بلاغة الوجد بين ديواني «المكابدات» و«مكاشفات» للمغربية أمينة المريني

حجم الخط
0

تعرف قصائد الشاعرة أمينة المريني ترابطا يشكل نسقا يحكم إبداعية تجربتها الشعرية عامة، وديوانيها المكابدات»1 و»مكاشفات»2 خاصة، مما يسم شعر الشاعرة بنوع من التداخل والامتداد والتوالد الدلالي.
إن قراءة أولية للديوانين تجعل القارئ يتوغل بعيدا في منافي اللغة الصوفية، والمعجم الصوفي، حيث تحولت الكتابة الشعرية نفسها لدى الشاعرة إلى مكابدة من أجل تطويع العبارة، والارتقاء إلى حياض الإشارة، مما يفرض على قارئ شعر أمينة المريني- خاصة ديوانيها: «المكابدات» و»مكاشفات»- معرفة باصطلاحات الصوفية وإشاراتهم، وهي اصطلاحات تقوم مقام العبارة في تصوير مواجيدهم.
لابد إذن، من الوقوف عند العنوانين «المكابدات» و»مكاشفات» باعتبارهما مصطلحين صوفيين، لنتمكن من جهة، من التعرف على بعض التأويلات الممكنة التي تربطهما بمرجعيتهما العرفانية، ومن جهة ثانية؛ لنتابع انفتاحات العنوانين على المتن النصي الكلي للديوانين، ولنتمكن أخيرا من تحديد النسق الدلالي الذي يربط بينهما. سنقف في البداية، عند الدلالة اللغوية للعنوانين: ففي لسان العرب نجد:»كابدت الأمر إذا قاسيت شدته، ومكابدة الأمر معاناة مشقته، وكابد الأمر مكابدة وكبادا: قاساه. أما الكشف فيعني رفع الشيء عما يواريه ويغطيه، كشفه يكشفه كشفا وكشَّفه فانكشف وتكشف. فما الذي تكابده الشاعرة أمينة المريني؟ وما الذي تكشف لها بعد هذه المكابدة؟ يعد «الكشف» مقاما من مقامات الصوفية التي لا يصل إليها السالك إلا بعد سلوك الطريقة وقطع المنازل، والترقي في المقامات، فيكشف له، أي السالك، حجاب الحس، ولا بد للمريد من مجاهدة ومكابدة حتى يتحقق الكشف.
فمن صدق في مجاهدته/مكابدته أشرقت نهايته، وهي إشراقة تنتهي بالسالك إلى الكشف وارتفاع الحجب والارتواء برؤية المحبوب، وإذا كان البصر يمكن الرائي من مشاهدة الأشياء المحسوسة ـ فإن قوة البصيرة لدى العارف تمكنه من خرق الحجب، يقول ابن عربي في التجليات: «وأما مشاهدة العيان في النظر بالبصر» و»أما القلب في مشاهدته بالبصيرة». تتجاوز عملية الكشف الصوفي، إذن، الإدراك الحسي فهو يمر من صور الظاهر إلى معنى الباطن.
إن الكاشف لا يقف عند مستوى معين من اللغة (الشرح – التأويل) بقدر ما يصبح بإمكان الصوفي أن يجول في فضاء لا محدود، وبذلك تصبح المعرفة الصوفية لا محدودة، مادامت الدلالة الرمزية لا محدودة ومتنوعة.
وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم المعرفة الصوفية، الذي يقوم على الكشف، كان من بين المفاهيم التي طرحها الفكر الصوفي، والتي لاقت اعتراضا شديدا من قبل الفقهاء أو ما يسميه الصوفية بعلماء «الرسوم»، على الرغم من استناد كل من الصوفية والفقهاء على مصادر العلم نفسها، وعلى الرغم من إنكار الفقهاء للصوفية، ظل هؤلاء متشبثون بعلم علماء «الظاهر» مع اختلاف كبير في تناول الخطاب الديني الذي يجب عدم الإذعان إلى مضأمينه الظاهرة – في نظر الصوفية ـ بل إن الصوفي يرغب في قطع المنازل والترقي في المقامات، ولا يتحقق ذلك في اعتقادهم إلا بالمجاهدات.
فالوصول إلى مقام المعرفة لا يتحقق إلا بعد مجاهدات ومكابدات ورياضات روحية وجسدية، فيترقى المريد من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة، ولا يحصل ذلك إلا «ببذل» فيكشف الحجاب أمام العارف ويطلع على باطن الأشياء بواسطة البصيرة لا البصر.
لنعد إلى «مكابدات» و»مكاشفات» الشاعرة أمينة المريني بعد هذه الإطلالة التي كانت ضرورية من أجل ربط دلالة المصطلحين بسياق النص الشعري، وهو ربط يقتضيه ما للعنوانين من إيحائية ورمزية دلالية مرتبطة بالفكر والتجربة الصوفيين، باعتبار أن المكابدات/المجاهدات هي رحلة روحية شاقة يقوم بها السالك/الشاعرة من أجل الارتقاء في مدارج العرفان والوصول إلى مرحلة الكشف وارتفاع الحجاب، أي من أجل الوصول إلى مقام المشاهدة في صيغة الجمع لا الإفراد «المشاهدات».
يمثل العنوان إذن، في كل من الديوانين، بؤرة توليد دلالية تنتشر دلالاتها على المساحة الإبداعية لتجربة أمينة المريني الشعرية ـ على الأقل بالنسبة للديوانين لترابطهما دلاليا ـ حيث يصور ديوان «المكابدات» رحلة الشاعرة العامرة بالمجاهدة من أجل الترقي والوصول إلى مراتب إدراك الحقيقة، وجماليا، من حيث المقومات الجمالية التي تغتني بها قصائد الديوانين «المكابدات» و»مكاشفات» على مستوى اللغة الصوفية والمعجم الصوفي والرؤية الصوفية. يتموقع ديوان أمينة المريني «المكابدات»، زمنيا، على مستوى النشر، قبل «مكاشفات» (مكابدات عام 2005 ـ مكاشفات عام 2008 ) وهو ترتيب زمني ينسجم مع ترتيب المقامات والأحوال الصوفية، فلا كشف من غير مكابدة، والمكابدة/ المجاهدة أسبق، من حصول المكاشفة، فهي الطريق التي توصل السالك إلى رحيق التفاني والتعالي، إلى الكشف والمكاشفة وتحقيق الرؤية عن طريق البصيرة ، وتحصيل المعرفة والوصول إلى الحقيقة المتعالية. وعلى الرغم من غنى المعجم الصوفي الموظف في الديوانين، خصوصا حينما يتعلق الأمر بالكشف والمكاشفة والرؤية والبصيرة، فإن سياقها التركيبي يتباين ما بين الديوانين، ما يجعل الرؤية والمكاشفة تمثل طموح الشاعرة في الديوان الأول وهي غايتها، ونهايتها. وتتحق هذه الرؤية في الديوان الثاني، لذلك وردت هذه المشتقات في «المكابدات» مسبوقة بأدوات التمني والترجي، ما يفيد عدم حصول الرؤية والمكاشفة بعد:
تقول الشاعرة في «عزفٌ مُنفلِتٌ من عَزفٍ مُنفَرِدٍ على وَتَر الهَاء:
لَيتَنِي أَجتَلِي لَحظَةً
كُلَّهُ
أُبْصِرَنْ في المَدَى
سِدْرَهُ
وتقول في قصيدة «سلوك»
لعلَّ المَرايَا الّتي صَاغَها
في شُهُودِ الجَوَى
دَمعُنَا …
تُريقُ بَهَاهُ
قَميصًا على هُدْبِنَا
تترجى الشاعرة في المقطع الأول أن تتجلى أمامها الحقيقة، كما تتمنى في المقطع الثاني أن تصبح المرايا التي شكلتها من دمعها قادرة على تمثيل الجمال الذي سوف تتخذه لباسا لها، والدمع يحيل إلى خشوع الشاعرة وإلى تواجدها وجذبها، والقميص يحيل إلى اللباس الذي اتخذ عند الصوفية دلالات تنسجم مع محيط الصوفي الفكري، حيث لا يرتبط اللباس عند الصوفية، بالمظهر المادي الخارجي بقدر ما يرتبط خلع اللباس بالتجرد من الهيكل الدنيوي. والشاعرة هنا تخرج عن هذه الدلالة ليصبح القميص هو الجمال ذاته الذي يراق على الأهداب، والأهداب جزء من كل أي العين التي بكت من شدة الوجد.
تقول أمينة المريني في قصيدة «أمنيات»
أجمل ما في الأماني
انتشائي على رفرف
في سناء
قبابك…
وأروع من كل ذاك
إذا ما أمَطْت
لعيني – حبيبي-
ستور حجابك….
لم تزل الشاعرة في هذه القصيدة تنتظر ارتفاع الأستار، والستر أو الحجاب ما يحجب الحقيقة عن الأبصار، فلا تصل إليها إلا بصائر العارفين، وهي تشتاق لرؤية المحبوب الذي تحاصره الحجب وتقف دونها وهي منتظرة متقلبة في أحوالها فبينها وبينه «حجب على حجب تماهت». تقول الشاعرة في قصيدة «مقام الجمال»من ديوانها «المكاشفات»،
فَيا ربِّ ما أَعْدَلَكْ
حِينَ أَيقَظْتَنِي
حينَ خَلَّصتَنِي
حينَ وَحَّدتَنِي في مَرايَاكَ
يارَبِّ. . . ما أَجْمَلَكْ
حينَ أَدْنَيْتَنِي مِنْ مَقامِ الجَمَالِ

وتقول في «فرقد»
حَبيبِي ـ أَنا
لَمْ يَزَلْ خالِدًا
عَلى مَملَكَاتِ الهَوَى واحِدًا
أَوْحَدَا
يكاشِفُنِي
لا أَرَى وَصفَهُ. .
ويُطلِعُنِي مِن لَهِيبِ
السَّنَا فَرقَدَا.

نلاحظ أن السياق التركيبي الذي احتضن كلمات من قبيل الرؤيا والكشف في الديوان الأول يختلف عن الديوان الثاني، فبعد ما كانت مقترنة بالتمني والترجي، أصبحت الشاعرة أكثر ارتقاء في مدارج الكشف، وأكثر قربا من الحقيقة، ففي «مكاشافت» تعلن الشاعرة عن وصال ومنال، وتدنو من مقام الجمال وترى نوره. تقول في قصيدة مكاشفات (المكاشفة الثانية والعشرون) وهي آخر قصيدة في الديوان:
فكيف إذا القلب
للعين قد كشفه
سأنفي سواه
على عطر هذا الجوى
وأفنى وأرفع
بين السنا سُجُفَه
إلى أن تقول:
سأومض
يزهر من برقي
البرزخان
وأدنو
من السر كي أقطفه
فالشاعرة، بعد مكابداتها في ديوان «المكابدات»- تصل إلى تحقيق المرام المتمثل في المكاشفة، وتجدر الإشارة إلى أن الشاعرة لم تقل «كبد» وكشف» وإنما قالت «مكابدة» ومكاشفة» على صيغة مفاعلة باعتبارها صيغة من صيغ المبالغة، تعبيرا منها عن شدة الكبد الذي أثمر وانتهى بها إلى السر كي تقطفه. يظهر جليا، كيف تعرف قصائد ديواني الشاعرة أمينة المريني، «المكابدات» و»مكاشفات»، امتدادا دلاليا ينسج مساحة إبداعية تترنم داخلها إيقاعات الوجد الصوفي، مما يفضي إلى تشكيل نسق إبداعي يقوم على بلاغة الوجد، وهي بلاغة ترتبط بتجربة صوفية تعيشها الشاعرة مترقية من مقام إلى مقام، وقد وظفت أمينة المريني أدوات شعرية فنية لغوية، وتصويرية، ترتقي بمستوى الكتابة الشعرية عندها إلى جنان العرفان.

كاتبة مغربية

فاطمة الميموني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية