بن كيران يبعد خطر الانقسام داخل حزب العدالة والتنمية

حجم الخط
2

الرباط ـ «القدس العربي» من محمود معروف: إذا كان سؤال مصير ومستقبل عبد الاله بن كيران شغل المغاربة طوال العام الماضي، فان السؤال الذي كان يطرح ويغيب هو مستقبل حزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإسلامية والحزب الرئيسي في الحكومة المغربية.
وهيمنة سؤال بن كيران، تعود إلى كون الرجل الذي أتى من الشعب، بعيدا عن العائلات السياسية المعروفة، وعن النخبة التي عرفها المغرب طوال عقود ما بعد الاستقلال، موالية أو معارضة، طبع الحياة السياسية بطابع شخصيته البسيطة، ليبقى ابن الشعب حتى بعد استبعاده من مقعد رئاسة الحكومة.
عبد الاله بن كيران، كان لونا غريبا عن اللوحة السياسية المغربية، يتحدث بعفوية وببساطة، بلغة أبناء الشعب، الممجوجة لدى النخبة، والتي يستعذبون وصفها بالشعبوية ووصف صاحبها بالمهرج. كان بن كيران مرنا بكل شيء، لكنه متشبث ومتمسك بالقضايا التي يعتبرها أساسية، لا يساوم عليها ولا يهادن خصومها، حتى وان كان بعض حلفائه حمله مسؤولية ما آل إليه بسبب هذه المرونة والبعض الآخر حمل مآله لدفاعه عن من كان متبنيا من اليوم الأول موقفا عدائيا منه.
كانت الضربة الموجعة لعبد الاله بن كيران في المؤتمر الوطني الثامن لحزبه، الذي عقد يوم 8 كانون الأول/ديسمبر، ومهد لها المجلس الوطني للحزب يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بعد ضربة عرقلة مهمته في تشكيل الحكومة على مدى 6 أشهر، ضربة الأسبوع الماضي كانت من رفاقه الذين استطاعوا من خلاله، ومن خلال حزبهم بالتأكيد، ان يكونوا جزءا من الفعل السياسي من موقع تدبير الشأن العام، وإن كانوا يحرصون طوال الشهور الماضية، على النأي بأنفسهم عن بن كيران، دون ان يعلنوا ذلك والاكتفاء بتسريبات وانتقادات لتصريح أو موقف أدلى به زعيمهم.
كان من أطلقوا على أنفسهم «مؤيدو الولاية الثالثة» يسعون لانتخاب عبد الاله بن كيران لولاية ثالثة من خلال تعديل المادة 16 من نظام الحزب الأساسي التي تنص على ان تولي أي مسؤولية في الحزب، تقتصر على ولايتين متتاليتين، وهي المادة التي تحـــول دون إعــادة ترشيح بن كيران لولاية ثالثة، إذ انتخب أمينا عاما للحزب 2008 واعيد انتخابه لولاية ثانية 2012 لكن تيارا في الحزب، عارض محاولات التعديل، وأطلق عليه «تيار الاستوزار» كون أبرز رموزه وزراء حاليين أو مقربين من هؤلاء، واستند هذا التيار بموقفه إلى ضرورة احترام قانون الحزب وعدم تركه استنساخا للدساتير العربية التي تتعدل بسرعة البرق إذا رغب «الزعيم» بذلك.
وأضاف هؤلاء، ضرورة ان يكون الأمين العام للحزب هو رئيس الحكومة، وبالنسبة لبن كيران، لم يتوان هؤلاء الإشارة الواضحة إلى رغبة المراجع العليا باستبعاد بن كيران من الأمانة العامة، لما يشكله حضوره ومواقفه من إزعاج.
كان عبد الاله بن كيران، منذ ان شكل أول حكومة بعد دستور 2011 بقدر تأكيد التزامه، عن قناعة تامة، بالملكية واحترام الملك واختصاصاته، بل ذهب إلى قوانين تنظيمية تخلى فيها عن صلاحيات كثيرة لرئيس الحكومة لصالح القصر، إلا ان شعبيته باتت مقلقة ومواقفه ومفرداتها باتت مزعجة، لما تحمله وبوضوح من خروج عن المألوف في الحياة السياسية المغربية التقليدية، فكان قرار استبعاده عن رئاسة الحكومة، من خلال استبعاد حزبه عن الأغلبية التي ستفرزها انتخابات 7تشرين الأول/اكتوبر 2016 لكن المحاولات التي جرت جاءت نتائجها لصالح بن كيران وحزبه، ليس فقط في احتلال المركز الأول في البرلمان وهو ما يؤهله لقيادة الحكومة، بل احتل المرتبة الأولى بفارق كبير عن الآخرين.
وفور معرفة النتائج وقبل إعلانها، جرت محاولات لإقناع الأحزاب بالامتناع عن المشاركة في الحكومة، وإفشال بن كيران في تشكيلها، وكشفت وفشلت، وذهب مناهضو بن كيران نحو فرض أغلبية حزبية عليه وهو ما صمد أمامه وتمسك بأغلبية يريدها من بينها حزب الاستقلال، بعد امساك زعيم الاستقلاليين بـ«خطيئة» موريتانيا وتاريخها، قبل بن كيران بالأغلبية السابقة، لكن قبوله لم يكن كافيا، وبقيت البلاد بلا حكومة 6 أشهر ليصار إلى اعفائه بطريقة «مهينة» وتبعها تعيين الدكتور سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني للحزب، رئيسا للحكومة، الذي شكل الحكومة بالصيغة التي أرادها مناهضو بن كيران، وهو ما لم يعارضه بن كيران ودون أن يباركه، وخلق تململا في الحزب، دون الذهاب نحو الخلاف، إلى ان اقترب موعد المؤتمر الوطني الثامن، ليظهر داخل الحزب «الفيروس» الذي لم ينج منه حزب في المغرب دخل الحكومة.
كان مقررا عقد المؤتمر الثامن صيف 2016 لكنه كان خارجا لتوه من انتخابات المجالس البلدية ويستعد للانتخابات التشريعية وتقرر تأجيله والتمديد لقيادته لمدة سنة، وحين اقترب الموعد الجديد، تحركت آلة حزبية لإعادة الاعتبار لبن كيران والدعوة لإعادة انتخابه أمينا عاما من خلال تعديل المادة 16 وبدأت المعركة/ النقاش تأخذ شكلا علنيا، فيما نآى بن كيران نفسه عن هذه المعركة/ النقاش، الذي بدأ أنصار «الولاية الثالثة» من خلاله أقوى وكسبهم أوضح، لكن تيار «الاستوزار» كان يعد للمعارك الانتخابية الحزبية معركة معركة، ونجح في قرار للأمانة العامة بعدم تعديل المادة 16 واقترح مشروع التعديل على المجلس الوطني وفشل وحاول أصحاب المشروع نقله إلى المؤتمر ولم ينجحوا.
كانت المخاوف ان يذهب الخلاف على وضعية بن كيران إلى انقسام داخل الحزب، وإذا كان الشرخ قد حدث، فإن الانقسام لم يحدث، ويعود ذلك إلى ادراك كل طرف ان أي انقسام سيفقد الطرفين قوتهما لان الحزب سيفقد قوته وتأثيره، خاصة انه في مرحلة تراجع والانفضاض الجماهيري حوله ملموس، وإذا كان لبن كيران الفضل في لجم الخلاف لعدم الذهاب نحو الانقسام، فان انتخابات المجلس الوطني والأمانة العامة الجديدة واستبعاد رموز عديدة من «تيار الولاية الثالثة» لبن كيران تشير إلى ان الجمر ما زال تحت الرماد، في انتظار ريح تحوله إلى نيران.

 

بن كيران يبعد خطر الانقسام داخل حزب العدالة والتنمية

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية