بمشاركة عدد من الشعراء والنقاد: الخرطوم تحتفي بالشاعر محمد المكي إبراهيم

حجم الخط
0

الخرطوم ـ«القدس العربي» – من : لأكثر من شهر ظلت الخرطوم تتنفس شعرا، احتفاء بالشاعر محمد المكي ابرهيم المقيم منذ سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية، جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي، ومعهد البروفيسور عبد الله الطيب أقاما ندوة بعنوان «كل الرحيق».
في شهادته عن المحتفى به، قال البروفيسورمحمد المهدي بشري: إن تجربة المكي تعبر عن تيار «الغابة والصحراء» الذي برع في السيطرة على اللغة باستخدام كل المفردات في الشعر، ويلحظ فيها الانفتاح على الفضاء التراثي، والتداخل مع الأجناس الإبداعية الأخرى، إضافة للتداخل مع الأجناس الأخرى، وقال إن قصيدة «قطار الغرب» تصلح أن تكون فيلما سينمائيا.
الناقد مجذوب عيدروس أشار إلى نكهة المكان في أشعار ود المكي، ووصفه بالشاعر المتمرد والقلق، واصفا ثورة تشرين الأولأكتوبر التي خلدها المكي بشعره بأنها ثورة الشباب في العالم، وأنها سبقت الربيع العربي، مؤكدا أنها ثورة ثقافية أعلنت، منذ وقت مبكر، وجود شعر التفعيلة في السودان وانعتاق الشعر السوداني من الشكل التقليدي.
ووصف عيدروس شعر محمد المكي بالتطور والتجريب المستمر بدءاً من ديوان «أمتي» ثم «بعض الرحيق» وصولا إلى»يختبئ البستان في الوردة» وديوان «خباء العامرية». وقال إن الشاعر اهتم في كل تجاربه بجوهر الشعر ونبض «الروح السودانية» المتمثلة في التراث ووقائع الحياة اليومية وبقي في حالة تماس مع العالم وقضايا التحرر الوطني في كل الأرض، ولم ينفصل عن عالمه العربي وتراثه الإسلامي. مستشهدا بالمفردات والتناص القرآني، وأشار الى جهود المكي في كتابة الرواية والمسرح وقراءة التاريخ السوداني في الأدب والفكر.
الشاعر والناقد أسامة تاج السر تناول الصورة عند المكي «ببعديها النفسي والفني» وأشار إلى أن الفقد والضياع من أهم محركات الحب في أشعار محمد المكي ابراهيم. وركز الناقد عماد محمد بابكر على الغربة والترحال في شعر المحتفى به، مستشهدا ببراعة الصورة وحسن التوظيف وقال إن الصورة عنده لها جانبان، التقاط الصورة و»تكوينها وإنتاجها»، وقال إن الرحيل يمثل له هاجسا كبيرا وفيه يخرج من المألوف ويحن إلى طقس من طقوس الوطن:
«رياحكم ماسخة عجوز
في بلدي نعطر الهواء بالمديح
روائح الطعام والضيوف من بيوتنا تفوح
والجارة التي يرف بالشباب وجهها الصبوح
يا عطرها الشفيف ينشق النهار من شذاه
أواه لو لمرة أشمه
أضمه،
ألمسه،
أراه».
أبوبكر الجنيد يونس الشاعر والناقد رسم إطارا لتجليات الوطن عند المكي بدءا من الوطن الروح:
«وأخيراً لازمني لا يبرحني
إلا ساعات الميلاد
يا هذا الشيء العالق فوق الروح
وفوق النبض لم ينفع
فيك الأوقيانوس وكل كحول الأرض
ووضعتك فوق الجمر فلم يصهرك الجمر
ودعكتك بالأحجار
تثلمت الأحجار
يا هذا الشيء بلا اسم وبغير قرار
أنا أعلم أنك تتلفني يا هذا الشيء
وستقتلني حتماً حتماً».
ويرصد الجنيد الوطن الطفل والوطن الشعب «الأكتوبريات»، والوطن الأنثى «الخلاسية» في أشعار محمد المكي. الناقد أواب أحمد المصباح قدم قراءة كتاب «الفكر السوداني، أصوله وتطوره»، وهو من مؤلفات المكي، وتوصل إلى أن كل القضايا التي ناقشها الكاتب في مؤلفه لا تزال موجودة بعد أربعين عاما من نشر الكتاب.
وأبدى المكي سعادته الغامرة بالاحتفاء الذي وجده منذ قدومه ضيفا على معرض الخرطوم الدولي للكتاب في ايلول/ سبتمبر الماضي، مشيرا إلى أن السودانيين لازالوا يحتفلون بالشعر، وقال إن مدرسة «الغابة والصحراء» لا تنفصل عن الشعر السابق واللاحق لها وقال إنه تلميذ للشاعر صلاح أحمد إبراهيم واستفاد كثيرا من ديوانه «الغابة والصحراء».
وأثنى المكي على الشاعر محمد المهدي المجذوب وقال إنهم تعلموا منه كثيرا، كما أنه تعلم منهم ويضيف: «رغم أنه كان الملك المتوج للشعر العمودي في السودان فقد أصبح يلعب، يثور ويتسلى بالموسيقى، فكسر عمود الشعر بقصيدة «الكباب» ثم «ليلة المولد» ووصل به الأمر إلى قصيدة «النثر» في «شحاذ في الخرطوم»، واستفدنا من ثورته ورغبته في الخروج عن التقاليد وشعرنا بالسند القوي ضد محاربي الشعر الجديد».
وتحدث المكي عن دور الشاعر الراحل محمد عبد الحي في الثقافة السودانية، مشيرا إلى أنه قدّم خدمة كبيرة للثقافة عندما تولى إدارة مصلحة الثقافة في نظام جعفر نميري. وقال إن ما أدخله عبد الحي من رصيد وتجديد في العمل الثقافي الرسمي يحتاج إلى تحليل موضوعي وطالب بالفصل بين الامور السياسية وخدمة الناس. واشار الى اهتمام عبد الحي المبكر بالشاعر الإنكليزي «ت إس إليوت» وقال إنه تجاوز إليوت بعد ذلك واهتم بشعراء بريطانيين أكثر حداثة وتمنى أن يتم البحث في هذه الجزئية.
وعن الذين وصفوا علاقته بالوطن بأنها مزدوجة «حب وكراهية» قال المكي إنه يتذمر ويغضب عندما يرى بلده متخلفا في صنع الحضارة الإنسانية ويتألم من الذل الثقافي الذي يعيش ويحيا فيه، ولذلك تأتي أشعاره – في هذا الجانب- غاضبة ومستحثة على الرغبة في التفوق والمساهمة في الحضارة العالمية، مؤكدا أن الشعب السوداني جدير بأن يكون في المقدمة.
شعراء كبار احتفوا بصديقهم العائد من الغربة قبل أن يعود من جديد إلى مستقره. الشاعر عبد الله شابو اكتفى بوصف المكي بأنه كنز كبير واستلف مفردة «سيال»من الراحل عبد الله الطيب واصفا بها المحتفى به، وقال إنه شاعر عظيم يأتيه الشعر عفو الخاطر.
الشاعر إلياس فتح الرحمن العائد أيضا من غربة طويلة قرأ من اشعار ود المكي قصيدة «بعض الرحيق»، وتجلى الشاعر عالم عباس في قراءة قصيدة «الرحيل إلى طفلة المدائن» التي نشرها المحتفى به في مطلع سبعينات القرن الماضي. وقرأ الشاعران الشابان الواثق يوسف ونادر جماع قصيدتي»مدينتك الهدى والنور» و»كذلك نفتح الحزن» على التوالي.
وكانت الموسيقى حاضرة حيث تغنى الفنان عاطف عبد الحي بمجموعة من أناشيد المكي «الإكتوبريات» فألهب الوجدان بعبق وأريج ستينات القرن الماضي.

صلاح الدين مصطفى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية