لندن ـ «القدس العربي»: عبر رئيس إقليم كردستان، مسعود بارزاني عن حلمه بالموت تحت علم كردستان المستقلة، في وقت أعلن فيه الإقليم عن خطط لعقد استفتاء عام على انفصاله عن بقية العراق. والسؤال هل ستسمح الحكومة العراقية بتمرير الاستفتاء علاوة على الولايات المتحدة.
ففي تصريحات لكامبل ماكديرميد من مجلة «فورين بوليسي» قال فيها المسؤول الكردي البارز : «توصلت، منذ وقت طويل، لنتيجة أنه بات من الضروري عقد استفتاء وترك شعبنا يقرر» و«منذ مدة طويلة كان لدي اعتقاد بأن بغداد لن تقبل علاقة شراكة حقيقية وذات معنى».
ويعلق ماكديرميد بأن تصريحات البارزاني تعبر عن رحلة 55 عاماً للقتال من أجل الدولة الكردية. ويقول البارزاني إن طلاقًا وديًا مع بغداد هو الحل الوحيد لمشاكل العراق واستقرار المنطقة بشكل عام.
ويعترف أن الاستفتاء سيكون الخطوة الأولى لما يقول إنها مفاوضات طويلة مع الحكومة المركزية في العراق. ولن يواجه الأكراد مصاعب من بغداد فقط ولكن من الحكومة الأمريكية التي التزمت بسياسة عراق واحد.
وهناك تركيا التي تعتبر الشريك الأكبر لحكومة كردستان والتي وصفت الاستفتاء باللامسؤول والخطأ الكبير. إلا أن البارزاني يبدو مصمماً رغم التداعيات الإقليمية السلبية من العزلة التي ستعاني منها كردستان. وقال إن الأكراد يفضلون الموت على العيش في ظل الاضطهاد.
وقال «لو تم اتخاذ قرار في الاستفتاء وكان الرد هو العزلة فدع شعبي يموت» و«سيكون هذا «فخرا» للعالم أنه ترك شعبنا يموت من الجوع لأن هؤلاء الناس أرادوا التعبير عن مصيرهم بالطرق الديمقراطية».
وتشير المجلة إلى أن قرار الإستفتاء سيكون القرار الأخير للبارزاني خاصة أنه تجاوز مدته القانونية في الحكم بعامين بسبب ما يقول إنها الحرب ضد تنظيم «الدولة».
وسيتنحى في تشرين الثاني/نوفمبر عند عقد الانتخابات المحلية. ويرى البارزاني، 70 عاماً أن الاستفتاء مهم لميراثه خاصة أن حياته تداخلت مع محاولات تحقيق الاستقلال الكردي «تخيل ماذا يعني هذا لميراثي، فقد كرست كل حياتي لاستقلال كردستان».
جمهورية مهاباد
ويتذكر كيف ولد في ظل العلم الكردي عندما قام والده مصطفى البارزاني بإعلان جمهورية مهاباد الكردية في إيران والتي لم تعمر طويلاً «لقد ولدت في ظل ذلك العلم».
وفي سن السادسة عشرة انضم للمقاتلين البيشمركه وأصبح زعيماً للحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 1979. ويرى أن علاقة الأكراد بالعراق تميزت بالعنف والحروب «حرب الأنفال والهجمات الكيميائية وتدمير القرى والمقابر الجماعية والإبادة».
وبعد غزو العراق عام 2003 تمتعت منطقة كردستان بفترة من الاستقرار جذبت المستثمرين وتميزت بتوسع الإعمار، وظهرت فنادق راقية ومطار دولي ومتنزهات عامة، وكل هذا توقف مع ظهور تنظيم «الدولة» واجتياحه العراق عام 2014 حيث هدد مقاتلوه الإقليم.
وترافق هذا مع انخفاض أسعار النفط وتدفق اللاجئين العراقيين والسوريين. ففي الوقت الذي نال فيه الأكراد دعما دوليا للدور الذي لعبوه في قتال تنظيم «الدولة» إلا أن العلاقة توترت بين بغداد وإربيل. وتمحورت الخلافات حول تصدير النفط ووقف الحكومة المركزية الدعم المالي وبشكل كامل عن الإقليم.
وتساءل البارزاني قائلاً: «في مرحلة ما بعد 2003 ماذا كانت حصة الأكراد؟»، ويجيب «لقد قطعوا ميزانية كردستان ولم يلتزموا بالدستور العراقي».
ويرى الكاتب أن البارزاني يواجه صعوبات في نقل الإقليم من الحكم الذاتي للمستقل خاصة أن الاقتصاد المعتمد على النفط تأثر بتراجع أسعاره فيما تعتمد غالبية القوة العاملة على حكومة الإقليم في رواتبهم ولا يتلقون إلا جزءًا منها بسبب قلة السيولة المالية. ومع ذلك يرى البارزاني أن انتظار الظروف المناسبة لحل كل مشكلة لن يحصل أبداً.
وتواجه كردستان مشاكل عالقة خاصة سيطرتها على مناطق كانت تحت حكم تنظيم «الدولة» ومدينة كركوك النفطية وهي أمور لم تحل بعد مع الحكومة المركزية. ويأمل الأكراد أن تجعل سيطرتهم الفعلية على هذه المناطق ورقة تفاوض.
ويعلق بارزاني أن السكان غير الأكراد في هذه المناطق لديهم خيار عدم التصويت، ولو صوتوا بلا في الاستفتاء فهذا يعني أنهم يرغبون بالبقاء في العراق الفدرالي. وشهد الإقليم قبل فترة استفتاء صوتت فيه الغالبية على الانفصال لكنه كان مفتقداً مثل استفتاء 25 أيلول/سبتمبر المقبل تنقصه الآلية القانونية لتطبيقه.
ويرى البارزاني أن المفاوضات ستكون سلمية ونتيجة لحوار مع بغداد. وحذر من أن البديل عن الحوار هو تدهور الوضع الأمني «ولا نريد أيضاً القبول بوضع التابع. وهذا من أجل منع نشوء مشكلة أكبر وحرب دموية وتدهور الوضع الأمني في كل المنطقة». ويقول إنه تحدث مع رئيس الوزراء حيدر العبادي حيث أخبره أن الأكراد يريدون حل المشكلة من خلال «السلام لا العنف».
وكان العبادي متقبلاً ومتفهماً. ويرفض المسؤول الكردي البارز فكرة تأثير الانفصال الكردي على الاستقرار مؤكداً أن حكومة كردستان ستعمل على دعم وإنجاح العبادي وتعزز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب بين البيشمركه والجيش العراقي. ويرى أن وقوف المجتمع الدولي ضد الإستفتاء يعني وقوف اللاعبين الدوليين ضد قيم حق تقرير المصير عبر السبل الديمقراطية التي يتمسكون بها.
ويعتبر التحرك ضمن تعقيدات مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة»، ففي العراق وسوريا تتسابق القوى المحلية والإقليمية والدولية على اقتسام كعكعة التنظيم، بشكل يزيد من حالة عدم الاستقرار والتمزق ويؤكد استمرار المشاكل الطائفية والسياسية التي أدت لميلاد تنظيم «الدولة». وتعتبر إيران من الدول التي قد تؤثر على طموحات الأكراد في العراق رغم علاقاتها المتقاربة معهم حيث جمعهم قتال الجهاديين.
وفي هذا السياق كتب مارتن شولوف من بلدة البعاج التي دخلتها ميليشيات الحشد الشعبي، وأمنت بالضرورة الممر الذي يربط بين الحدود الإيرانية والبحر المتوسط.
أرض يباب
ووصف البعاج بالقرية المهجورة، شوارعها مسدودة بالسيارات المقلوبة ومحلاتها محطمة وبوابات البيوت الحديدة تئن في الرياح الحارقة. ووسط كل هذا الدمار هناك قادمون جدد حلوا محل مقاتلي تنظيم «الدولة».
ولم يضيعوا الوقت بكتابة الشعارات على الجدران وتركيز أعلامهم في المكان الذي كان حتى وقت قريب هامشياً للتاريخ العراقي الحديث ومنذ الآن فسيصبح محورياً.
ويشير إلى أن البعاج أصبحت الآن نقطة تأسيسية في الخطة الإيرانية لتأمين الطرق عبر العراق وسوريا إلى لبنان بشكل يعزز من نفوذ الجماعات الوكيلة على الأرض.
وشاهد شولوف شعاراً مكتوباً على دوار البلدة «من الموصل إلى البعاج شكراً سليماني» في إشارة لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، قاسم سليماني والذي ساعد مقاتلي الحشد الشعبي حيث انتشرت راياتهم في كل مكان مثل نبات الخشخاش.
وفي الطريق المؤدي للبلدة كان أبو مهدي المهندس، الذي يقود الحشد مع زعيم منظمة بدر هادي العامري يستقبل قواته المنتصرة. وقال المهندس «هذه آخر قلعة لتنظيم الدولة».
وأضاف «كانت نقطة عبور للإرهابيين من تركيا ما بين 2013- 2014 ودخلوا البعاج وتلعفر، وهي منطقة استراتيجية لقادتهم». وأشار الكاتب إلى الطريق السريع الذي يبدأ من القيارة، جنوب الموصل، حيث الحفارات والآليات والجرافات جاهزة والتي ستنضم للوحدات الشيعية في اندفاعها نحو الحدود السورية. وسيتم استخدام بعضها لتقوية وإصلاح وتوسيع شبكات الشوارع الضيقة والتي ستشكل الممر الحيوي للحدود وما بعدها وستكون البعاج في مركزها.
ونقل عن مسؤول بارز في الحشد قوله:»لن نغادر البعاج» و «ستكون قاعدتنا الرئيسية في المنطقة».
ويقول شولوف إن حركة النجباء أقامت قاعدة لها وكذا كل فصيل شيعي قاتل تنظيم «الدولة». ويعلق الكاتب إن تحول البلدة لنقطة محورية في الجهود الإيرانية يحدث سريعاً حتى قبل تنظيفها من المفخخات التي تركها الجهاديون بالمئات في البيوت والشوارع. وقال عنصر في الحشد «إنها مهمة» و»سنعمل الكثير».
وفي بداية أيار/مايو قال مسؤولون في الحشد لعناصر بارزة إن الممر البري سيعطي إيران خط إمداد من العراق وعبر سوريا إلى لبنان وأنه تم تحويله من جنوب سنجار إلى الشمال بحيث تكون البعاج نقطة مركزية فيه.
ومنها سيمر الخط عبر الحدود السورية إلى الميادين ودير الزور اللتين لا تزالان بيد تنظيم «الدولة»، وأدى وجود الحشد الشعبي والميليشيات المدعومة من سليماني على الجانب السوري من الحدود لمناوشات عدة مع القوات الأمريكية، بعد محاولة هذه الميليشيات السيطرة على قاعدة التنف.
خطط متغيرة
ورغم أهمية الممر للمصالح الإيرانية إلا أن الخطط لتحديده تتغير بتغير خارطة وجود التنظيم الذي ينهار سريعاً.
وهناك حديث عن طريق من دير الزور عبر الميادين وتدمر ومنها إلى دمشق. وتحولت المنطقة في شرق وجنوب سوريا لرقعة شطرنج تتنافس القوى اللاعبة على بناء مناطق نفوذ لها.
ولم يكن المهندس واضحاً فيما إن كانت قواته ستتجاوز الحدود السورية. وقال إن تنظيم «الدولة» موجود في حوض الفرات بين العراق وسوريا «ويحاولون البقاء هناك، ونريد القيام بعملية عسكرية هناك وهذه تحتاج لعام أو أكثر». وأضاف «لقد هزمت القاعدة وعادت على شكل تنظيم «الدولة». ولو لم ندمر كل شيء فستصبح كل هذه المنطقة تحت سيطرة تنظيم «الدولة» ولكن باسم مختلف».
وليس بعيداً عن البعاج أرض خراب من القرى والبلدات التي تقترح أن عودة التنظيم لن تكون قريبة «القتال يلوح في الأفق»كما يقول أحد المسؤولين البارزين.
ويرى أن «تأمين سوريا سيمنح المنطقة الاستقرار وسنتابع الأمر حتى ينتهي» إلا أن المهندس كان أكثر حذراً في تصريحاته حيث قال:»لو ظل التهديد من سوريا أو منطقة أخرى فأي دولة تحترم نفسها مطالبة بملاحقة الإرهابيين دفاعاً عن نفسها».
أشبال الخلافة
وفي حمى الصراع على «إرث الدولة» لا أحد على ما يبدو منشغل بالآثار الاجتماعية التي تركتها تجربة التنظيم القصيرة والجيل الذي تربى في ظله و»أشبال الخلافة» الذين دربهم ليكونوا جنوده الراجلة وانتحاريين ـ انغماسيين وقوات دفع سريعة في معاركه.
في معسكرات الأشبال تلقى الأطفال دروساً في القتال وعقيدة الجهاديين حيث انتهى جزء منه على الخطوط الأمامية للمعركة. وجند آخرون للقيام بالمراقبة والتجسس. وهناك من أصبح خبيراً في صناعة القنابل، طباخون وحراس سجون.
وفي حالات متطرفة طلب من الأطفال ذبح الرهائن بالسكين أو إطلاق النار عليهم من مسدس. وبالإضافة للأشبال هناك آلاف من الأطفال الذين وقعوا تحت تأثير تعاليم التنظيم المنحرفة.
وتشير مجلة «إيكونومست» البريطانية إلى قصة عمر، 12عاماً الذي غاب عن البيت 40 يوماً في معسكر تابعة للتنظيم ليعود شخصاً مختلفاً وشخصية عدوانية. وطلب من أمه التوقف عن وضع مواد التجميل على وجهها.وتوقف عن السلام على زميلاتها وكان يغضب عندما تحاول مساعدته في أخذ حمام.
وتقول والدته أمينة اللاجئة الآن في تركيا «صرت أخاف من ارتداء قميص في داخل البيت» و«قال لي هذه الأمور محرمة في الإسلام، لقد غسلوا دماغه». مات عمر بعد آخر زيارة لعائلته حيث قتل في أثناء مواجهة مع القوات التابعة لنظام الأسد في دير الزور، ليس بعيدا عن بيت عائلته. ولم يسمح لوالدته إلا بـ15 دقيقة لمشاهدة جثته ودفن في مكان حرم عليها زيارته.
وتلوم أمينة والده الذي أعجب بأفكار تنظيم «الدولة» وشجع ابنه على الإنضمام. وكان يقول إنه يتمنى موت ابنه في المعركة لكي يدخل الجنة.
مستقبل الخلافة
وتعلق المجلة أن الجهاديين طالما صوروا الأشبال على أنهم مستقبل «الخلافة» التي ستحيا بهم إلا أن مشكلة نقص الجنود والموارد تجبرهم على إرسال الأشبال للموت وبأعداد كبيرة. ومع تزايد الضغوط في ساحات المعارك والقصف الأمريكي يقوم الجهاديون بتجنيد أعداد كبيرة من الأطفال ليحلوا محل الذين قتلوا.
في كانون الثاني/يناير فجر 51 طفلاً أنفسهم في الموصل وهناك أعداد أخرى منهم سيموتون في الرقة. ورغم العدد الكبير من الأطفال القتلى في معارك التنظيم إلا أن هناك الكثيرين ممن سيعيشون ما بعد انهيار الخلافة. وسيشكلون بالتالي تهديدًا أمنيًا. وتعلق أن الوكالات الأمنية تشعر بالقلق، فقد تلقى الأطفال دروساً حول كيفية صناعة القنابل وكراهية الغرب.
وسيجدون سهولة في التسلل عبر الحدود أكثر من الكبار. ففي العراق ليس لدى الحكومة القدرات الكافية لتسريح آلاف الجنود الأطفال الذين قام التنظيم بتدريبهم.
أما سوريا التي تعاني الفوضى فإن الفصائل الجهادية المتعددة ستجد في أشبال الخلافة هدفاً جيداً للتجنيد في صفوفها.
حل المسألة
والسؤال هو كيفية التعامل مع الخطر الذي يلوح في الأفق. وتقول إن واحداً من الحلول القاتمة هي قتل أكبر عدد منهم في ساحات المعارك وسجن البقية. إلا أن التاريخ علمنا أن السجون عادة ما تتحول لمحاضن تفرخ الجيل التالي من المتشددين.
وفي العراق هناك حوالي 2.000 طفل يقبعون في السجون بتهمة التعامل مع تنظيم «الدولة». ولا يوجد في هذه المعتقلات الأدوات الكافية للتعامل مع الجيل الصغير الذي تم زرع بذور التشدد في عقله. وبدلاً من حصولهم على عناية خاصة وعلاج قال الأطفال الذين قابلتهم منظمات حقوق الإنسان إن الحرس عذبوهم.
وهناك خيار آخر وهو إعادة تأهيل الجنود الصغار وتدريسهم من جديد بحيث لا يفكرون في الإنضمام للجماعات المتشددة، مثلما فعلت الأمم المتحدة في سيراليون مع الأطفال الجنود. والمشكلة في العراق وسوريا أن الجنود أو أشبال الخلافة ينظر إليهم كقتلة ساهموا بدعم تنظيم قتل الرجال والنساء وشرد مجتمعات. كما أن الطرق العديدة التي قام بها تنظيم «الدولة» بتجنيد الأطفال تجعل من إعادة تأهيلهم أمراً معقداً.
فهناك من تم خطفه من عائلته أو من أقليات. وبعضهم اندفع للمشاركة بتأثير من زملائه.
وانجر آخرون للتنظيم ووعوده المالية وإغراءات السلطة. كما اضطرت عائلات لإرسال أبنائها مقابل حصولها على الطعام والغاز والمخصص الشهري 200 دولار. ومثل حالة عمر هناك من دفع للحرب بتأثير من والده.
وفي هذا السياق فإن الدور الذي لعبته العائلات في تجنيد الأطفال يظل مدمرًا، ففي السلفادور قالت نسبة 84% من الأطفال إن عائلاتهم لعبت دوراً مهماً في إعادة تأهيلهم.