يعيش المغرب أزمة سياسية جراء فشل الأحزاب في تشكيل الحكومة برئاسة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الانتخابات التشريعية. ويزداد النقاش تعقيدا وغموضا بحكم افتقار البلاد لتقاليد ديمقراطية حقيقية.
احتل حزب العدالة والتنمية المركز الأول في الانتخابات، متبوعا بالأصالة والمعاصرة ثم حزب الاستقلال وبعده حزب الأحرار ولاحقا حزب الحركة الشعبية، واحتل الحزب الاشتراكي التاريخي المركز السادس. وفي موقف مثير للغاية، يصر رئيس الحكومة المعين بن كيران على التشبث بحزب الأحرار كشريك سياسي وتخلى عن حزب تاريخي وهو حزب الاستقلال. ولا يعود تشبث بن كيران بالأحرار إلى قيمة هذا الحزب السياسية أو نبوغ قيادييه بل فقط لأن أمينه العام عزيز أخنوش هو صديق مقرب للغاية من الملك محمد السادس، وسيكون مخاطبه الرئيسي بدل من اعتبره لمدة طويلة «عدوه اللدود» فؤاد علي الهمة مستشار الملك.
ولا يفهم الرأي العام المغربي تشبث بن كيران بعزيز أخنوش إلى مستوى أنه تعرض للإذلال السياسي من كثرة الشروط التي فرضها عليه حزب الأحرار، بينما كانت له الفرصة للتحالف مع أحزاب تاريخية ومنها حزب استقلال. وإنقاذا لماء الوجه، أصدر بن كيران منذ عشرة أيام بيانه «انتهى الكلام» بعد فشل المفاوضات كاحتجاج على هذه الإهانات التي يفترض أنه تعرض لها، ولكنه ما لبث أن اتصل بأخنوش للتفاوض من جديد، أي انتقل إلى «وبدأ الكلام»، في تناقض حقيقي. وبالتالي يعيش المشهد السياسي الرسمي مأزقا، فالدستور ينص على تكليف الحزب الفائز بتشكيل الحكومة، لكنه يصمت حول الائتلافات الحزبية، ما يفتح الباب أمام إعادة الانتخابات. ويفتقد المغرب لتقاليد ديمقراطية حقيقية، الأمر الذي يجعله في هذا المأزق. بينما دول جارة له سبقت الى الديمقراطية لديها تأويلات سلسة للدستور. ومن ضمن الأمثلة، في إسبانيا حين فشل الأمين العام للحزب الشعبي ماريانو راخوي في تكوين ائتلاف حزبي لتشكيل الحكومة في انتخابات ديسمبر 2015، قام المحتل للمرتبة الثانية، الأمين العام للحزب الاشتراكي بيدرو سانتيش بمحاولة تشكيل الحكومة، ولم يحصل على الأصوات الكافية في البرلمان، وكانت الدعوة للانتخابات الجديدة خلال يونيو الماضي، ونجح راخوي في تشكيل الحكومة. وفي البرتغال، تصدر الحزب الاجتماعي الديمقراطي بزعامة بيدرو مانويل كويلهو الانتخابات بأغلبية بسيطة في انتخابات 2015، لكنه فشل في تشكيل الحكومة، ونجح الحزب الاشتراكي بزعامة أنتونيو كوستا المتزعم للمرتبة الثانية في جمع الأحزاب اليسارية وتشكيل الحكومة ورئاسة البرلمان.
والواقع أنه يصعب على المرء التموقع في الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد تماشيا مع جزء من البيت الشعري للحمداني «هما أمران أحلاهما مر». فمن جهة، هناك الدولة المغربية العميقة، التي لا ترغب في استمرار الإسلاميين على رأس الحكومة، ولا تمتلك أجندة ديمقراطية ومتورطة في الفساد. ومن جهة أخرى، هناك بن كيران الذي لديه شرعية نسبية وفق صناديق الاقتراع، ولكنه لم يحترم أجندة الشعب المغربي، وسعى الى إرضاء الدولة العميقة في البلاد والإعراب عن الوفاء المطلق لها الى مستوى المذلة، إذ ينطبق عليه قول الشاعر الحمداني نفسه «وفيت، وفي بعض الوفاء مذلة». لكن وفاء الشاعر الكبير كان قليلا وبن كيران أفرط في الوفاء مثل إفراط أبو نواس في مدح الخمر. وطالما أن طبيعة المخزن المغربي معروفة، ولا يمكن الرهان عليه بسبب خذلانه للشعب في عدد من المحطات التاريخية وأبرزها التزام الدولة بالبحث عن «أين الثروة؟» أين ذهبت ممتلكات المغاربة؟ والطبقية التي تعيشها البلاد ولم يفعل شيئا. كما توجد دراسات كثيرة للغاية حول المخزن المغربي، فيجب التركيز على ما أنجزه بن كيران للشعب المغربي وهل الجدل السياسي الحالي حول تشكيل الحكومة هل هو لصالح هذا الشعب أم لا؟ في هذا الصدد، إن الحكومة التي ستنبثق مستقبلا عن الانتخابات التي جرت يوم 7 أكتوبر الماضي، أو في حالة تكرارها، هي فاقدة للشرعية الحقيقية بحكم أن النسبة الحقيقية لمشاركة المغاربة الذين يحق لهم التصويت لم تتجاوز 20% وليس المسجلين في لوائح الانتخابات، علما بأن الشرعية تبدأ من 51% من مشاركة المواطنين الذين يحق لهم التصويت. في الوقت ذاته، إن الأزمة الحالية لا يمكن اعتبارها مواجهة بين برامج سياسية واقتصادية تسعى الى الدفاع عن حقوق ومصالح الشعب المغربي، بل بين لوبيات سياسية ذات أهداف اقتصادية محضة، ولوبيات تريد أسلمة جزء من الدولة، علما بأن هذه الدولة عمادها الإسلام. لا يمكن الدفاع عن التجربة الحكومية لبن كيران خلال الخمس سنوات الماضية، فقد حاول تقليد التركي أردوغان ووعد الشعب بتحقيق 7% من النمو الاقتصادي ومحاربة الفساد، لكنه أخلف الوعد، وهذا ليس من شيم المسؤول «إذا عهد وفى». فقد سجل المغرب مع بن كيران أدنى مستويات النمو في تاريخه وتفاقمت الفوارق الطبقية ويتم الإجهاز على الاستثمارات العمومية ومعه مناصب الشغل في القطاعات العمومية. وارتفع اليأس إلى مستوى أن المغرب يسجل أعلى معدلات حرق الذات في العالم تقريبا وهجرة الشباب وكأن البلاد تعيش كارثة طبيعية عظمى أو حربا أهلية. نعم، لا يتحمل بن كيران المسؤولية وحده بل رفقة الدولة العميقة.
إن الحكومة المقبلة التي تثير الكثير من الجدل سياسيا وإعلاميا سوف تعمل على خوصصة (خصخصة بأسلوب أشقائنا المشارقة) التعليم بعدما سجل أدنى مستويات من التدهور في عهد بن كيران مقارنة مع العقود الأخيرة، وسيرفع من إيقاع خوصصة الصحة، بل تحول الى أكبر تلميذ نجيب لسياسة صندوق النقد الدولي التي جعلت المغرب مختبرا لها، كما جعلت في الماضي دولا أخرى مختبرا لتجاربها في أمريكا اللاتينية.
سجلت حكومة بن كيران صمتا مريبا حول ملفات الفساد، وعندما انفجرت فضيحة بنما والحسابات السرية في سويسرا لمغاربة، لم يتردد وزير العدل مصطفى الرميد بالقول «ليس لدينا خبراء لفتح تحقيق»، هل يوجد تصريح يحمل من المذلة مثل هذا التصريح.
نعم، يتمتع بن كيران بنوع من الشرعية لأنه لم يتورط في الفساد، وحصل على المرتبة الأولى في الانتخابات، ولكن بمشاركة 20% فقط من المغاربة، لكنه لم يعط لرئاسة الحكومة بعد الربيع العربي موقعها الحقيقي، وبالغ في الوفاء للدولة العميقة. إنه بين أمران أحلاهما مر: المزيد من الوفاء الى مستويات غير مسبوقة من المذلة، أو الاستقالة والعودة الى صناديق الاقتراع ونسج تحالفات بدون الخضوع للأوامر العليا.
ووسط كل هذا، الشعب المغربي أمام أمر واحد وهو مر: تحمل المزيد من الفساد وغياب أبسط الخدمات الاجتماعية وإغلاق باب التوظيف العمومي وتدهور التعليم، وعليه بالصمت حتى لا يتهم بأنه يبحث عن الفتنة.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»
د. حسين مجدوبي