البرامج الحوارية الفنية على الفضائيات العربية صارت كثيرة مما جعل حمى التنافس بينها مرتفعا، وهذا ما جعل الإثارة والدراما المحشوة في الحوار ومقاطع استدرار الدموع أو استمطار الشتائم طموحا مستمرا على مدار ساعة الهواء المباشر.
آخر تحف الفضاء العربي، ما قدمته قناة «الجديد» قبل أسبوع، في برنامج حاول معدوه الاجتهاد في عنوانه إلى أقصى حد ممكن لاستقطاب مشاهدين، فكان اسمه (بلا تشفير)، يقدمه فتى لبناني اسمه تمام بليق، يسبق اسمه لقب «إعلامي» لو أردت أن تبحث عنه في الانترنت!!
الحلقة التي شاهدتها كان الضيف فيها امرأة لبنانية اسمها نضال الأحمدية، مصرة على أنها إعلامية ومعروفة، ولأنني عدو نفسي متخم بالجهل أقر أنني لا أرى في ما تقدمه تلك السيدة إعلاما، ولا أرى فيها علما ولا راية شهرة.
طبعا، أقرأ عنها في الصحافة، ومعرفتي فيها لا تتعدى أنها امرأة ذات لسان سليط، ومعجم بالشتائم المبنية على قصص نميمة بين الفنانين، وكل خامتها المعرفية لا تتعدى قصص طلاق وزواج وفضائحيات عالم الفن، خصوصا في لبنان.
ومؤخرا، لفتت انتباهي تلك السيدة في مواجهة ساخنة مع نظيرتها في سلاطة اللسان أحلام الشامسي، ولأنني أعتبر نفسي من متابعي الحالة المرضية الهستيرية لأحلام، تابعت حلقة «بلا تشفير»، التي استضافت نضال الأحمدية.
في الخلاصة، فالأحمدية تحمل أعراض الهوس المرضي ذاته عند أحلام، والإثنتان بحاجة إلى رعاية طبية مشددة مصحوبة بحجر صحي حماية للمجتمع، لكن الأكثر ضرورة هو الوصول إلى صيغة حجر صحي على بعض الفضائيات، التي صار لديها هوس حد المرض بإنتاج تلك الكائنات كنجوم في عالم الترفيه، على حساب صحتنا وذائقتنا ووعينا ومشاعرنا!
الحوار مع الأحمدية كان جارحا لمستوى الإنسانية لدى المتلقي، وحضورها كان مشوبا بالهبل والاستهبال وكميات هائلة من «البوتوكس» و»السليكون»، التي جعلت من المقابلة أشبه باستحضار أموات الفراعنة عبر إحياء مومياء منهم، مع كمية وافرة من الغطرسة غير المفهومة والطروحات الهستيرية، ناهيك عن كم هائل من الشتائم التي لا تليق بمقام المشاهد المحترم.
ما علاقة أحمد بدير بالجزيرتين؟!
في آخر مسلسلات عادل إمام التي بات يتحفنا بها كل موسم رمضاني، وهو مسلسل (أستاذ ورئييس قسم)، يقوم الممثل أحمد بدير بتأدية دور أستاذ الجامعة الإنتهازي المنافق ذي الألف وجه إرضاء للسلطة الموجودة أيا كانت.
وعلى ما يبدو فإن ما يقولونه عن عمق التقمص في الشخصية قد أثر على بدير فلا زال يعيش الدور ذاته، بل تماهى معه حتى صار الدور نفسه يعيش فيه، فهاهو يصرح بعد قصة الجزيرتين المصريتين تيران وصنافر، وهي قضية جدلية قانونية مسموح بها على الأقل الجدال، لكن بدير يرى بأن من ينادي بالتمسك بمصرية الجزيرتين هو خائن!
وبكمية لا بأس بها من الشتائم يخاطب كل من لا يتفق مع الرؤية السيسية في موضوع الجزيرتين، مؤكدا أن هناك من ينظر لنصف الكوب الفارغ وينكر الإنجازات!
مرة أخرى، إما أن بدير لم يخرج بعد من تقمص الشخصية الإنتهازية، رغم كل هذا الوقت، أو أنه عاش الدور بشخصيته الحقيقية التي مكنته من أداء مقنع جدا كإنتهازي بامتياز!
الديمقراطية تبدأ بتعليم الأطفال
محطة محلية بلجيكية، وفي نشرة أخبارها المسائية، تصدر النشرة خبر مصور من مدينة بلجيكية عنوانه «مظاهرات غاضبة».
طبعا، القصة كلها كانت في مدينة بروج السياحية، والتي يمكن تشبيهها بمدينة البندقية الإيطالية لكثرة قنواتها المائية حولها وفيها، حيث نظم أطفال المدارس وبرعاية من أولياء أمورهم ومعلميهم مظاهرة يعبرون فيها عن غضبهم واحتجاجهم على السلطات المحلية لعدم تخصيص مساحات كافية لهم للعب والتفسح، بحيث يتم تخصيص المساحات في المدينة لصالح السياحة والسياح الأجانب!!
تلك كانت المظاهرة الغاضبة، والتي سار فيها الأطفال بيافطات مكتوبة بعناية تحمل رسائل مطالبهم، فتذكرت ثقافة المظاهرات في عالمنا العربي، التي لا تزال تحمل الحذر من الدم والعنف في كل مظاهرة منها.
وأدرك حينها أن الطريق إلى الديمقراطية طويل… طويل جدا.
فضاء يأكل أبناءه
في عالم الإعلام الفضائي الإلكتروني، هناك جنود وضباط وضباط صف وجنرالات حقيقيون، أسسوا في عالم الفضاء العربي منذ بداياته مواقع لهم، وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء نجوما على الشاشة بقدر ما هم يساهمون في صنع النجوم، كذلك صناعة الأخبار.
من هؤلاء، وهو معروف في الأردن والعالم العربي كرجل صناعة إعلامية، بدأ من الصفر في شركة متواضعة لينتهي بشركة عملاقة في عالم الفضائيات، الإعلامي الأردني محمد فخري العجلوني.
وأنا شخصيا ومنذ أكثر من عقد على خلاف مع الرجل، وهو خلاف شخصي بحت، أرى أني محق فيه، ولكن ليس من حقي طرحه على العموم في مقال، كما لا يجوز أن يؤثر على رأيي في ما يحدث للرجل الآن في مصر، وقد تم توقيفه في القاهرة ممنوعا من مغادرتها بحراسة أمنية منذ أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي.
التهمة الموجهة له، أنه قام بمساعدة قناة «الجزيرة» عام 2013، وللتوضيح، فأنا لا أتابع القناة منذ زمن، ولي أسبابي في ذلك، لكن أن يتم اعتقال الصحافيين بناء على الإختلاف في الرؤى السياسية، فهذا لا يمكن قبوله بالمطلق.
العجلوني، إعلامي وليس صحافيا، وهو مؤسس من مؤسسي صناعة الإعلام الفضائي منذ بواكيره، ومكاتبه التي تقدم الدعم التقني منتشرة في العالم العربي، واستفادت منها أغلبية الفضائيات العربية.. واعتقاله وحجز حريته بدون تقديمه لمحاكمة أو إطلاق سبيله وحريته في السفر جريمة أخلاقية وقانونية.
المدهش، والمدهش جدا، أن الإعلام الفضائي العربي، الذي يعد محمد العجلوني من محركيه خلف الكاميرات، لم يتحدث حتى اليوم عن قضيته.
هذا فضاء يأكل أبناءه.
كاتب أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة