربعات وحاكوا الطبيعة في كثير من مظاهرها، حيث كتبت العديد من النصوص في أشكال الحيوانات والأشجار وفي أشكال متنوعة.
كان أول من دعا لهذه التجربة الغربية ـ حسب العديد من الآراء ـ هو غيوم أبولينير الذي استطاع أن يصنع «الغنائية البصرية. فشعره يجمع بين الموسيقى والرسم والخط والأدب. في فترة غنية جدا من اختراع أشكال جديدة في الفن (المستقبلية، التكعيبية…). وكان بعض معاصريه من الكتاب، يتصورون بالفعل الخط والرسم مادة بصرية من خلال كتابة قصيدة أو عبارات.

رأي جيروم بينيوت

يستخلص الكاليكرام، حسب رأي جيروم من أربع مجالات: هي الأدب والخط والرسم والفلسفة، وقد طورها من خلال كتابه: Du Caligramme ويرى أنه في تقييم العديد من دارسي الكاليكرام، أن هذا المصطلح الذي ابتدعه غيوم أبولينير إنما هو قصيدة حيث القواعد البصرية تُكوّن رسما في علاقة مع موضوع النص، أو تكوّن مزيجا من التصورات البصرية في علاقة مع كلمات النص أن تكوّن شكلا جميلا.

آراء نقدية متباينة

تفرقت الآراء النقدية لمشروع غيوم بين داعم لمشروعه كديبون كلود، وغيره ممن اعتبروا أن أبولينير لم ينو تحديث أو تطوير الشعر على شكل قصيدة الرسم والخط الكاليكرامية وحسب، بل إنه جمع بين الارتفاع وغنائية المفرد في مواضيع غير عادية. وإذا لم يكن أبوليير عن طريق عمل الكاليكرام قد أحدث شيئا جديدا، فإنه على الأقل سلط الضوء على عملية جديرة بالاهتمام تجمع بين الشعر والفنون البصرية. وفي المقابل رصد بعض النقد مشروع أبولينير في اعتبار للتعقيد الذي يشوب نصوصه، حيث ذهب البعض إلى أن هناك أناسا يتعذر عليهم فهم تلك النصوص، واعتبروها موجهة للخاصة دون العامة، على الرغم من كونها نصوصا بصرية منظمة ولا تعمها الفوضى. وهناك من ذهب إلى أنه عندما تصبح اللغة المكتوبة مادة لذلك العمل، أي القصيدة البصرية الكاليكرام، فإنه يمكن ربط الكاليكرام بعدم سهولة القراءة. وعلى الرغم من كون الكاليكرام قد ساهم في كل مراحله التطورية في صنع بوادر الثورة الشعرية الثانية، ما ساهم في إنتاج تحول شعري إلى حد ما؛ نقول: إن فن الكاليكرام مأخوذ أولا من تجارب عربية كان لها مجال السبق في ذلك بالخط العربي. وإن الذين قالوا بأن غيوم أبولينير هو أول من ابتدع هذا الفن فإنهم لم يطلعوا على التجارب العربية، خاصة منها تجارب نقاد الغرب الإسلامي ومختلف تصوراتهم في القرنين السادس والسابع، التي منها استوحى الغربيون بوادر القصيدة الكاليغرافية، والفن الكونكريتي.

الفن الكونكريتي (Art Concret)

مع منتصف القرن العشرين، ظهر الفن الكونكريتي وهو فن بصري، يروم التعبير عن الفكر، باعتماد الحس الجمالي، والقدرة على الإبداع، ويعمل على توضيح المشاركة في تنسيق العالم الاصطناعي، ويحدد أشكال ملموسة تتخذ عناصرها ومفرداتها الفنية من اللون والفضاء والضوء والحركة.
نتج عن الفن الكونكريتي وفن الكاليكرام في إطار تقاطع الفن مع الأجناس الأدبية والفنية الأخرى نشوء (القصيدة الكونكريتية) التي هي إحدى القصائد البصرية التي تعتبر كائنا ملموسا بغض النظر عن الاتجاه، وهي تلامس مساحة فنية وشعرية واسعة من التجريب والابتكار، والممارسة الجمالية بتجسيد العنصر البصري مع النص: الخط والشعر، والتداخل بين المجال الفني والأدبي، في تركيز على متعة العين ومتعة السمع على حد سواء.

القصيدة الكونكريتية

لقد انتشرت القصيدة الكونكريتية سنة 1950 في البلدان الناطقة بالألمانية واثني عشر بلدا في العالم والبرازيل والولايات المتحدة الأمريكية والسويد وإيطاليا. ويرد مرجع مصطلح كونكريت للشاعر السويسري كومرينكر سنة 1954، حين أشار إلى أن لغة الأدب لم تعد تتكيف مع عالم الاتصالات الحديثة، وبذلك يجب أن يكون الشعر الجديد مؤهلا لرؤية اللعب على الفور مع الشكل المرئي للغة. ولا غرو في ذلك فالقصائد الكونكريتية هي قصائد ملموسة تتعامل مع الخط الذي يتطاوع مع الأشكال الكتابية المختلفة، وتتفاعل مع الغرافيك، وتتخذ من التشكيل كل الممارسات الفنية التي توظف تقنيات الصورة التشكيلية ملموسة ومرئية، في العمل الأدبي مع الشعراء الكونكريتيين، وتوظيف الألوان الأساسية، خصوصا الأبيض والأسود، وتوظيف الأشكال البصرية وتنويعها واستخدام الفكاهة السوداء أو التلاعب الساخر والمفارق بالعلامات الترقيمية التي ترد في أشكال طباعية سيميائية دالة تتحدى المساحة والشكل لتصنع تعبيرات بالحروف والرسم. مع الاهتمام المتزايد بالبعد المكاني والفضائي والهندسي والتشكيلي، اعتبارا للوظيفة الأيقونية؛ علما أنها تجمع على خامة فنية واحدة نبض الشاعر وإسكابات الخطاط والفنان التشكيلي؛ أو قد يكون الشاعر وحده أحيانا يؤدي الوظائف الثلاث، فتعتبر بذلك القصيدة الكونكريتية عبارة عن لوحة لسانية بصرية مجسمة؛ تقوم على التبئير والتشظي الكرافيكي والنبر البصري؛ وتجمع بين البعد الزمني والبعد المكاني. وكلها مقومات وسمات أساسية تنبني عليها القصيدة الكونكريتية التي تتفاعل مع القارئ الذي يمتلك حسا نقديا وإمكانات قرائية بصرية.

