بمناسبة تسلُّمه جائزة الأركانة العالمية للشعر/ك الشاعر البرتغالي نونو جوديس: الجائزة تجسد لقاء ثقافتين ليس بوسع الاختلافات الطبيعية أن تفصل بينهما

حجم الخط
0

الدار البيضاء ـ «القدس العربي»: قال نونو جوديس: «ولدتُ في جنوب البرتغال في بيت يُطلّ على البحر، وكانت الرؤية تسرح بي إلى أرض المغرب وهي غارقة في غموضها، مما كون لديّ انطباعاً أسطوريّاً عنه (…) ورغم الماضي الصدامي الذي ساد إبّان فترة الاستعمار، إلا أنّه تم تجاوزه بالشعر والتشكيل والمعمار الذي خلقه الحضور العربي الإسلامي وفتحت عيني عليه».
وتابع عبر الكلمة التي ألقاها قُبيْل تسلّمه درع الجائزة، التي هي عبارة عن شكل شجرة أركان برونزية، في حفل بهيج أحيته الفنانة سميرة القادري وحضره وزير الثقافة المغربي وسفيرة دولة البرتغال والشاعر العراقي سعدي يوسف والأمين العام للجائزة ورئيس لجنة تحكيمها وأعضاء من بيت الشعر في المغرب: «فضلاً عن اعتبارها قيمة أدبيّة تكرس الاعتراف العالمي بتجربتي الشعرية، فهي كذلك تمثل بالنسبة لي قيمة وجدانية، لأنها تجسد اللقاء بين ثقافتيْن ليس بوسع البحر ولا تباين الثقافات والاختلافات الطبيعية أن تفصل بينهما».
وعن ماهية الشعر، قال الشاعر البرتغالي بصوت جهوري لا يخفي نبرة الفرح بالجائزة وسط جمهور غصت به قاعة القدس، ضمن فعاليات الدورة 21 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، الذي تحتضنه الدار البيضاء حتى 22 شباط/فبراير الجاري: «إن الشعر ليس له تحديد؛ فالشعر ببساطة هو ما يصنعه الشاعر بالكلمات. القصيدة تتشكل من لغة، موسيقى وإيقاعات، وصور تشفّ عن جزء من جوهر الطبيعة (…) أما وظيفة الشعر الأساسية فهي تتمثل في تحديد القيم الإنسانية الكبرى للحياة»، ثم قرأ قصيدتين من شعره هما: «ميتافيزيقا» و«استعدادات السفر»، تعبّران في العمق عن طبيعة اشتغال عقل نونو شعريّاً لغة وإيقاعاً وتصويرا.
وهو ما أوضحه، في كلمته التقديمية، الأمين العام الشاعر حسن نجمي إذ نعت الشاعر البرتغالي بأرفع الأصوات الشعرية الإنسانية في عالمنا اليوم، ورأى أنّه يجسد أكثر من قيمة، بحيث استطاع أن ينحت نصّاً خفيض النبرة ويواصل تكريس الشعر البرتغالي الحديث الذي ورثه عن شعراء مؤسِّسين، وفي مقدمتهم فرناندو بيسوا. وقال: «إنّه خُلِق ليكون شاعراً، وقصائده أفضل الشهود على نفَسِه الشعري العميق والغزير».

شاعر التبصر والعمق:

وفي كلمة له، أشار رئيس بيت الشعر في المغرب الشاعر نجيب خداري إلى أن «الجائزة تذهب إلى رموز من جوارنا: الإسباني أنطونيو غامونيدا، والفرنسي إيف بونفوا، والبرتغالي نونو جوديس… وهو جوار يتقاطع فيه الإنساني والأنطولوجي والجغرافي والتاريخي والحضاري، مثلما يتداخل فيه الشعري كتابةً وتمثُّلاً». وعن المتوّج بجائزة الأركانة العالمية للشعر في نسختها التاسعة، قال إنه «يعرف كيف يلغي المقروء ويضعه في خزائن النسيان حتى لا يكون سوى ذاته وليبني فرادته من اللاشيء (…) كما يعرف كيف يلغي، في شعره، الحدود مع النثر، من دون أن يفقد الشعر طراوته، في التخييل، وفي العمق الموسيقي، وفي روح الحياة الماثلة داخله من خلال اليومي الذي يصير أبديّاً، وفي السردي الذي يتحول شعريّاً، وفي السخرية السوداء وهي تتحول إلى جد وحزم».
من جانبه أشاد وزير الثقافة محمد الأمين الصبيحي بأهمية الجائزة عبر «انفتاح المغرب على مختلف المدارس الشعرية في مختلف القارّات». ولم يفت الشاعر حسن مكوار رئيس لجنة التحكيم أن يؤكد على مكانة نونو جوديس الشعرية داخل بلده البرتغال وخارجه، وقد تُرجمتْ أعماله إلى لغاتٍ عدّة، ويحفل سجلّه بعدد من الجوائز العالمية، كانَ أولها جائزة بابلو نيرودا للشعر سنة 1975.
وكانت لجنة تحكيم جائزة الأركانة العالمية للشعر قد اجتمعت في وقت سابق في الرباط، وارتأت بعد التداول في الأسماء المرشحة لنيل الجائزة أن تُتوّج، في دورتها التاسعة، الشاعر البرتغالي نونو جوديس الذي وصفته بأنّه «أحد الأسماء الشعرية الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الشعري المعاصر في بلاده وفي الشعرية الإنسانية، من خلال تجربته الشعرية الطليعية التي عرفت انطلاقتها مع بداية احتضار الديكتاتورية السالازارية وانبثاق لحظة جديدة في حياة البرتغال».
وأضافت: «إن التبصر والعمق في تأمل الأشياء لدى الشاعر جعلاه يستقصي الجذور الخفية للقول الشعري في مسارات بحث لا ينقطع عن الجوهر اللغوي للإبداع الشعري.
كما نلمس لديه اقتداراً قوياً على الحكي وتوظيف السرد الذي يساهم في رسم استراتيجيات وظيفية جديدة للنص الشعري، مستحضراً الأبعاد الأوطوبيوغرافية التي تقرب الشعري من المكاشفة المفتوحة على الذات والأحاسيس والتجارب، بما فيها الحميمي والمنفلت المستعصي على الوصف. كما تنفسح شعريته  لاستكشاف الأعماق الأكثر عتمة في الوجود، اعتماداً على الرؤى والأحلام».
وقد ولد الشاعر البرتغالي نونو جوديس في بميشلويرا غراندي بإقليم الغربي سنة 1949. درس الآداب الرومانية في جامعة لشبونة الكلاسيكية. عمل أستاذا في الجامعة الجديدة للشبونة التي نال فيها درجة الدكتوراه سنة 1989 بعد أن تقدم بأطروحة لنيل الدكتوراه ببحث في الآداب القروسطية.
وأحرز عدة جوائز اعترافاً بجهوده في بلورة وتطوير شعرية تؤسس لمعرفة قلقة بأسرار الوجود من خلال القصيدة، وكان آخرها جائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبيرو أمريكي سنة 2013 عن مجموع أعماله. ويقول عنه أنخيل كريسبو أحد دارسيه: «لقد عرف كيف يدمج الصولات اللسانية للتيارات الطليعية لسنوات 1950 و1960 في نصية تتجنب تشظي القصيدة وتتجه على العكس من ذلك نحو حكي ملحمي غنائي في التباس…».
بالمناسبة، ستصدر منتخبات من شعر نونو جوديس يعكف على ترجمتها الشاعران حسن نجمي وخالد الريسوني، كما وعد الشاعر سعدي يوسف بدوره بالاعتكاف على ترجمة نحو خمسين نصّاً من ريبرتوار نونو ذي اللهجة الخفيضة واللمعة الميتافيزيقية.

الأركانة أو ضوء الذاكرة الإيكولوجية:

تعدُّ جائزة الأركانة، البالغة قيمتها المالية 120 ألف درهم (نحو 15 ألف دولار) أهمّ جائزة شعرية تُمنح في المغرب عن طريق جمعية بيت الشعر المغربي، بشراكة مع مؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير، وتعاون مع وزارة الثقافة. وقد نالها منذ إحداثها عام 2002، شعراء حداثيون ورواد مؤسسون في الشعريّات التي يمثلونها تكريماً لعطاءاتهم واعترافاً بما قدموه في المجال الشعري عن مجمل أعمالهم، وهم: الصيني بي داو (2002)، المغربي محمد السرغيني (2004)، الفلسطيني محمود درويش (2008)، العراقي سعدي يوسف (2009)، المغربي الطاهر بنجلون (2010)، الأمريكية مارلرين هاكر (2011)، الإسباني أنطونيو غامونيدا (2012)، الفرنسي إيف بونفوا (2013). وتستوحي الجائزة اسمها من شجرة الأركانة المتميزة بزيتها وثمرتها التي لا تنبت في أي مكان آخر من العالم سوى في المغرب، وتحديداً في إقليم سوس.

قصيدة «ميتافيزيقا»:
أمام فنجان القهوة، يشعل
سيجارة، ليس راغِباً في معرفة شيء عن الإلهام،
عن أبيات شعرية تعسة، عن وجهات تائهة
تشبه وجهة الأنهار. لرُبّما
لن يُخيفه الزمن، أن يكون الموت
بالنسبة له مجرّد فكرة
لا تملك تحقُّقها المرئي، ألا تترك
العيون لشيء ما من الحياة المجردة
والمتطابقة مع الروح أن ينجلي.
أحياناً يفكر أن يجيب
على الأسئلة التي تُطرح عليه، لكنّه
يُؤجّل تلك اللحظة، يُفضّل أن يواصل
مُكابرة الحاضر الصامتة، كما لو كان الحاضر
سيستمرّ، وكما لو أنّ القهوة
لم تبرد في الفنجان.

عبد اللطيف الوراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية