اعتاد المغاربة ترديد قولة شعبية شهيرة وهي «إذا كنت في المغرب فلا تستغرب»، ولا يعود استعماله إلى رنته الموسيقية، بل إلى ما يسجله المجتمع من أحداث سياسية واجتماعية تكون عنوانا بارزا للمفارقات والتناقضات في هذا البلد الأمازيغي- العربي.
وفي الوقت ذاته، اعتاد المغاربة التركيز الشديد على قاعدة يرفعونها إلى مستوى القداسة «الخصوصية المغربية». وهذه الأيام نعيش كمغاربة هذا النوع من الأحداث السياسية والاجتماعية في المغرب، تتعلق بتصريحات صادرة عن رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران وأخرى بحادث يهز الشعب المغربي بعدما وجد بلاده فجأة تستقبل نفايات خطيرة من إيطاليا بسبب جشع البعض الذين حولوا البلاد إلى حديقة خاصة.
وقال ابن كيران مؤخرا في اجتماع لهيئته السياسية أنه توجد في المغرب حكومتان، واحدة رسمية وهي التي يرأسها وتابعة للملك محمد السادس، وأخرى غير معروفة تتخذ قرارات لا أحد يعلم بها حتى نتفاجأ بها.
القارئ غير المغربي سيجد في تصريح رئيس الحكومة تناقضا مع المنطق السياسي. وسيتساءل هل رئيس الحكومة الذي يفترض أنه منتخب من طرف الشعب، والملك الذي يعود الى سلالة حاكمة منذ أربعة قرون مجرد دمى ولا يسيطران على قوى قد تكون سياسية أو أمنية أو عسكرية تتخذ قرارات غصبا عن هاتين المؤسستين؟ وتصدر تصريحات ابن كيران بعدما قضى في رئاسة الحكومة خمس سنوات، واقتربت الانتخابات التشريعية المرتقب إجراؤها يوم 7 أكتوبر المقبل. فهل كان الأمر يتطلب كل هذه الفترة الزمنية ليصل ابن كيران الى هذه النتيجة؟
السلطة التنفيذية والتشريعية في المغرب مقسمة، طرف تمثله المؤسسة الملكية وهي الحكومة الفعلية، فهذا الطرف يشرف على الملفات الكبرى مثل الدبلوماســــية والاقتصاد والاستخبارات والجيــــش، بينما الطرف الثاني هو الحكومة وتتولى تسيير ملفات تتراوح بين الرئيسية والثانوية. وكل مواطن مغربي وكل باحث أجنبي في الشأن السياسي المغربي يعرف هذا التقسيم بشكل جيد. ويبقى المثير الى مستوى الشــــفقة أن ابن كيران الذي يعلن أنه لا يســـتطيع مواجــهة ما يصـــفه بالحكومة السرية في المغرب، يطالب المغاربة بتجديد ولايته في الانتخابات المقبلة. من يدري فقد يفوز وسيكتشف بعد مرور خمس سنوات، أي سنة 2021 أن الحكومة المغربية المنصوص عليها في الدستور ما هي إلا أكبر جمعية غير حكومية في المغرب. ولهذا، إذا كنت في المغرب فلا تستغرب.
وفي حادث آخر وهذه المرة يجمع بين البيئي والسياسي والاجتماعي. فقد أبدع المخزن المغربي في مجال البيئة، معلنا يوم الفاتح من يوليو الجاري نهاية استعمال أكياس البلاستيك في البلاد. فقد رغب المخزن «السلطة التقليدية» أن يبرهن للعالم أنه بمناسبة احتضان الغرب قمة المناخ العالمية فسيكون أول بلد سيضع حدا لاستعمال أكياس البلاستيك، إنها طريقة فريدة من نوعها لدخول تاريخ البشرية. لا ندري نوعــــية النزوة التي أصابــــت الدولة المغربية لاتخاذ قــرار مماثل فشلت فيه كل دول العالم بدون استثناء، وأقصى ما أقدمت عليه بعض الدول هو فرض سعر لكيس البلاستيك ما بين خمسة وعشرة سنت من الدولار لتشجيع الناس على استعماله مرات متعددة.
لم يجد المخزن المغربي دولة مرجعية للقرار الذي اتخذه، ورغم ذلك تبناه وفرض أكياسا غير بلاستيكية مرتفعة الثمن، وحرم آلاف العاملين في مجال البلاستيك من صنع الأكياس لينضاف هؤلاء إلى العاطلين، ومن يدري، إلى المغامرين بحياتهم في مياه المتوسط للوصول إلى أوروبا. ولنتساءل بعد قرار البلاستيك، لماذا لا تقلد الدولة المغربية ديمقراطية دول أخرى وتحدد تاريخا معينا وتعتبره بداية تطبيق ديمقراطية حقيقية في المغرب؟ وهكذا تصبح جميع المؤسسات تحترم القوانين ولا يوجد أي شخص فوق القانون. نعم، هذه المرة، ستجد الدولة المغربية الكثير من الدول كمرجع والبداية مع الجارة الشمالية إسبانيا.
قد يكون ما نكتب من باب الخيال السياسي على شاكلة الخيال العلمي، وإن كان الخيال العلمي يتحقق في الكثير من الأحيان، واقرأوا روايات الفرنسي جيل فيرن كيف كان يتحدث عن وصول الإنسان إلى سطح القمر، ووصل الإنسان فعلا سنة 1969. لكن تحديد تاريخ لدمقرطة المغرب سيكون بمثابة انتظار عودة المهدي المنتظر، فهل يعلم أحد منكم تاريخ عودة المهدي المنتظر؟ ومن سخرية الأقدار، أنه في اليوم الذي فرضت الدولة نهاية أكياس البلاستيك، انفجرت فضيحة أخلاقية وبيئية وسياسية بكل المقاييس. فقد رخصت الدولة باستيراد 2500 طن من النفايات الإيطالية لإحراقها في شركة إسمنت. واكتشف المغاربة أن الأزبال هي من منطقة كامبانيا الإيطالية، وتسيطر المافيا على تجارة الأزبال هناك.
وفي الوقت ذاته، اكتشف المغاربة أن دول رائدة تكنولوجيا في حرق الأزبال لاستخراج الطاقة منها وعلى رأسها السويد والنرويج رفضت استيراد النفايات الإيطالية لأنها خطيرة، وإذا بالمغرب يقبل باستيرادها وكأنه يتوفر على تكنولوجيا أكثر تطور من النرويج! وهكذا اكتشف المغاربة أن بلدهم يستقيل أزبال خطيرة…إنها الخصوصية المغربية.
٭ كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»
د. حسين مجدوبي