(أنموذج غربي)

ونجد أن المظاهر والصفات والأشكال نفسها والمقومات نفسها هي التي ابتدعها النقاد العرب خلال القرنين السادس والسابع الهجريين، وما كل هذا الفن إلا امتداد لتلك التجارب العربية، التي بلغت مداها في أوروبا وكل أرجاء العالم الإسلامي، وحظيت بتنظير واسع وتصورات قيمة وتطبيقات كان لها أثر بالغ في الثقافة العربية الإسلامية، وفي الثقافة الأوروبية. ويعتبر حازم القرطاجني من خلال منهاج البلغاء أهم النقاد القدامى الذين اهتموا بالعلاقة التي تجمع صناعة الشعر وصناعة التصوير ودور الشاعر في ذلك، فيقول: «إن منزلة الشاعر في محاكاة الشيء بمنزلة المصور الذي يصور أولا: رسوم تخطيط الشيء». وعلى الرغم من ذلك تظل تلك العلاقة بين الشعر والتصوير ضربا من التشبيه ولم يتخذ بعده التصويري، إلا بعدما عمل الشعراء على تثبيت الخط العربي في إطار لوحات خطية بديعة تثير العين وتوحي بدلالات أخرى. ومن هذه التصويرات ما يسمى بالتفريع، وهو نوع من التغصين، أو التشريع والتوشيح يتخذ أشكالا متعددة، منها ما يرجع إلى صياغة العملية الشعرية، ومنها ما يعود إلى رسم الشعر وتشكيل أوضاع جمله وأنساقه، مثلا مشجر حمدون بلحاج:

القيمة الرمزية للخط والعلامات

إن هذه القصائد سواء العربية من مشجرات ومختمات وغيرها، أو الكونكريتية البصرية؛ كلها تروم توسيع حدود أشكال التعبير بين مجال التجسيم الكتابي ومجال الخط، في نطاق الهندسة والتشكيل، فهي تعيد القراءة بقيمة رمزية كبيرة تحددها العلامات اللغوية والتصويرية والخط. لأن وظائفها الجمالية تتمثل أساسا في الأيقونية بأبعادها السيميائية. فهي تركز على العلامات والمؤشرات الأيقونية ذات الدلالات المتعددة. ولا غرو في ذلك، فهي تخاطب العين والبصر، وتتفاعل بشكل مباشر مع الحواس الإدراكية المجسدة، وتتبع الدال الكاليغرافي المشكل بالحروف المخطوطة والأشكال البصرية المتنوعة في سياق تشغيل الألوان الأساسية، بتشكيلات وتموجات خطية تحمل أبعادا متعددة ودلالات مفتوحة، فتحتاج إلى تفاعل بصري لتفكيك الأيقونية وقراءتها في نطاق سيميائي وبلاغة بصرية. وبذلك تضحى لوحة لسانية مجسمة تجمع بين الشعر والخط والتشكيل.

تطورات الشكل والأبعاد الجمالية

وقد تطورت هذه القصيدة في الغرب وأنتجت تفرعات مختلفة فأضحى منها القصيدة الكونكريتية المتعددة الأبعاد والقصيدة الميكانيكية، جامعة بين الخط اليدوي والكاليغراف والطباعي. وذلك بفعل الاهتمام الكبير من لدن الشعراء والنقاد الغربيين، وذلك لما لمسوه في مجالاتها الرمزية والسيميائية والشعرية من أبعاد متنوعة ودلالات متعددة، ونجد القصيدة الكونكريتية جلية ومشخصة لدى الكثير من الشعراء الغربيين كالشاعر مالارميه في قصيدته :»Un coup de dès n’abolira pas le hasard»، ورامبو، وبول إيلوار، وغيرهم. ومن ضمن ما اعتنت به القصيدة الكونكريتية، من حيث الأسس الفنية والجمالية، فن الكولاج، حيث يتم تلصيق بعض الصور إلى جانب النصوص الشعرية، ومن بين الشعراء والفنانين الذين أطروا هذا الجانب، هناك فرديناند فرانز مون وجيري كولار وغيرهما. ولقد أتاح سلطان القصيدة البصرية أو الكونكريتية في الغرب نوعا من التسييد لكل النصوص البصرية، والاهتمام بقيم وأفكار جديدة في نطاق خطاب صوري خطي بصري له معانيه وبلاغته الخاصة، ودلالاته المتعددة. فصار وسيلة إلى المتعة الدلالية التي يقيضها الوجود الخطي أو الصوري بعد عملية التحوير والقراءة. لأن المتخيل البصري هو تعبير دقيق عن التطوير الثقافي للوعي بواسطة العين مما ينتج قراءات أكثر دلالة في مهمة تمثيل الواقع في تصورات وأخيلة بعيدة أكثر بدلالاتها ومعانيها.

بلاغة الخط في السياق الغربي ومظاهر التأثر بالنقاد المغاربة: الكتابة والصورة كمعادل أيقوني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية