مدريد ـ «القدس العربي» محمد محمد الخطابي «يُقال إن المسرح ينبعث كل يوم من رماده، وهذا ليس سوى افتراء ينبغي أن يُلغى، لأن المسرح ما زال حياً بيننا، فللمسرح حياة تتحدى الزمانَ والمكانَ. إن الأعمال المعاصرة الكبرى تتغذى من القرون المنصرمة، ، فالأعمال الكلاسيكية القديمة تكتسب جديتها وتجديدها كلما قُدمت من جديد على خشبة مسرحنا المعاصر. إن اليوم العالمي للمسرح، ليس يوماً عادياً في حياتنا، ينبغي ألا يُفهم هكذا، إنه يوم يجعلنا نعيش في فضاء زماني ومكاني ليس له حدود». هكذا المسرح حالة كاملة من الوجود، كما تراه الممثلة الفرنسية «إيزابيل هوبير»، والتي اختارها المعهد الدولي للمسرح التابع لليونسكو، لتلقي كلمة المسرح لهذا العام، بمناسبة اليوم العالمي للمسرح في 27 مارس/آذار في عامه السادس والخمسين. والذي بدأت فكرته خلال انعقاد المؤتمر العالمي التاسع للمعهد الدولي للمسرح في فيينا، حيث اقترح الرئيس أرفي كيفيما في يونيو عام 1961، وبتكليف من المركز الفنلندي التابع للمعهد الدولي للمسرح، أن يتم تحديد يوم عالمي للمسرح، وتمت الموافقة على الاقتراح، ومنذ عام 1962 وبلا انقطاح يحتفل في السابع والعشرين من مارس، وهو تاريخ افتتاح مسرح الأمم ــ مسرح سارة برنار ــ في موسم باريس المسرحي عام 1962، بيوم المسرح العالمي بطرق عديدة ومتنوعة من قبل المراكزالوطنية للمعهد الدولي للمسرح والتي يبلغ عددها حوالي المائة موزعة في كل أنحاء العالم ومركزها الأساسي متواجد بمبنى اليونسكو في باريس. وكان جان كوكتو أول مَن كتب الخطاب العالمي للمسرح في العام نفسه، حيث قال «إن شعوب العالم ستصبح أخيراً مدركة للمنابع الخاصة لثروتها وتعمل معاً في سبيل الواجب النبيل في بناء سلام دائم». وتوالت بعد ذلك كلمات أكبر فناني المسرح التي تلقى كل عام دليلاً على الاحتفاء العالمي بحال المسرح كأقدم الفنون الآدائية، وأكثرها تطواً وتفاعلاً مع الإنسان وقضاياه الوجودية والاجتماعية، ونستعرض كلمات بعض الفنانين، التي تعكس رؤيتهم في الحياة والفن المسرحي ..
عالم بلا حدود
وتضيف إيزابيل هوبير .. «على الرغم من هذه الرسالة التي تشرفتُ بكتابتها، فقد تذكرتُ، وعادت إلى ذهني كل الأحلام التي عشتها على خشبة المسرح، لذا يمكنني القول إنني لم أحضر إلى قاعة اليونسكو هذه بمفردي، بل لقد جئتُ رفقة جميع الشخصيات التي تقمصتها خلال تأديتي للعديد من الأدوار، إنها شخصيات تبدو، وكأنها تُودعنا عندما ينزل الستار، ولكنها في العمق تظل ساكنة وقابعة في أعماقي، وهي تقدم الدعم للشخصيات التي جاءت بعدها، كما ترافقني جميع تلك الشخصيات التي أحببتها، وأعْجِبتُ بها، وصفقتُ لها كمتفرجة، ولهذا فأنا أشعر أنني أنتمي إلى العالم أجمع، فأنا مواطنة إغريقية، وإفريقية وسورية، ومن البندقية، ومن روسيا، ومن البرازيل، وفارس، ومن رومانيا واليابان، ومن مارسيليا ونيويورك، والفلبين، والأرجنتين، والنرويج، ومن كوريا وألمانيا والنمسا، ومن إنكلترا، في الواقع أشعر بأنني من العالم أجمع، تلك هي العولمة الحقيقية … أنا لا أعلم بالضبط ماذا يعنيه المسرح اليوم، إلا أنني أومن بالتجمع والتواصل والصداقة بين المتفرجين والممثلين والاتحاد بين كل ما يعنيه المسرح، الاتحاد والتناغم والوئام بين كتابه ومترجميه وشارحيه، وبين زواره، وحتى بين هؤلاء الذين رحلوا، إن المسرح يحمينا ويصوننا ويحبنا، مثلما نُحبه نحن، فنحن لا نعمل لكي نعطي للمسرح وجوداً، بل إنه بفضل المسرح نحن موجودون».
هل ما زلنا نحتاج إلى المسرح؟
تحت هذا العنوان جاءت كلمة الكاتب الروسي أناتولي فاسيلييف، التي ألقاها العام الفائت 2016 .. «ما هو المسرح بالنسبة لنا؟ شرفات مذهبة، وردهات في قاعات مسرحية فسيحة، وكراسي مخملية، وأجنحة فارهة، وأصوات ممثلين رقيقة، أو على العكس كشيء يبدو مغايراً .. مقصورات سوداء ملطخة بالوحل والدم، ونتوءات ضارة لأجساد عارية بداخلها. ماذا بمقدوره أن يحكي لنا؟ المسرح يستطيع أن يحكي لنا كل شي، كيف هي الآلهة في الأعالي، وكيف يذوي المحبوسون في كهوف منسية تحت الثرى، وكيف للعواطف أن ترتقي بنا، وللعشق أن يحطمنا، وكيف يمكن لامرئٍ ألا يحتاج لإنسان طيب في عالمه، أو كيف يمكن للإحباط أن يسود، وكيف للناس أن يعيشوا في دعة بينما الصغار يهلكون في معسكرات اللجوء، وكيف لهم جميعاً أن يرجعوا عائدين إلى الصحراء، وكيف نُجْبَر يوماً بعد يوم على فراق أحبتنا. إذن فبمقدور المسرح أن يحكي لنا كل شيء
المسرح وآلهة السرد
وتأتي كلمة المخرج البولندي «كريستوف ورليكوفسكي»، وقد ألقاها في العام 2015، ليوضح أن البحث عن المسرح اليوم يعتمد على عالم الكتّاب الكبار في السرد، لتجسيدهم قضايا الوجود والأزمة الحالية، فيقول .. «لا شيء يشبه المسرح في مقدرته الهائلة على الكشف والتعبيرعن العواطف الدفينة. كثيراً ما ألوذ بالنثر لدى كتاب كبار متميزين، مثل فرانز كافكا، وتوماس مان، ومارسيل بروست وسواهم، الذين أدركوا بفطرتهم الأصيلة نهاية النموذج السائد في العلاقات بين البشر، ونهاية الأنظمة الاجتماعية، والانتفاضات الثورية ضده، وهو ما غدونا نعانيه اليوم بشكل حاد، لقد أمسينا نعيش ونتعايش مع الجرائم والصراعات، والنزاعات التي تثار في مختلف الأماكن والأصقاع التي ما انفكت تنقلها لنا مختلف وسائل الإعلام، والاتصالات المنتشرة بيننا … لم تعد لدينا القدرة على استراق السمع أو النظر إلى ما وراء الأسوار، ولهذا السبب على وجه الخصوص ينبغي أن يستمد المسرحُ قوتَه وزخمَه وعنفوانَه، بإعمال النظر داخل كل المناطق المحظورة».
المجد للخيال
ويرى «يوجين أونيسكو» في كلمته التي ألقاها عام 1976 أنه .. «يجب إيجاد الحقيقة في المخيلة، إن مسرح المخيلة هو مسرح الحقيقة الطبيعية وهو وثيقة طبيعية. وليست هناك من وثيقة أمنية طول الوقت أو حرة لسبب بسيط ألا وهو أنها منحرفة لكي تخدم غرضاً معيناً.
إن المخيلة لا يمكن أن تكذب، إنها تميط اللثام عن نفسيتنا وعن الهموم الدائمة أو العابرة، عن اهتمامات الإنسان في كل العصور وفي عصرنا الراهن، وعن عمق الروح الإنسانية … إن الفنان المهدد في حرية خياله يصبح منفياً، فالمسرح هو تركيب حر للمخيلة، والفن كما يقال، لا يعرف حدوداً وعلى المسرح ألا يكون له حدود، إنه يتخطى الخلافات الايديولوجية والأجناس والأعراق والنظرة الإقليمية والفردية يجب على المسرح أن يكون دولة عالمية، لا أوامر على المبدعين ولا تعليمات من الحكومات»
رقابة الذات
ويرد الكاتب المسرحي «إدوار البي» في العام 1993 بأن المشكلة تكمن في رقابة الذات المبدعة، فيقول .. «يمكننا بمرسوم أن نزيل كل الحكومات عن هذا الكوكب، يمكننا محاولة ذلك يمكن أن نحرر أنفسنا من كل ما هو مفروض علينا بدون رقابة فكرية، يمكننا أن نحاول، لكننا نبقي مع أكثر أنواع الرقابة تحطيماً ألا وهي الرقابة الذاتية من قبل الناس غير الراغبين في أخذ خطوات حاسمة على طريق الوعي الذاتي الكامل. دعونا نذكر أنفسنا بذلك في اليوم العالمي للمسرح دعونا نذكر أنفسنا بأن الحدود على المسرح إنما هي الحدود التي نفرضها نحن عليه .. الحدود التي نفرضها على أنفسنا»
محكومون بالأمل
وطول هذه الفترة وفي سنوات متفرقة كان للصوت العربي وجوده بين هذه الكلمات، بداية من سعد الله ونوس عام 1996، والكاتبة فتحية العسال عام 2004، وحاكم الشارقة سلطان القاسمي عام 2007، ونختتم بمقطع من كلمة ونوس .. «إننا محكومون بالأمل وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ. منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم السرطان. وكانت الكتابة، وللمسرح بالذات، أهم وسائل مقاومتي. خلال السنوات الأربع، كتبت وبصورة محمومة أعمالًا مسرحية عديدة. ولكن ذات يوم، سئلت وبما يشبه اللوم: ولمَ هذا الإصرار على كتابة المسرحيات». فليكن المسرح وليكن الأمل في صيغة فنية وفكرية للحياة تسمو على وجهها المشوّه، وليكن الفن هو الروح التي تسمو بوجود الإنسان في هذا العالم.