بواز شوشان ومنهجية تفكيك التاريخ

حجم الخط
0

يعد كتاب «شعرية التاريخ الإسلامي تفكيك تاريخ الطبري» لبواز شوشان الصادر عن دار الجمل 2016 ترجمة حيدر الكعبي، من الكتب التي تتعامل مع التاريخ تعاملا يتبنى منطلقات نقدية ذات اتجاهات ثقافية ما بعد حداثية، كون المؤلف شوشان لا يرى التاريخ سجلا للوقائع ووظيفته هي أرشفة الأحداث التي وقعت في الزمن الماضي، وإنما هو بناء نصي شأنه في ذلك شأن أي مادة أدبية إبداعية.
أما رؤية الماضي بوقائعه وأحداثه فذلك مما يقبع وراء النص لا وراء الزمن، وإن الوقائع التاريخية ليست سوى حكاية أو رواية يتم التركيز على سرديتها بغض النظر عن إخبارياتها صدقا أو زيفا أو مرجعياتها سياقات وإحالات.
ويتابع بواز شوشان في هذا الكتاب، مشروعه الثقافي الذي تجسد في مؤلفات سابقة ومنها كتابه «الحضارة الشعبية في القاهرة في القرون الوسطى» عام 1993 وكتابه «خطاب في التذكير والتأنيث الخطاب المذكر والخطاب المؤنث في الشرق الأوسط» عام 2000
ومعلوم أن تداخل الأدب بالتاريخ يعد من نتاجات ما بعد الحداثة، التي ألغت الحواجز والحدود بين المعارف والعلوم، وما عادت مقالة أرسطو في تفضيل الشعر على التاريخ فعالة في هذا الصدد.
ويرى شوشان أن أوليات هذا التداخل هي من ابتكارات الرومانسيين، ربما لأنه رآهم تنويريين يرفضون القواعد وينفرون من السير على المنوال. ولقد نظر شوشان إلى تاريخ الطبري بوصفه نصا وليس خزائن معلومات أو وثائق حقيقية ليكون بمثابة مشروع بحث لغوي وتحليل أدبي واستراتيجيات سردية وبلاغية وأطروحات أيديولوجية وفكرية.
ويقر شوشان بتأثره بالمؤرخ والناقد الأمريكي هايدن وايت، لاسيما كتابه «ما وراء التاريخ: الخيال التاريخي في أوروبا في القرن التاسع عشر» وفيه يدعو وايت إلى سردنة التاريخ والنظر إليه على أنه سرد وأيديولوجيا وليس أخبارا ووقائع.
أما مرجعيات شوشان الأخرى فتوزعت بين رافدين نقديين، الرافد الأول تمثله الدراسات التي اهتمت بتحليل الأعمال التاريخية بأدوات النظرية الأدبية، ومنها كتابات ماير سبيترنبرغ المتخصص في شعرية التوراة والإنجيل ودراسة ليو برودي عن التقنيات الشعرية في كتاب أدوارد غيبون الموسوم «انحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها» التي انطلق فيها من وجهة نظر إبداعية، سردية شعرية. وفرانز روزنتال وكتابه «تأثير التراث التوراتي والإنجيلي في التاريخ الإسلامي» فضلا عن طروحات عدد من فلاسفة مرحلة ما بعد الحداثة ومفكريها ومنهم جان فرانسوا ليوتار القائل، إن التاريخ وهم عظيم.
والرافد الثاني مثلته مرجعيات نقدية حديثة في مقدمتها دراسة طيب الهبري المعنونة «قتل الخليفة الأمين وتحديات التمثيل في التاريخ الإسلامي القروسطي» وهي في الأصل أطروحة دكتوراه، وقد وقف شوشان عندها وقفات متعددة بسبب ما طرحه الهبري وتبناه من رؤى ما بعد حداثية من قبيل أن لا حقائق تاريخية أصيلة في التاريخ الإسلامي الكلاسيكي، وأن كتب التاريخ مجرد تلفيقات.. ويضاف إلى هذه الدراسة مرجعيات نقدية أخرى حديثة وغير تقليدية للتاريخ الإسلامي منها، دراسة فدوى مالتي دوغلاص «حكم المعتمد وبناء المعنى التاريخي» ومايزمي وكتابه «التاريخ الفارسي» ومارشال هوجسن وغيرهم ممن درسوا السمات السردية لنصوص تاريخية من العصر الوسيط. ومن مجموع هذه المرجعيات حاول شوشان أن ينحو بدراسته للتاريخ الإسلامي وتحديدا تاريخ الطبري منحى جديدا لا يخرج عما طرحه هايدن وايت، من أن التاريخ مادة سردية وأن على الباحث أن يتعامل معه من منطلق أدبي لا زمني. أما ماضوية الوقائع التاريخية ومدى موثوقية وقوعها وأهمية معرفة صدقها من تلفيقها فذلك ما لا يهتم به شوشان، لأن التاريخ عنده مادة نصية وليست فعلا زمانيا وأن وظيفة الباحث ليست التحقق من واقعية الأحداث المدونة وإنما شعرية البناء النصي لتلك الأحداث.
وتتوزع دراسته الثقافية لتاريخ الطبري على أساسين أحدهما كلاسيكي تمثله المحاكاة، والآخر حداثوي تمثله اللامحاكاة فأما المحاكاة فدرسها في البنية والأساليب في ضوء قراءة نصية شعرية درست الوصف المفصل للأشياء مثلا والمكان وملامح الوجه والإيماءات والمشاهد والتفاصيل الصغيرة جدا والمعرفة الناقصة ودور شاهد العيان والمصادر الموثوقة ودور الاقتباس الحرفي والعلم الكلي وغيره. وأما اللامحاكاة فتمثلت في تتبع الالتباسات والتضادات بغية التقاط التلميحات الأيديولوجية والممارسات التصويرية للواقع من ناحية ما بعد قرائية تنظر في ما يزاوله الرواة وهم يكتبون التاريخ. وصحيح أن بالمحاكاة وضدها يجتمع النقيضان الكلاسيكي والحداثوي، فتلتقي الأخبار بالتمثيل وإنتاج التاريخ بإعادة إنتاجه والاقتناع بالتشكيك.. إلا إن هذا التقسيم قد أخرج الدراسة من خطها المنهجي العام الذي كان يفترض أن تسير عليه، وهو تبنى المعالجة الشعرية ذات الرؤية النصية إلى خط ما بعد نصي يتجاوز الانغلاق داخل لغوية النص وبلاغته متجها نحو تتبع تداعيات ما بعدية للبناء النصي منها القراءة والتأويل والمؤلف والسياق. وبهذا هيمن التفكيك على الشعرية وانحاز شوشان في دراسة تاريخ الطبري إلى التفكيك على حساب الشعرية، محاولا بناء فرضياته حول نصية التاريخ عبر إعادة بناء هذه النصية نفسها، وهذا ما جعل عنوان الكتاب متضمنا الرؤيتين معا، الرؤية الشعرية كإطار عام، والرؤية التفكيكية كانضواء رؤيوي خاص ومقصود.
واعتقد أنه في مرجعياته أسس بناء نظريا لشعرية النص التاريخي بينما تخطى في تحليلاته الإجرائية تلك النصية الشعرية، متخذا من التفكيكية منهجا تحليليا عبر تفنيد مواضعات الرؤى الكتابية التي اعتمدها الطبري في تاريخه. ولو أن شوشان قصر عنوان الكتاب على (تفكيك تاريخ الطبري) حسب، لكان أكثر إيفاء بالمدلولية وألصق بمقصدية التعاطي النقدي والمعالجة الإجرائية والاشتغال المنهجي الذي كان قد التزم السير عليه في أغلب مفاصل الكتاب. وهكذا جمع شوشان أدوات التحليل الشعرية كالموازنة والمقارنة بأدوات التحليل التفكيكية كالدحض والإرجاء والتشكيك وبناء الاختلافات والتأويلات، وهذا ما وسم اشتغاله البحثي بالطابع النقد ـ ثقافي مندرجا في إطار مرحلة ما بعد الحداثة، متجاوزا النقد النصي أو البنيوي، نافضا عن كاهل دراسته لتاريخ الطبري التبعات الحداثية.
صحيح أن التشكيك منهج ينتمي إلى مرحلة الحداثة إذ تعود أساساته إلى الفيلسوف ديكارت وعليها بنى طه حسين نظريته في الانتحال، لكن الباحث شوشان اتخذ من التشكيك أداة من ضمن أدوات متعددة هي نتاج ما كانت قد نظَّرت له وطورته تفكيكية جاك دريدا، التي وظفها شوشان في غربلة تاريخ الطبري لا بوصفه نصا بلاغيا أو سرديا، بل بوصفه نصا ثقافيا..
وقد ظهرت بوادر الهيمنة التفكيكية على الشعرية عنده حين وقف بادئ الأمر مستعرضا في صفحات كثيرة مكانة كتاب الطبري وأهميته بوصفه أحد الأعمال الكلاسيكية في الحضارة الإسلامية، مبينا أن هذا الكتاب له دوره في تشكيل الهوية الجماعية الإسلامية. ولا نؤيده في هذا الطرح الأخير فالتاريخ الرسمي أو العام لا يمثل الهوية الجمعية الشعبية التي تحمل في داخلها تاريخها الخاص غير الرسمي، ولا المدون ولكنه محكي يتمثل في الذاكرة الجمعية اللاشعورية التي يتم تناقلها شفاهيا عبر الأجيال.
وبالعموم لا تمثل التواريخ المدونة إلا وجهة نظر السلطة التي كتبت تلك التواريخ في عهدها وتحت ظلها ومن ثم ما دونت إلا ما يتناسب مع أهداف تلك السلطة ومبتغياتها. أما التواريخ المحكية فهي في الغالب مضادة للتواريخ الرسمية التي لن تسعى إلا إلى تغييب التواريخ المحكية وتهميشها وقد تعمل على طمسها وإخفاء وقائعها وأخبارها وشخصياتها وطبقاتها التي ناهضت السلطة أو ناوأتها وقاومتها. ولو كانت الشعرية منهجا في قراءة التاريخ كنص، لما اهتم شوشان بهذه السياقات والتبعات، ولما انخرط في هذه المعالجات التفكيكية، ولعل تبنيه لقطبية (المحاكاة واللامحاكاة) هو الذي جعله يتجه اتجاها تقويضيا إزاء تاريخ الطبري، منحرفا عن الشعرية كمنهج تحليلي ليغدو التفكيك هو المنهج الذي أخلص له شوشان وهو يقرأ تاريخ الطبري ويستغرق في تلمس خلفيات بنائه النصي ومرجعياته ودور المؤلف الطبري، وهل أنه هو فعلا الذي ألف هذا التاريخ؟ أو أنه ما كان مؤرخا ومحررا وأن هؤلاء الرواة لم يروا ما وقع فعلا؟ وكيف أن هدفهم كان الإقناع لذلك استعانوا بالبلاغة.
وعلى الرغم من هذا التعاطي المنهجي ما بين الشعرية والتفكيكية؛ إلا إن دراسة شوشان ـ وبغض النظر عن تخريبيتها أو تصحيحيتها ـ أسهمت في توكيد مسارات بحثية تخالف ما اعتادت الدراسات الاستشراقية انتهاجه في تعاملها مع التراث العربي والإسلامي.
ومن جملة الاستنتاجات التي توصلت إليها تفكيكية شوشان للتاريخ أن العنوان «تاريخ الرسل والملوك» لا ينطبق إلا على القسم الأول من التاريخ إذ أن «من وجهة النظر الإسلامية ليس هناك ملوك ورسل بعد محمد». وأن الطبري لم يكن مؤلفا وإنما قام بدور الجامع أو المحرر وان السنوات المئة الأخيرة من تاريخه هي أقل ميلا لذكر المصادر، مع افتقار تاريخه إلى خواتيم تختم سلسلة الأحداث، وأنه أخذ بالتعقل السياسي في سرد أحداث ثورة الزنج .. وأن ثمة اختلافا بين القسم الأول من تاريخ الطبري والقسم الثاني الذي اعتمد صيغة السجلات السنوية والتقـــــارير القصيرة والأخبار، وأن الطبري قد لا يذكر كل الأحداث التي وقعت في سنة معينة، وهذا ما أدى إلى كسر استمرارية الأحداث المفردة ومثَّل شوشان على ذلك بحدث التمرد الذي قاده زيد بن علي والذي انتهى بموته.
وعلى هذه الشاكلة من الاستنتاجات يستمر شوشان في نهجه التفكيكي باحثا عن المفارقات والتضادات والتناقضات والالتباسات عادا الطبري مبدعا لا مؤرخا.. ليغدو النقد التفكيكي نقدا ينتمي إلى ما بعد الحداثة نقدا ينسف التاريخ الرسمي ليبني بدله تاريخا أدبيا أو سردا تاريخيا.. فالتاريخ ما عاد هو الماضي أو السجل كما كان ينظر إليه في ما قبل عصر النهضة وما بعدها، وإنما أصبح تاريخ مسرودات صغرى لا تمت بصلة للماضي حسب، بل هي متداخلة ماضيا وحاضرا ومستقبلا…

ناقدة وأكاديمية

بواز شوشان ومنهجية تفكيك التاريخ

نادية هناوي سعدون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية