لندن ـ «القدس العربي»: تواجه المعارضة السورية في حلب الشرقية وضعا صعبا بعد التقدم الذي حققته القوات الموالية للنظام السوري في عدد من الأحياء الواقعة تحت سيطرة المقاتلين.
فيما يراه محللون أنها محاولة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعادة السيطرة على كامل حلب مستغلا الفترة الانتقالية التي تمر بها الإدارة الأمريكية وتولي الرئيس المنتخب دونالد ترامب السلطة في 20 كانون الثاني/يناير.
وقالت صحيفة «الغارديان» البريطانية إن ترامب يعمل على الانتهاء من فريق الأمن القومي وسيعين مسؤولين مستعدين للتعاون مع روسيا للحفاظ على الأسد في السلطة.
فمنذ أن قامت القوات الموالية للنظام بتعزيز الحصارعلى الجزء الشرقي من حلب وضع أكثر من 250.000 مواطن فيه في وضع صعب حيث قضوا معظم أوقاتهم في الخنادق وتحت الأرض لتجنب القصف الجوي المستمر.
ويواجه السكان كارثة إنسانية في وقت فشلت فيه الجهود الدبلوماسية التي يقودها ستافان دي ميستورا لمنع الكارثة فيما اعترف المنسق الأممي يان إيغلاند الأسبوع الماضي بأن المواد الغذائية في تناقص مستمر مع عدم وجود «خطة ب».
وقال إن المعارضة قبلت شروط تسليم المواد الغذائية ولم يتم التوصل لاتفاق مواز مع كل من روسيا والنظام السوري .
وجاء هذا في وقت طالب فيه عدد من النواب البريطانيين (120 نائبا) رئيسة الوزراء تيريز مي بإنزال المواد الإنسانية بالطائرات للمناطق التابعة للمعارضة.
وقال أحد داعمي المجموعة إن بوتين يقوم بإنزال مساعدات غذائية للمدن والبلدات التابعة للنظام «وعلينا محاولة الحفاظ على حياة من يواجهون خطر الجوع في حلب هذا إن لم تقتلهم البراميل المتفجرة أو يجرحوا وينقلوا للمستشفيات».
المهمة الأخيرة
وتأتي التطورات في وقت يحاول فيه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري محاولات دائبة التوصل لاتفاق مع الروس لإنهاء الحصار على مدينة حلب.
وعلق جوش روغين، في صحيفة «واشنطن بوست» على استمرار المسؤول الأمريكي جهوده بالقول إن ما يدفعه ليس حجم الكارثة الإنسانية، ولكن منظور تسلم إدارة جديدة ورئيس قد يبحث عن طريق مختلف لحل الأزمة السورية، رئيس يرغب بالتعاون مع الروس والتخلي عن المعارضة السورية مما يجعل الولايات المتحدة إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد.
وقال الكاتب إن وزارة الخارجية لا تقوم بالإعلان عن مهمة كيري الهادئة والتي جاءت بعد انهيار الاتفاق الأمريكي ـ الروسي.
وخلف الأضواء يقول الكاتب إن كيري يقود جهودا لوقف الهجوم الوحشي الذي يقوم به نظام الأسد وشركاؤه الروس والذي يشنونه على مدينة حلب ويشمل عمليات ضد المستشفيات ومحاصرة ربع مليون مدني في الجزء الشرقي منها.
ووصف أربعة مسؤولين عارفون بمحاولات كيري بأنها أكبر ما يمكن للوزير تحقيقه وأنها الفرصة الأخيرة لإقناع الحكومتين السورية والروسية وقف القتل.
وقال مسؤول «لا نزال نعمل بنشاط»، «ولن نتوقف عن العمل، ونعتقد أن هناك حاجة لمواصلة البحث عن فرصة».
ويقول الكاتب إن الإستراتيجية تقوم على تضييق التفاوض حول حلب فقط وتوسيع الصيغة لتشمل كلا من السعودية وقطر وتركيا وفي مرحلة ما إيران.
ويتركز الاتفاق على محاولة فصل المعارضة عن عناصر تنظيم القاعدة المرتبطين بجبهة فتح الشام أو جيش الفتح والذين سيغادرون الجزء الشرقي من مدينة حلب.
ومقابل هذا سيقوم نظام الأسد وروسيا بإنهاء الحصار وفتح المجال أمام وصول المساعدات الغذائية. وكشف الكاتب عن لقاءات عدة بين دبلوماسيين أمريكيين وروس في جنيف وكان كيري يخوض نقاشات ثنائية مع كل اللاعبين.
ويتحدث مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف مرتين في الأسبوع والتقاه هذا الشهر في العاصمة البيروية، ليما. كما والتقى كيري مع الحلفاء من أجل مناقشة الخطة في أبو ظبي، عاصمة الإمارات العربية المتحدة.
ورغم كل هذه الجهود إلا أن هناك عددا من المعوقات على الطريق، فلم يتفق الأمريكيون والروس على عدد المقاتلين المنضوين تحت جيش الفتح في حلب. وهناك خلاف حول من سيدير الجزء الشرقي من حلب وإن كان نظام الأسد سيتولى المهمة أم لا حالة توقف إطلاق النار.
وأشار مسؤول إلى أن الروس يحاولون شراء الوقت لتحقيق أهدافهم عسكريا أو الانتظار لحين تولي ترامب السلطة ويقدمون لها شروطا أفضل من المقدمة الآن لإدارة باراك أوباما. وقال المسؤول إن «الروس يحاولون إجبار المدينة على الاستسلام» وهم «بحاجة إلى 60 يوما لتحقيق هذا».
ويعترف المسؤولون بأن كيري المحبط لم يعطه البيت الأبيض السلطة كي يمارس ضغطا ذا معنى على الأسد وروسيا بشكل يجعله في موضع تفاوضي ضعيف.
نهاية الحلم
وكان كيري يعول على منظور تنتصر فيه المرشحة الديمقراطية في انتخابات الرئاسة الأمريكية لأنها وعدت بتبني سياسة أكثر تشددا من المسألة السورية.
وقد تلاشى هذا المنظور مع فوز ترامب، ومن هنا يقول روغين، لماذا يقوم بوتين بعقد صفقة مع كيري عندما يمكنه الانتظار شهرين آخرين ويتوصل لاتفاق مع ترامب والذي قدم وعودا انتخابية بالتعاون مع روسيا؟
ويبدو الرئيس المنتخب متقفا مع بوتين بشأن المعارضة السورية التي لا يمكن الوثوق بها وأن بقاء الأسد في السلطة هو الخيار الأفضل. وثارت المخاوف حول خطط ترامب المتعلقة بسوريا الأسبوع الماضي عندما نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريرا قالت فيه إن ابن ترامب دونالد جون (دون) ترامب جي أر التقى بباريس في شهر تشرين الأول/أكتوبر مع عناصر من المعارضة السورية وبموافقة من روسيا ونظام الأسد.
وفي مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» الأسبوع الماضي قـال ترامـب إن «لديه بعـض الأفكـار القـوية حـول سـوريا».
ومنذ انتخابه رئيسا تحدث مرتين مع بوتين وناقشا طرق التعاون في منطقة الشرق الأوسط. ويقول روغين إن موسكو وقطاعا من المعارضة السورية التي تدعمها ترغب بمحادثات سلام تؤدي لتقوية موقع الأسد في المنظور القريب.
وبشكل مقارب اعتبار بقية أطراف المعارضة إرهابية يجب القضاء عليها. ويقول الكاتب إن الكثيرين في واشنطن بمن فيهم النائب الديمقراطي تولسي غابارد والذي التقى ترامب في الأسبوع الماضي وناقش إنه يجب وقف دعم المعارضة السورية ووقف الحرب والمعاناة. ويعلق الكاتب إن المنظور مغر ولكنه يقوم على منطق قاصر، فلو قام ترامب بعقد صفقة مع روسيا والمعارضة الصديقة للأسد فسيزعم أنه نجح حيث فشل كيري.
وسيظل انتصارا باهظ الثمن. فيما ستواصل المعارضة الأخرى قتالها ومعهم ملايين السوريين لمقاومة نظام الأسد الوحشي ويطالبون بالحقوق الرئيسية.
وأسوأ من هذا فقد تجد نفسها إلى جانب الطرف الذي يرتكب جرائم حرب وتنفر معظم السوريين ولأجيال قادمة وتدفعهم إلى أحضان المتطرفين. ومن هنا فما يفعله كيري صحيح حتى يتم تجنب الكارثة.
حقائق
وهي بادية في الأرقام والأوضاع الصحية التي يعاني منها المدنيون في شرق حلب. وكان موقع «بازفيد» قد رسم صورة قاتمة لما يعانيه السكان من نقص للمواد الطبية ومؤسسات العلاج نظرا لاستهداف النظام لهذه المنشآت.
وقال «ومع استمرار النزوح الجماعي والكارثة الإنسانية فالأرقام تعطي قصة أخرى فخلال الأيام الأخيرة جرح أكثر من 1.000 شخص في حلب الشرقية وحدها. ولم يعد هناك أي مستشفى عامل في هذا القسم المنكوب».
فقد رسمت منظمة الصحة العالمية صورة قاتمة عن الوضع الصحي في المدينة، مع أن هناك عددا من العيادات الطبية التي لا تزال عاملة وإن تحت الأرض والشقق التي تم تحويلها إلى عيادات مؤقتة.
واستهدف طيران النظام مستشفى للولادة تم إصلاحه وهو الوحيد في هذا الجزء. أما عن عدد الأطباء فلا يزال هناك 30 طبيبا عاملا في مناطق المقاتلين ومن بينهم طبيبة ولادة وحيدة.
أما عن الأطباء الإخصائيين في مجال طب الأطفال فلا يوجد أي منهم. فقد قتل الدكتور محمد وسيم معاذ في شهر نيسان/إبريل وكان آخر طبيب أطفال في المنطقة الشرقية رغم وجود أكثر من 10.000 طفل في مناطق المقاتلين.
وبلغ عدد أفراد الطواقم الطبية الذين قتلوا منذ حصار حلب الشرقية في بداية آب/أغسطس 113 موظفا. وهم جزء من 750 ممرضا وطبيبا قتلوا في أثناء الحرب حسب تقرير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة.
وأجبرت الحرب ثلثي الأطباء والعاملين في المستشفيات السورية على الفرار من بلادهم حسب إليزابيث هوف ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا.
حدود القوة الروسية
وفي اتجاه آخر فالمحاولات الروسية استعراض قوتها في حلب من خلال بوارجها العسكرية في شرقي البحر المتوسط يكشف كما تقول صحيفة «وول ستريت جورنال» عن قوتها المحدودة.
فمن أجل تحقيق هدف السيطرة على حلب وأهداف أخرى تتعلق بالدور الروسي في المنطقة نشرت موسكو أسطولا من السفن الحربية وحاملة للطائرات وعددا من الغواصات وفرقاطة لتعزيز الدعم الروسي لنظام الأسد.
ويقول كل من ناثان هودج وجوليان بارنز إن الحشد البحري كشف عن حدود القوة العسكرية الروسية في مجال الحرب التقليدية.
وأشار الكاتبان إلى أن التلفزيون الرسمي الروسي يعرض لقطات تذكر بأفلام «توب غان» للمشاهد المحلي الروسي عن مشاركة حاملة الطائرات «كوزينتسوف» في العمليات العسكرية. أما المراقبون الأجانب فيعرفون عن قدرات البلد العسكرية التي تصدر للخارج مثل طائرات ميغ- 29 وهي تقوم بطلعات جوية.
ويعلق الكاتبان أن حاملة الطائرات كوزنيتسوف البالغ عمرها 25 عاما تفتقد نظام المنجنيق القوي الذي يعتبر جزءا من حاملات الطائرات الأمريكية وهو ما يجبر الطائرات الروسية لنقل حمولة صغيرة وتحميل وقود أقل حسب مسؤولي حلف الناتو.
كما أن قلة الملاحين المدربين القادرين على الإقلاع والهبوط في البحر أجبر البارجة على حمل عدد قليل من الطيارين.
وخسرت روسيا مقاتلة هذا الشهر أثناء جولة تدريبية عندما سقطت وهي تقترب من الهبوط عليها.
ونقلت الصحيفة عن إريك ويرثيم مؤلف دليل لمواجهة الأساطيل في العالم قوله إن البحرية الروسية لم تحصل على تدريبات عملياتية في السنوات الماضية وتجربة قتالية حقيقية.
وفي هذه الأيام تقوم المقاتلات الروسية بضرب مواقع المعارضة السورية للأسد في شرقي حلب وهو ما قاد لنقد أمريكي لموسكو.
ولم تقل المؤسسة العسكرية الروسية إن البارجة كوزنتسوف تشارك في الهجمات على حلب، مع أن مسؤولي الناتو يرون أن الهدف الرئيسي لرسوها قرب الشواطئ السورية هو ضرب المقاتلين السوريين.
ولروسيا أيضا عدد من المقاتلات التي تنطلق من قاعدتها الجوية في حميميم. ويعتقد المسؤلوون الغربيون أن نشر البارجة في البحر المتوسط ونقلها لنظامها الصاروخي الباليستي إلى الجيب الروسي كالينغراد في بحر البلطيق هو جزء من استراتيجية من محورين يحاول الرئيس بوتين تحقيقها، خاصة منذ انتخاب ترامب.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول غربي قوله إن الروس يحاولون لعبها على الجهتين. فمن ناحية، وعلى مستوى بوتين هناك رسالة تقارب وحوار وانفتاح ومن ناحية أخرى يقومون باتخاذ خطوات تأمين حالة استمر ترامب في تبني الاستراتيجية الأمريكية التي تتعامل مع روسيا كدولة ذات سلوك سيء.
وفي هذا الاتجاه يحاول الروس التعلم من استراتيجية الولايات المتحدة لاستعراض القوة، فالبوارج الحربية الأمريكية وحاملات الطائرات تعتبر الرمز القوي لاستعراض قو الولايات المتحدة. وتحتفظ الولايات المتحدة بعشر حاملات طائرات نووية مما يسمح للرئيس الأمريكي إرسال مجموعات قتالية لأي مكان في العالم.
ومع ذلك يرى الخبراء البحريون الغربيون أن روسيا لديها قدرات محدودة في نشر قواتها القتالية ولوقت طويل. كما أن الأسطول الروسي عانى من مشاكل لوجيستية فقد انسحبت روسيا من عملية تزود بالوقود في سبتة وهو ما جعلها ترسل مع الأسطول سفينة وقود لإمداد السفن المسافرة بما يلزمها أثناء الرحلة حتى تصل إلى شرق البحر المتوسط.
وحاول الروس القيام باختبارات لشن وإنقاذ طائرات من على متن البارجة في ظروف الحرب الحقيقية وهي مهارة صعبة لا يستطيع الطيارون تعلمها بسهولة خاص في الليل أو في الأجواء البحرية الصعبة.
وهو يعتقد أن البحرية الروسية حصلت على فرصة لتجديد نشاطاتها وتجربتها في العملية السورية.
كما حصلت موسكو على منافع أخرى إعلامية الطابع حيث «رفعت العلم الروسي وحصلت على عناوين الأخبار» كما يقول سير نورمان بولمار، المحلل في الملاحة البحرية والمؤلف الذي درس البحرية الروسية والسوفييتة.
وقال إن نشر حاملة الطائرات كوزنيتسوف قد زاد من موقع البحرية، مشيرا إلى أن القوة البحرية الروسية تظل محدودة مقارنة مع البحرية العسكرية الأمريكية.
وأضاف أن الملاحين الروس سيجدون صعوبة في الحفاظ على المهارات القتالية بعدما تذهب حاملة الطائرات للصيانة حين تنهي مهامها في سوريا.
إبراهيم درويش