عكس اللقاء الذي تم بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في اسطنبول يوم الإثنين 10/10/2016 أثناء انعقاد مؤتمر مجلس الطاقة العالمي، تحولا في معادلة العلاقات بين البلدين التي كانت حتى حزيران (يونيو) تتسم بالتوتر والعداء على خلفية إسقاط الطائرة الروسية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015. وإثر ذلك الحادث قرر بوتين قطع العلاقات بين البلدين وفرض مقاطعة للبضائع التركية وحظر سفر الروس للسياحة في تركيا حيث كان يزورها سنويا أكثر من مليوني سائح روسي. ورغم طبيعة اللقاء التي ترتبط بالطاقة إلا أنه انعكس على التحالفات في الساحة السورية وبقدر أقل مواجهة تنظيم «الدولة» في العراق وطبيعة علاقة تركيا مع جوارها الأوروبي.
ويأتي ذوبان الجليد بين أنقرة وموسكو في ظل توتر وبرودة مع واشنطن. وتظل الأخيرة عاملا في ميل تركيا وبحثها عن حليف جديد. فما يجمع موسكو وأنقرة اليوم أكثر مما يجمعها مع الولايات المتحدة. فهناك الطاقة، حيث استؤنفت المحادثات بين البلدين حول مشروع نقل الغاز الطبيعي بعدما توقف عقب إسقاط الطائرة الروسية العام الماضي. ويهدف المشروع لنقل 63 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من البحر الأسود إلى أوروبا عبر مضيق البسفور في الوقت الذي سينتهي فيه اتفاق روسيا مع أوكرانيا لنقل الغاز بعد عامين حيث تعيش موسكو وكييف حربا بسبب ضم شبه جزيرة القرم ودعم موسكو للإنفصاليين الأوكرانيين. ولاحظت صحيفة «إندبندنت» (10/10/2016) أن اتفاقا يضمن تدفق الغاز الطبيعي سيكون ربحا إضافيا إلى أردوغان بعد الإتفاق الذي وقعه مع الإتحاد الأوروبي للحد من تدفق اللاجئين إلى أوروبا من العراق وسوريا. وفي المقابل كانت المحاولة الإنقلابية الفاشلة والمتهم بتدبيرها رجل الدين التركي المقيم في أمريكا، فتح الله غولن بالوقوف وراءها كانت واحدا من الأسباب التي وترت العلاقات بين واشنطن وأنقرة. ويشك معسكر أردوغان بمعرفة الولايات المتحدة بالإنقلاب وأنها فشلت في تحذير أنقرة مبكرا، خاصة أن قاعدة أنجرليك الجوية التي يعمل منها الأمريكيون في الحرب ضد تنظيم «الدولة» كانت مركزا مهما استخدمه الإنقلابيون للتخطيط. ولا تزال أنقرة غاضبة لعدم ترحيل الولايات المتحدة لغولن من بنسلفانيا كي يواجه المحاكمة في تركيا. وتقول واشنطن إن ترحيله يحتاج لإجراءات قانونية إلا أن مسؤولين أمريكيين تحدثوا أن الأدلة التي قدمها الأتراك ليست قوية بدرجة تدعو لترحيل رجل الدين. واتهم الرئيس التركي الولايات المتحدة بمحاولة توريطه وعائلته والمماطلة في ترحيل غولن، في إشارة لقضية تاجر المجوهرات الإيراني-التركي رضا زاراب الذي اعتقل في ميامي بتهمة خرق العقوبات الأمريكية على إيران. وتبرع زاراب لجمعية خيرية «توجيم» والتي يرتبط بها الرئيس وزوجته.
لكل هذا أرسل أردوغان دباباته وقواته الخاصة في شهر آب (أغسطس) إلى شمال سوريا والهدف كما هو واضح مواجهة تنظيم الدولة وقوات حماية الشعب التابعة لحزب الإتحاد الديمقراطي التي يعتبرهما أردوغان أنهما التهديد المزدوج على بلاده. وأمنت القوات التركية مع مقاتلي الجيش السوري الحر بلدة جرابلس الحدودية وأكدت أن الهدف المقبل لها وللجيش السوري الحر هو الوصول إلى بلدة الباب التي لا تزال تحت سيطرة التنظيم، مع أن وزير الدفاع الأمريكي، آشتون كارتر كان واضحا من أن واشنطن لا تريد رؤية القوات التركية فيها. وتحاول قوات حماية الشعب الوصول إلى البلدة، وهو ما يؤكد شكوك تركيا حول الدور الأمريكي بدعم المقاتلين الأكراد وتوسيع مدى سيطرتهم غرب نهر الفرات. وأكد أردوغان أن بلاده مستعدة للمشاركة في الحملة على معقل التنظيم في الرقة طالما لم تشارك فيها قوات حماية الشعب. وترغب تركيا بإقامة حزام آمن في سوريا وأعلن أردوغان عن تحديد منطقة من 900 كيلومتر مربع لتحقيق هذا الطموح. ولم تظهر روسيا أي اعتراضات حول المهمة التركية في سوريا. وزار قائد هيئة الأركان الروسي فاليري جيراسيموف أنقرة للإطلاع على خطط تركيا السورية من نظيره التركي الجنرال خلوصي أكار. ونقلت «إندبندنت» عن طلحة كوسي الباحث في معهد «سيتا» الذي أنشأه المتحدث باسم أردوغان، إبراهيم كالين قوله «لا يعترض الروس عما تقوم به تركيا في شمال سوريا وهذا لأنهم يركزون على حلب ولأن ما تقوم به تركيا لا يؤثر على مصالحهم. وترى تركيا أن ما تقوم به أمريكيا في سوريا مضر بمصالحها». ومن هنا استطاعت تركيا تجاوز خلافاتها مع روسيا عندما حملت أنصار رجل الدين غولن مسؤولية إسقاط الطائرة الروسية في محاولة منهم لتخريب العلاقة بين البلدين. وخلف هذا المبرر الذي يبدو أنه محاولة لحفظ ماء الوجه حرص البلدين على الخروج من مرحلة ما بعد 2015 والتعاون في القضايا المشتركة التي تخدم مصالح البلدين وبدا هذا واضحا في مؤتمر اسطنبول الذي اكتفى فيه بوتين بالحديث وبشكل جاف عن وضع الطاقة وأسعار النفط ووقع اتفاق بناء خط للغاز بين روسيا وتركيا. أما أردوغان فانحرف عن الغاز وتحدث من على المنصة نفسها التي وقف عليها قبل بوتين عن وضع حلب وما تتعرض له من قصف على يد الطيران الروسي ومروحيات النظام السوري. ولم يبد بوتين إشارة عدم ارتياح مما قاله أردوغان.
علاقة غريبة
ولهذا علقت مجلة «تايم» على لقاء الزعيمين بأنه «يلخص العلاقة الروسية ـ التركية الغريبة». وقالت إن تنحية الخلافات بينهما ومحاولة تجاوز حالة المواجهة تعبر عن محدودية ما يمكن أن تحققه العلاقة، خاصة أنهما يقفان على طرفي النقيض في الحرب السورية ويدعم كل واحد منهم طرفا أو أطرافا في الحرب. وعليه فزيارة بوتين وهي الأولى منذ حادث الطائرة والتي جاءت بعد اعتذار من الرئيس التركي وزيارته لسانت بطرسبرغ في آب (أغسطس) لـ «تنقية الأجواء» يجب أن لا ينظر إليها حسب سنان أولغين، الباحث الزائر في معهد كارنيغي أوروبا بانها «إعادة ترتيب تحالفات من جانب تركيا ولكنها جهد لإنهاء حالة العداء بين البلدين» مضيفا أن «العلاقات الآن تقف على أرضية صلبة، ومرة أخرى فتاريخ وواقع علاقة تركيا وروسيا أظهرا أكثر من مرة استحالة وجود حلف بين أنقرة وموسكو».
تغير الأولوية
ويمكن فهم عودة العلاقة في ظل تغير أولويات تركيا. ففي الماضي أكد الخطاب السياسي التركي والذي تبناه أردوغان على ضرورة رحيل بشار الأسد، إلا أن أنقرة مشغولة اليوم بما يطلق عليه الرئيس التركي التهديد المزدوج القادم من حزب العمال الكردستاني (بي بي كي) والجهاديين. وألمح بعض قادة حزب العدالة والتنمية الحاكم ومنذ تموز (يوليو) أن بقاء نظام الأسد أو تنحيه لم يعد أولوية في الوقت الحالي، مع أن بعض المعلقين قرأ في التصريحات محاولة للتطبيع وهو ما يستبعده أولغين «لا أعتقد وجود إمكانية تصبح فيها تركيا صديقة للأسد» وذلك لأن السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية استثمرت الكثير في الإطاحة به، وسيجد الحزب صعوبة في شرح أي تراجع للرأي العام التركي. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن التغير في المعادلة التركية والميل نحو روسيا له علاقة بالعامل الكردي.
وقف التحركات الكردية
وكما كتب ديفيد غاردنر في «فايننشال تايمز» (13/10/2016) فالمعركة على حلب هي تجسيد للطريقة التي تغيرت فيها التحالفات. فمن جهة يرغب بوتين والحلفاء الإيرانيون للأسد في استعادة الجزء الشرقي من المدينة لو بثمن تسويتها بالتراب. ولو حدث ما يريدونه فسيؤمن بوتين الأسد في إطار دويلة تمتد من دمشق عبر حلب وحتى الساحل السوري. وبالمقام نفسه ستخدم حلب كرمز للقوة الروسية المنافسة للولايات المتحدة على المستويين العالمي والإقليمي. ويعتقد غاردنر أن التحول التركي يظل الأهم في المعادلة الميدانية في شمال- غرب سوريا. وبعيدا عن دعوات الإطاحة بالأسد، أصبحت تركيا تتعامل مع الخطر الحقيقي، خاصة بعد المحاولة الإنقلابية الفاشلة وهم الأكراد. وتخشى أنقرة من تواصل أكراد سوريا مع «بي كي كي» الذي يشن حربا ضدها من قواعده في حكومة إقليم كردستان، شمال العراق. ولهذا جاءت محاولة تمشيط الخلايا المتعاطفة مع تنظيم «الدولة» داخل حدودها، وكان هذا هو هدف العملية التي اطلقت عليها أنقرة «درع الفرات». إلا ان الهدف الرئيسي للتوغل التركي داخل سوريا كان منع المقاتلين الأكراد من التحرك غرب الفرات بذريعة محاربة تنظيم «الدولة». ويسعى هؤلاء لربط الجيوب التركية في شرق وغرب سوريا معا. ولم يكن التوغل ممكنا بدون تسوية ملف العلاقة التركية- الروسية. وكما يقول غاردنر، فقد منح بوتين أردوغان اليد الحرة ضد أكراد سوريا الذين قدم لهم دعما انتهازيا. وفي تفسير للميل التركي نحو روسيا يقول المسؤولون الأتراك إنهم لم يتخلوا عن حلب أو المقاتلين فيها ولكنها علاقة تعاقدية وتطال أيضا إيران، الراعي الآخر لنظام الأسد. وقال مسؤول «نحن جيران ويمكننا عمل الكثير معا». كما أن علاقة ثنائية مع روسيا وإيران هي شرط لنهاية الأزمة الإقليمية «ولو تركنا العلاقات الثنائية أسيرة للأزمة السورية فإن هذا وضع خاسر- خاسر» للجميع. ويلاحظ غاردنر أن أهم عنصر في المعادلة الجديدة جاء من ناحية مسارعة كل من روسيا وإيران لشجب الإنقلاب وتأخر واشنطن ومعظم العواصم الغربية، مع أن تركيا هي عضو في حلف الناتو ومرشحة للإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي. وبالنسبة لسوريا فقد توصلت تركيا لحقيقة ومنذ زمن وهي أن الغرب تخلى عن المعارضة السنية الرئيسية. وركزت الولايات المتحدة برئيسها الذي أصبح مثل البطة العرجاء على تنظيم «الدولة» وأغضب تركيا من خلال استخدامه أكراد تركيا كقوة يضرب بها. وسيجد الإتحاد الأوروبي الذي وبخه أردوغان، كمؤسسة عقيمة، صعوبة بنهاية هذا العام في تجديد العقوبات على بوتين بعد ضمه شبه جزيرة القرم. وفي الوقت الحالي يواصل بوتين دكه للمقاتلين في حلب. وقال أحد مبعوثي أردوغان في المنطقة «إنهم يقاتلون، ولا نقاتل، وينتصرون».
دور الغرب
ويظل التحالف الروسي- التركي إن صح وصفه تحالف مصلحة أملته الظروف التي تمر فيها الدولتين. ويجب أن لا يفهم أنه تضحية بالعلاقة مع الغرب، وأي قرار بهذا الإتجاه سيكون كارثة كما يقول مصطفى أيكول في «المونيتور» (7/10/2016)، وتحالف بهذا المعنى سيدخل تركيا في دائرة الدول الشمولية. وقرأ المعلق التركي في محاولات المعلقين الروس والدعاية التي قدموها جهدا لحرف تركيا عن مسارها الغربي. وأشار لتصريحات مسؤولين روس عن دور في تحذير الحكومة التركية من الإنقلاب. وما نشرته المواقع المؤيدة للكرملين عن دور مزعوم للـ «سي آي إيه». ووجدت قصص وتصريحات كهذه هوى في تركيا الغاضبة من غولن وأتباعه وانتشرت نظريات المؤامرة.
وكما يقول أيكول فالقصص المزيفة التي نشرتها الدعاية الروسية عن دور أمريكي نشرها الإعلام التركي بدون تأكد من صحة ما ورد فيها. ويعتقد الكاتب أنها جزء من محاولة لإقناع الأتراك أن الغرب لم يعد حليفا يوثق به. ويرى أن ما يجمع تركيا وروسيا هو العداء لحركة غولن، فقد منعت روسيا سابقا المدارس التي أقامها أتباعها في روسيا ونشاطاتهم. وسمح العداء للبلدين لتحميلهم مسؤولية إسقاط الطائرة الروسية. ويرى الكاتب حكمة في عودة العلاقات بين البلدين، من الناحية الاقتصادية ولأن روسيا لاعب مهم ليس في الشرق الأوسط بل في البلقان ووسط آسيا. ومن هنا يأتي الدور الغربي الذي يجب أن لا يترك أنقرة لعبة في يد موسكو. وأن يقدم لها المساعدة والنقد البناء.
إبراهيم درويش