نيويورك- «القدس العربي»: بدأت جماعة بوكو حرام النيجيرية عامها الجديد بارتكاب مزيد من المجازر التي يأبى العقل السوي على فهمها إذ إنها لا تندرج ضمن تصرفات أي نوع من البشر يتمتعون بوجود دماء تسري وقلوب تنبض وعقول تفكر وأطراف تتحرك وعيون تنظر وآذان تسمع. فقد قامت هذه المجموعة التي هي أقرب إلى الكائنات التي نراها فقط في أفلام الخيال العلمي، يوم الثالث من الشهر الحالي بتطويق بلدتي باغا ودورون باغا المجاورة قرب الحدود مع تشاد وأحرقوا البيوت وهدموها كلها وتقدر بـ 3.700 بيت وقتلوا تقريبا كافة من وقعت أيديهم عليهم ممن لم يستطيعوا الفرار وعاثوا فسادا وإجراما في القريتين وتركوهما خاويتين على عروشهما وخاليتين من البشر. وفي إحدى الحوادث الموثقة أطلق أحدهم النار على إمرأة كانت تضع وليدا فقتلوها ووليدها الذي خرج نصفه إلى الحياة ليموت هو وأمه قبل إستكمال عملية الولادة. تركوا الجثث منتشرة على الأرض وإختفوا بين الأدغال بعد أن سحبوا معهم عددا من الفتيات الشابات. قيل إن عدد القتلي يتراوح بين عدة مئات إلى ألفين. وقد صرخ مدير الناحية المسلم بابا أبّا حسن «إن معظم الضحايا من الأطفال والنساء والمسنين الذين لم يستطيعوا الهرب عندما وصلت قطعان بوكو حرام إلى ساحة البلدة حيث كانوا يطلقون النيران الكثيفة وقذائف الأر بي جي». وقد أحصت مفوضية اللاجئين عدد الذين هربوا وإجتازوا الحدود إلى تشاد نحو 11.300 من القريتين والقرى المجاورة التي تناهت إليها أخبار المجزرة.
أما الطريقة الوحشية الثانية التي تفتقت عبقرية بوكو حرام عن ممارستها في بداية عامهم الجديد وهي إستخدام فتيات صغيرات لا يتجاوزن العاشرة من أعمارهن في تفجيرات إنتحارية في الأسواق العامة. وهذا ما قامت به فتاة في سوق بلدة ميديغوري في شمال شرق نيجيريا يوم 10 كانون الثاني/يناير فأردت عشرة أبرياء ثم لحقت بها فتاتان صغيرتان في اليوم التالي في سوق بلدة بوتسكوم في المنطقة نفسها فخلفت جثتاهما أربعة قتلى وأربعين جريحا. هذه الجرائم غير المسبوقة تضاف إلى سجل هذه الجماعة الإجرامية التي أذاقت الشعب النيجيري مسلميه قبل مسيحييه ويلات القتل والتعذيب والاغتصاب والخطف وما زال بين يديها 219 طفلة على الأقل مختطفات منذ نيسان/أبريل الماضي. فكيف تشكلت هذه المجموعة وما هي الدوافع التي تدفعها لارتكاب هذه الجرائم باسم الإسلام الذي حولته هذه الجماعات وأضرابها إلى شماعة يعلق عليها كل الجرائم والموبقات والمذابح والعمليات الإرهابية. ولوكان الإسلام الذي إنتشر من الجزيرة العربية يمارس مثل هذه الأعمال في فجره لما وصل ماليزيا وأندونيسيا ولا ساحل العاج والسنغال ولا جزر القمر والفلبين ولا كشمير وكازاخستان.
من أين جاءت بوكو حرام؟
نيجريا، أكبر بلدان القارة الأفريقية وأعظمها إقتصادا حيث يزيد سكانها عن 175 مليون ينقسمون تقريبا مناصفة بين المسلمين والمسيحيين. ففي عام 2012 وحسب تقرير مؤسسة «Pew» للدراسات فإن 49.3% من سكان نيجيريا مسيحيون و 48.8% مسلمون. وخلال سنوات قليلة سيتفوق المسلمون عددا على المسيحيين إن لم يكونوا فعلا تفوقوا. لم يكن هناك حساسية بين الأديان في البلاد، مثل كثير من البلدان الأفريقية، بل كان التجاذب حول قضايا إقتصادية وحكم العسكر والفساد المستشري. فقد ترأس البلاد مسلمون مثل إبراهيم بابنجيدا وعبد السلام أبو بكر كما تسلم الرئاسة بالانتخاب مسيحيون مثل أوليسيغون أوباسنجو والرئيس الحالي غودلك جوناثان الذي فاز في انتخابات حرة وشفافة في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 ضد منافسه المسلم محمد بخاري. في العشر سنوات الأخيرة انتشرت الحركات التبشيرية المسيحية في البلاد بشكل غير مسبوق. فكان رد فعل بعض المسلمين وخاصة في شمال وشمال شرق البلاد الدعوة إلى تطبيق الشريعة في بعض الولايات ذات الغالبية المسلمة.
لقد ظل سكان شمال نيجيريا، وغالبيتهم من المسلمين، يشعرون بشيء من التهميش. لقد بقيت المناصب الأساسية وتركيبة الجيش وأجهزة الأمن والصناعات والتجارة والعمران وصناعة النفط في وسط البلاد وجنوبها، وتنامى لدى سكان الشمال شعور دفين بأن الدولة قد نسيتهم أو تناستهم وأنها لا تستحق الاحترام ولا الإخلاص لها. إن شأن المسلمين في نيجيريا شأن بقية الجماعات العرقية أو الدينية التي تشعر بالتهميش والإقصاء والتمييز. تبدأ هذه الجماعات تنتج مجموعات غاضبة تلتقي على أرضية رفض القهر والظلم والاستعداد العالي للاحتجاج أولا. وسرعان ما تفرز هذه التيارات جماعات متطرفة تريد أن تصحح الأمور بالقوة. فيأتي شخص أو أشخاص يستثمرون الأوضاع ويحولون التيار إلى تنظيم والغضب والشعور بالتهميش إلى أيديولوجية ويسيرون في الحل الذي يرونه واحدا وحيدا: القتل والخطف والتدمير وبث الرعب في كل من يختلف معهم. يتحمس كثير من الشباب الذين يسارعون للانضمام إلى هذه المجموعات نوعا من ممارسة الرجولة من جهة وطريقة سهلة لجمع المال أو إغتصابه وإسقاط عقدة الدونية التي عانوا منها على خصومهم فيتحولون إلى وحوش كواسر ويصبح ذبح الطفل أو المرأة الحامل أو الشيخ المسن أو حرق القرى وتهجير السكان أمرا عاديا يمارسه الفرد منهم ولا يرف له جفن. وكم شاهدنا في السنوات العشر الأخيرة في العراق والشام وباكستان والصومال ومالي رجالا شعث يتلّون جبين الضحية ويبسلمون وينحرونه كالشاة أمام الكاميرا بل ومنهم من يحمل الرأس في يديه ويلوح به أمام الناس كأنه «مخاريق بأيدي لاعبين» على رأي عمرو بن كلثوم.
هذا ما حدث في شمال شرق نيجريا وأنتج «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد»، المعروفة عالميا باسم «بوكو حرام» أي التعليم الغربي حرام، والتي بدأت نشاطاتها شمال شرق نيجريا وعلى حدود النيجر وكاميرون. أسسها محمد يوسف عام 2002 بهدف «إقامة دولة إسلامية شمال نيجيريا عن طريق وسائل لا تعتمد العنف» كما جاء في بيان التأسيس. وعلى طريقة طالبان الأفغانية تكونت الحركة من الطلبة الذين قرروا أن يهجروا المدارس ويمتشقوا السلاح لتكتمل ثنائية الجهل والسلاح، وهما عنصران ما إجتمعا لإمرئ إلا كان للجريمة من تصرفه نصيب كبير. وهدف الجماعة كما يقولون تطبيق الشريعة وبناء دولة الخلافة الإسلامية. إعتقل محمد بن يوسف عام 2009 وتمت تصفيته بعد ساعات من اعتقاله وتسلم السلطة بعده أبو بكر شيكاو، الرجل الغامض الذي لا يعرف الكثير عنه والذي وعد بالانتقام من مقتل محمد يوسف وحول الحركة منذ توليه إلى تنظيم دموي لا علاقة له بما كان يعد به سلفه باعتماد الطرق السلمية في إقامة الدولة الإسلامية. فهل ممارسات هذه المجموعة تشير من قريب أو من بعيد إلى قيام دولة العدل والمساواة وتطبيق الشريعة؟
بوكو حرام مسلسل من الإجرام ـ
فلا دولة أقامت ولا شريعة طبقت
ترفض المجموعة كل ما له علاقة بمناهج التعليم الغربية وتعتقد أنها تفسد الأجيال وتبعدهم عن دينهم. بدأت المجموعة أنشطتها الدموية بعد عام 2009 بمهاجمة الكنائس والمدارس ومراكز الشرطة والجيش والدوائر الحكومية وخطف السياح وإغتيال المسلمين الذين يوجهون نقدا للمجموعة ويقدر عدد الذين قتلوا على أيدي الجماعة في الخمس سنوات الأخيرة نحو 10.000 إنسان. بل إن مركز «مجلس العلاقات الخارجية» في نيويورك يؤكد أن الجماعة قتلت خلال عام 2014 عشرة آلاف شخص وشردت داخليا أكثر من مليون شخص وهجرت نحو 100.000 إلى تشاد والنيجر والكاميرون . وتنتشر خلايا بوكو حرام في ولايات الشمال والشرق مثل بورنو وأدماوا وباوشي وكانو ويوبي. وقد بنت علاقات مع تنظيم القاعدة في المغرب العربي وتنظيم الشباب في الصومال وحركة الوحدة والجهاد في غرب أفريقيا ومجموعات إسلامية متطرفة أخرى في القارة الأفريقية.
في بدايات عام 2013 وسع الجيش النيجيري عملياته ضد المجموعة مما أدى إلى تشريد أكثر من 90.000 شخص إنضم بعضهم لصفوف بوكو حرام. ثم قامت القوات النيجيرية وسلطات السجون بتصفية 950 عنصرا من عناصر بوكو حرام أثناء فترة إعتقالهم في السجون الحكومية مما دفع المجموعة أن تصعد من عملياتها ضد الدولة والمدنيين. بدأت المجموعة حملة عنيفة موجهة ضد المدراس منذ صيف 2012. فقد هاجمت مدرستين في حزيران/يونيو 2013 وقتلت 22 طفلا. وفي تموز/يوليو هاجمت مدارس في بلدة مامودو وقتلت 42 شخصا معظمهم طلاب مدارس صغار. وفي 29 أيلول/سبتمبر 2013 هاجمت مدرسة زراعية في بلدة يوبي وقتلت نحو 50 طفلا وهم هاجعون في بيوت الطلبة.
بوكو حرام ومجلس الأمن الدولي
جاءت حادثة خطف الفتيات من مدارسهن في نيسان/أبريل 2014 من بلدة شيبوك والتي تعتبر أجرأ وأخطر عملية قامت بها المجموعة لتوحد المجتمع الدولي ليس فقط في إدراجها ضمن المجموعات الإرهابية بل في الاستعداد لتقديم كافة المساعدات للحكومة النيجيرية للبحث عن الجناة وتحرير الفتيات كذلك. أدرجت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي يوم الخميس 22 أيار/مايو الماضي حركة «بوكو حرام» النيجيرية ضمن قائمة الجماعات المنتمية أو المرتبطة «بتنظيم القاعدة» وبالتالي تصبح مشمولة بسلة العقوبات التي تفرض على التنظيمات الإرهابية والتي نص عليها القرار 1267 لعام 1999. وكان تنظيم بوكو حرام قد أعلن مسؤوليته عن اختطاف نحو 276 فتاة تتراوح أعمارهن بين 12 و 17 سنة من بلدة شيبوك في ولاية بورنو في شمال شرق نيجيريا. كماعاد التنظيم واختطف المزيد من الفتيات وهدد ببيعهن على أساس أنهن سبايا. إن إدراج بوكو حرام على قائمة العقوبات التي تلحق بتنظيمات القاعدة يعني أن مجلس الأمن قد إتخذ خطوة هامة في تأييد جهود نيجيريا لهزيمة بوكو حرام ومثول قيادتها أمام العدالة بسبب ما ارتكبته من فظائع. كما أن مجلس الأمن بإضافته بوكو حرام للقائمة بموجب القرار 1267 والقرارات اللاحقة يكون قد أغلق العديد من المنافذ لتمويل وتسليح جماعة بوكو حرام ومنع قياداتها من السفر. كما أن مجلس الأمن عبر عن موقف دولي موحد ضد ما ترتكبه هذه الجماعة من أعمال وحشية. الغريب في الأمر أن علماء المسلمين وفقهاءهم الذين يسرعون في إصدار الفتاوى على كثير من الأمور الثانوية وخاصة فيما يتعلق بجسد المرأة بقوا صامتين أمام هذه الحوادث العظيمة والتي تطال آثارها السلبية صورة الإسلام والمسلمين وتشوه كل ما جاء به الإسلام من تعاليم سمحة وترسم صورة كريهة عنيفة خالية من الرحمة والعدل عن الإسلام والمسلمين وبالتأكيد سيدفع ثمنها أبرياء مسلمون في أكثر من بلد وستنتشر الجماعات المتطرفة من الأديان والأعراق الأخرى للانتقام من المسلمين أو تخوفا منهم أو اتقاء لشرهم كما حدث في جمهورية أفريقيا الوسطى وأوغندا (جيش الرب) وميانمار والنتيجة أن هناك رؤوسا ستتدحرج وأطفالا سيذبحون ومنازل ستهدم وقرى ستحرق ومجتمعات ستهجر. جرائم بشعة ترتكب مرة باسم الإسلام ومرات انتقاما من المسلمين. فمتى يصحو رجال الإفتاء ويرفعون عالي الصوت على من إختطفوا الإسلام وشوهوه، ويصدرون بشكل جماعي فتاواهم الواضحة بتحريم مثل هذه الأعمال المشينة وتجريم كل من يرتكبها ويتصدرون مجموعة من الأنشطة تثبت أنهم علماء ينزلون إلى ميدان الجهاد الحقيقي لينتزعوه ممن شوهوا مصطلح الجهاد.
كم نتمنى لو أن علماء المسلمين من كل مكان نظموا مظاهرة مليونية في أبوجا أو لاغوس أو بورنو على طريقة مظاهرة باريس يوم الأحد 11 كانون الثاني/يناير الحالي لرفض الإرهاب وتضامنا مع ضحايا شارلي إبدو الثمانية عشر. ألا يستحق قتل نحو ألفين وخطف مئات الفتيات الصغيرات وغالبية القتلى والمخطوفات من المسلمين أن يسير الملايين في مظاهرة تعبرعن رفض المسلمين وغير المسلمين لهذه الظاهرة الغريبة عن الإسلام وعن الحضارة وعن الإنسانية؟ فمتى تستقيم أمور فقهاء السلاطين ليصبحوا فعلا صورة مشرقة للإسلام المتسامح القابل للآخر والذي علمنا: «أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» و «إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» و «إصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين».
عبد الحميد صيام