«الزمنُ الذي يمر في خط مستقيم، السنوات التي نعدُّها بيننا، هي عدد الحجارة التي كانت في جيوب الكاتبة فيرجينيا وولف وهي تغمر نفسها بالماء. والحب كلمة لا تقع سوى بإصابة رأسها بأحدى تلك الحجارة في مقتل. الحب بالفعل احتفال على جثة أحدهم، كرنفال مشترك على موت. صباحات لا تنتهي دون خفتُكِ. ماذا أفعل بالشهوة؟ سأحوِّلها إلى كُرات كرستالية خفيفة وأفرقعها في الهواء!»، هكذا نقرأ في رواية «بلا أجنحة» للكاتب الشاب مينا ناجي، الصادرة عن «دار روافد» هذا الشهر.
طالب جامعي مصري سمين وحزين. صرصار من صراصير الطبقة الوسطى، كما يصف نفسه، يقود سيارة أهله القديمة التي تتعطّل كل يوم. يكره جسده الضخم. يعيش على نوبات فزعٍ لا تنتهي. يذهب كل يوم لجامعة دولية لا يبدو أنه سينتهي منها قريباَ، وهناك يُغرمُ ببنتٍ متحجّبة، متفوّقة ومن غير دينه، قصة حب غريبة، ما أن نتجرأ على مساءلة وجودها حتى ترمينا بسؤال أكبر عن الحب كحكاية مختلقة، مهما اختلفت درجات هذا الاختلاق. يختلق الراوي أيضاً، بديلاَ له يعيش في باريس اسمه فريدو جميل كإله إغريقي ويعيش مع دورا التي يقتات من جمالها وهشاشتها، وتتكئ هي بمرضها النفسي وثقلها على كتفه النحيل، فقرات تحكي عن فريدو وتقدّمه في ليل باريس ونهاراتها، تعبه وشغله على مسرحيته وحياته المحاطة بـ»جنيّات خضراء وأرانب مكهربة». تكبر حكاية باريس، تخترق حكاية القاهرة وتجاورها، حتى نصل الى النقطة التي نقرأ فيها فريدو يقول: «أحياناً أحلم أني طالب جامعي مصري سمين وحزين» لسنا في رواية داخل رواية، ولا حكاية تستولد حكاية، هي حيوات متجاورة، قد تكون أو لا تكون، ولا عجب أن يكون مفتتح الرواية مقتطفاً من كتاب «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول.
تقع الرواية في فصول قصيرة، يحكي الراوي القصة في رسالة طويلة موجّهة لليلى الحبيبة التي تبدو وكأنّها تريد أن تفتح الباب على هذا الولد الغريب من باب الفضول، لا تريد أن تعرفه أكثر ولا أن تمشي معه للآخر، تتردّد بين تركه والبقاء معه كل مرّة، بنت من عائلة مسلمة ميسورة ومحافظة. يبدأ الكلام موجّهاً إليها ثم يتوه، ندخل في المونولوغ. نقرأ ذكريات هذا الحُب، وكلها مواقف تحصل داخل الجامعة الخاصة تلك، التي تشبه ثلاجة بيضاء باردة وسط صحراء ضواحي القاهرة، مواقف مبتورة ومزعجة، يُكملها الراوي بخيالاته وأحلامه، متنقّلاً بين زمن الكتابة الذي يتخذ من القصة ماضيا له، لكن الوقت مجمّد والراوي لا يزال يطفو على بحر المرارة… ولا يزال بلا أجنحة. تظهر الثورة بشكل باهت في أحد المقاطع، يستذكر فيها صورة رجل بآنية معدنية فوق رأسه «كلنا سُذّج أمام الزمن، نتدرّع بدروع مضحكة»، أو عندما يسخر من الناس التي جُنّت عندما فُرض حظر التجوال، نجده يستغرب من هلعهم، هنا تظهر أقوى صورة للمدينة التي يقول عنها في نهاية الرواية « القاهرة مدينة لا يمكن احتمالها إلا بالمخدرات أو الأدوية». المدينة التي تنام والنّاس الذين يعيشون على هذا الايقاع، ويركبون بحر ليلها مفزوعين، والراوي يهدأ فزعه ويرحب بهم في ليله الداخلي الكئيب. (وكأنّه المخلوقات التي تشرب الشاي في كتاب لويس كارول، وبقية النّاس أليس المذعورة في بلاد العجائب)
قد يكون اختلاف الدين في هذه الحالة غير مهم، خاصة عندما نكتشف الشخصيتين وفروقاتهما، لا يتشابهان ولا يلتقيان على درجات سلّم النجاح والفشل، الذي تبدو الفتاة ملتزمة بالسير عليه في حياتها حتى تصير مُعيدةً في الجامعة. لكن فكرة الله كمخلّص وماسحٍ لليأس والوجع والألم، كطاقة نورٍ، دائمة الوجود في كتابة مينا ناجي. في كتابه الأخير، ديوان شعرٍ بعنوان «أسبوع الآلام»، بنى نصوصه وقسّمها وِفق تقسيم أيام أسبوع الآلام عند المسيحيين، ينحتُ من بلاغة الكتاب المقدّس ومن عربية الرهبان، الثيمة نفسها حاضرة كل الفزع والخيبة والفشل الذي يبتلعه أقراصاً ويُخرجه عرقاً وفوبيا، لكن اللّغة في الرواية أقوى وأكثر تماسكاً، رغم كل الفزع والكهرباء التي تعبر النص. وبين الجامعة شديدة الإضاءة والبيتِ المُظلم وشوارع الكوربة التي تُخاتلها الشمس وبين هلوسات الراوي الملوّنة، نقرأ في لعبة الضوء مقاطع شعرية خالصة داخل جسد الرواية التي تتجاوز المئة صفحة بقليل.
وبينما يواصل فريدو تشظيه في باريس، بين دورا والنساء اللواتي يدخلن حياته -كل لغاية في نفسها- وبينما يقول الراوي مخاطباً ليلى: «لكن كيف ارتبط دخولك –وخروجك- في حياتي بشعوري أني كبرت؟» يحصل المحظور! وأنتَ تقرأ الرواية تشعر بأنّها مبنية على ذلك الاكتشاف الذي يكتشفه المراهقون بعد بلوغهم (أول صدمة حقيقية): كل البشر أطفال صغار تضاعفت أحجامهم. كذلك أليس، كذلك بينوكيو وكل أبطال الحكايات، الطالب الجامعي الحزين السمين ولدٌ تائه لا يكبر، وهذا الجسد ليس جسده، لذلك نُحس بصوت هذا الولد الذي كبر فجأة يقول لليلى مُعرّفاً الحُب: أنا معاك مش مع الصح.
كاتب جزائري
صلاح باديس