بمشاركة باحثين ونقاد من المغرب وتونس: محاولة تشخيص الخلل الذي شلَّ إنتاجية الفن التشكيلي العربي المعاصر

حجم الخط
0

أكاديرـ «القدس العربي»: نظم اتحاد الفنانين التشكيليين في جنوب المغرب ندوة تداولية في موضوع «الفن التشكيلي العربي المعاصر»، وذلك مساء السبت 16 أيار/مايو 2015 في المتحف البلدي للتراث الأمازيغي- أكادير. وقد أطرها الباحث الجمالي موليم العروسي، وشارك فيها كل من محمد بن حمودة (تونس)، وبنيونس عميروش، والمصطفى غزلاني (المغرب) . وتضمَّنت مداخلات وأوراق نقدية تطمح إلى رصد السياقات التاريخية والجمالية التي أفرزت العديد من الأسئلة الفلسفية والجمالية، وتشخيص الخلل الذي شلَّ الإنتاجية التشكيلية العربية وأصابها بالكثير من الأعطاب.

حداثة فنية معطوبة

استهلّ وقائع الندوة التشكيلي ورئيس اتحاد الفنانين التشكيليين في جنوب المغرب إبراهيم الحَيْسن باتهام عدد من التشكيليين العرب بعجزهم عن تخطي ما تنتجه المحترفات والمشاغل الأوروبية من تقنيات وأساليب تعبيرية حديثة ومعاصرة، وبالتالي تحوّل المنجز التشكيلي العربي المعاصر إلى فن عبثي ومبتذل، ذي مراجع ممزقة، فلم يسلم انخراط الفنان التشكيلي العربي في الحداثة الفنية من زوغان وتعثر، ولم يبرهن بعد عن قدرة إبداعية مقنِعَة قادرة عن إنتاج تشكيل معاصر بإمكانه قلب المعنى وابتكار آليات جديدة لتدمير ذاكرة اللوحة بمفهومها الكلاسيكي. وقال: «مشكلة الإبداع التشكيلي العربي المعاصر هي أنه لا يزال محكوماً بنسقية عبثية مبنية على هوية ضيِّقة متشظية وأصالة منقطعة، والسبب في ذلك أن العديد من التشكيليين العرب المعاصرين يقفون ضد موروثهم الثقافي والفني وضد ذاكرتهم الجمعية وتاريخهم المشترك.» وهذا ما برّر في نظره تنظيم هذه الندوة التداولية، ثم تلا ذلك نداء الاتحاد الذي قرأه الفنان التشكيلي دجيمي الإمام، وجاء فيه «أنّ الفن بمعناه العام والواسع أضحى يمثل مدخلاً رئيساً لإرساء دعائم التنمية المجتمعية»، طارحاً جملة من المقترحات التي يمكن أن تؤسس لمشروع فني وجمالي فاعل، إذا لقيت الانخراط الفعلي من الشركاء والمتدخلين المفترضين.

أسئلة ومآزق

وبدأ الباحث الجمالي موليم العروسي مداخلته بهذين السؤالين: إلى أين يسير الفن التشكيلي العربي المعاصر، في ظل حركة إبداعية متسارعة يشهدها العالم؟ هل لا زالت تسمية الفن التشكيلي قابلة للتداول؟ ورأى أن مفهوم الفن التشكيلي دخل القاموس العربي في سنوات السبعين من القرن الماضي، معوضا تسمية الفنون الجميلة، وإن كان هناك معارضون لهذه التسمية في بادئ الأمر ممن ظلوا عاجزين عن فهم التحولات الفنية المنبثقة عن فن تمرّد على تراثه التقليدي الذي ساد لأكثر من أربعة قرون. فقد حدث- في نظره – ما يشبه القطيعة في السياق الفني العربي، الذي ارتبط بالمفهوم الرومانسي للفن والذي ورثه الفن الحديث بكامل تفاصيله، وهو ما سمح لفن المحيط، أي للفن غير الأوروبي، بأن يتأسس على قواعد وعلى تقنيات غير تلك التي أسست لها أوروبا النهضة، وبالتالي تتأثر وضعية الفنان ومعها وضعية السند والمواد والتقنيات.
أما الباحث الجمالي التونسي ومدير المعهد العالي للفنون والحرف في صفاقس محمد بن حمودة فقد تناول موضوع الفنّ في علاقته بالعمران والحضارة، وقال إنّ الصناعة بعد أن أخذت على عاتقها مشروع الحداثة الحضاري، فقد دخلت الحداثة بدورها طور ما يسمى (العمران المُعمَّم)، ومن ثمة تغيرت تماما بلاغة خبرة «المكان كله» وخبرة «كلية الأرض». وهكذا صير ـ في نظره- إلى إلغاء الفارق بين المدينة والريف ولم تعد المدينة تعقل نفسها بوصفها ساحة عامة تنهض بدور الرابطة التي تشد المواطنين إلى مدينتهم من خلال المطبوعات التي يتم عرضها على الملأ، والتي تكرّس فكرة التعاقد الاجتماعي، إذ يجري الأمر وكأنّ تطور قدرات المدينة الغربية على شمولية الاستيعاب قد مكّنها من تحويل قدراتها السالفة على «تشكيل السياقات» إلى قدرة على «الترهين» الذي تتيحه الوسائط السمعية البصرية، من خلال القدرة على تحقيق اتصال مباشر، رغم بعد المسافات. وضرب مثالاً عن ذلك بالمدينة التي لم تعد تبني السور خوفا من عاديات البداوة، بل أصبحت هي التي تلغي الأسوار لتفتن بصورها الفضائية التي تجعل الأنفس تذهل عن هناءات الحضور الحسي في العالم، وتتوق إلى شدّ الرحال إلى شاشة نجحت في أن تتخطى (أو توهم بذلك) التعارض التاريخي الطويل بين الجدار والسجاد (بين الساحة العامة والتخييلي). وقد نشأت عن التسليم بضرورة تخطي التعارض المشار إليه تعبيرات تشكيلية ثلاثة: الأنستليشن والبرفورمانس والغرافيتي، مستشكلاً ذلك في مثل هذا السؤال: هل معنى ذلك أنّ الوسائط السمعية البصرية نجحت عربيا، حيث فشلت المطبعة، أي نجحت في التحول إلى قيمة ثقافية تمس كل شرائح المجتمع وتعيد صياغة خبرة «المكان كله» على نحو متماثل مع صيغتها الثقافية التقليدية؟
ووقف الناقد والفنان التشكيلي بنيونس عميروش على موقع الفن العربي في ظل عولمة ثقافية واقتصادية كاسحة، فأشار إلى التراكم الإبداعي الذي حققه الفن التشكيلي العربي خلال القرن الأخير، خاصة مع عدد من الفنانين الرواد الذين جمعوا بين الممارسة الإبداعية والوعي الثقافي القمين بالبحث عن شخصية بصرية للفن العربي. كما لم يُقلّل من أهمية أعمال الأجيال التي تلتهم، إلى حدود الأجيال الشابة الراهنة التي لا تأبه اليوم بمفاهيم «الهوية» و»القومية» و»المحلية»، كما لم تعد تعنيها مسألة المثاقفة ذات البعد الإشكالي بين الشرق والغرب. ولذلك فهي في نظره – تراهن، على العالمية المتماثلة مع العصر التكنولوجي الراهن، والموصول بتفاقم الشاشات والصور الرقمية المدعومة بالقدرات التقنية الهائلة في الدقة والمعالجة والتحويل والنسخ والإرسال الفوري العابر للقارات. وقال: «فأمام مضاعفة جودة حَفْظ الأثر الفني وطرق تقديمه ونشره، صار من البَدَهي أن يُفَعِّل الفن هذه الإمكانات لصالحه. لتَتَوَجَّه الأشكال التعبيرية – مع الأجيال الحديثة- من جديد نحو المُنشَأة (أو التجهيز) المدعومة بالمواد المُصَنَّعة الحديثة، والمُنْجَزَة (أو الأداء المشهدي) والهابنينغ، إلى جانب الويب آرت والفيديو آرت والفوتوغرافيا الرقمية والتقنيات الأنفوغرافية… ضمن الموجة الإبداعية التي تتوخى الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور، لتوسيع مجال الاستهلاك الثقافي في عصر الاختراق». وإذا كان كل هذا يقع في ظل عولمة ثقافية واقتصادية كاسحة، فإن عميروش يرى أن سؤال الإبداع لم يَمسُّ بعد التصوير والنحت الذي مازال محصورا تحت قبضة الدين أو غيرهما من الأنماط التعبيرية الجديدة، كما يسجل النقص البَيِّن على صعيد الخطاب النقدي الذي ليس في مكنته مسايرة وتأطير وتوجيه الممارسة التطبيقية المتصاعدة، لكن هناك يقظة تتجسد في الوعي والفكر والبحث عن «صور» غير مطروقة، تعكس إيقاع وجودنا داخل صيرورة الكون المركبة.
ورجع الشاعر والتشكيلي المصطفى غزلاني إلى منطلقات الفن التشكيلي العربي المعاصر، ابتداءً من رحيل الجيل الأول من دارسي الفنون إلى أوروبا، إذ اختار كلٌّ منهم وجهة مستعمره، ولما عاد من عاد منهم إلى أوطانهم ظلوا وفيين لمعلميهم: ينتج الفنان حسب وصايا المعلم (الأب الروحي بكل ثقافته، معتقداته، فلسفاته ومرجعياته الخاصة…)، ولكنه لم يستطع أن يردم الهوة بينه وبين المجتمع الذي تجاهله ولم يفهمه. وهكذا، كانت الانطلاقة في نظره- هي بداية خيبة التشكيل العربي وبداية رحلة اليتم، فـمن الفنانين من عاود الهجرة إلى ديار التكوين، سعيا وراء الاعتراف. منهم من تخلى عن الفن إلى ممارسة أخرى أكثر طمأنينة ومصالحة مع مجتمعه. والقليل منهم من صمد في وجه الإهمال والتنكر أو الاستئجار الاستعباد أحيانا. واستخلص غزلاني أن جوهر مأساتنا هو أننا نريد أن نتقدم، ولكن لا نعرف من أي منطلق، وعلى أي أساس. متسائلاً: هل ننهي مع المنطلقات وقصة الذات والخصوصية، وننتصر للفن ولا شيء آخر؟ وهل نستطيع التقدم دون آخر؛ الآخر كند، الآخر كشبيه، الآخر كاختلاف…الآخر الذي هو الذات نفسها؟ غير أنه سلّم بالقول إنّه لا يمكن خلق إبداعية بدون فنان حقيقي، وإنه لن يتحقق عندنا مبدع حقيقي في العالم من دون مؤسسات حاضنة وهيئات داعمة.
وقد سبق الندوة حفل توقيع كتاب الناقد التشكيلي إبراهيم الحيسن المعنون بـ»الفن التشكيلي المعاصر- خرائط الفن وتحوُّلاته» الذي قدَّم الباحث حسن لغدش عرضاً تحليليّاً عنه. ووجد فيه الباحث في الفلسفة والجماليات محمد الشيكَر جرأة تتمثل في كونه يدعونا إلى اكتشاف خرائط هذا الفن السجالي والإشكالي، وتذوق تجاربه الإبداعية التي تمضي باستراتيجية الهدم والتقويض إلى مداها، وتدشن إبدالا فنيا جديدا لا يكتفي بخلخلة الذائقة الاعتيادية للمتلقي، بل يعيد النظر في مفاهيم إستتيقية مرجعية من قبيل مثال الجمال ومعاييره، ووحدة الأثر الفني وتناغم عناصره الجمالية المكونة، ومشكلة الإبداع الفني، ودور الذات المبدعة وحدود فاعليتها الإيقونوغرافية.

توصيات

دعا المشاركون في ختام اللقاء إلى استصدار مجموعة من التوصيات، من بينها على المستوى العام: إعادة الاعتبار للفن التشكيلي العربي المعاصر انطلاقا من تعزيز البنيات الثقافية المتصلة بالوعي البصري والجمالي المحلي. وبناء نموذج ثقافي فني يتماشى والاسئلة الراهنة التي يطرحها المشهد الفني العربي. وتنظيم ملتقيات عربية في الفنون التشكيلية مؤسسة على الحوار وتبادل التجارب الإبداعية تضم المعارض المشتركة والورشات والمحاضرات واللقاءات المفتوحة مع المبدعين. وتقنين السوق الفنية العربية ودعمها بالحيوية الضرورية. وتوحيد الخطاب النقدي التشكيلي العربي وإنجاز معجم تشكيلي عربي موحد. وإحداث أكاديمية عربية للفنون، ثم ضرورة انخراط المؤسسات الرسمية في دعم قطاع الفنون التشكيلية بالبلاد العربية. أما على المستوى الخاص (المحلي والوطني): فدعوا إلى: تعزيز المنطقة الجنوبية بقاعات خاصة بالعرض التشكيلي إلى جانب متحف جهوي للفنون التشكيلية والتعبيرات الجمالية المحلية. وخلق وإبرام شراكات عمل متبادل بين اتحاد الفنانين التشكيليين في جنوب المغرب وجامعة ابن زهر تضم المعارض الموضوعاتية والورشات التكوينية والندوات التي يكون الفن التشكيلي محورها المركزي.

عبد اللطيف الوراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية